لحسن حداد
كاتب مغربي وهو أستاذ جامعي في التدبير والتواصل والعلوم السياسية والجيواستراتيجيا وإدارة الأعمال. خبير دولي في التنمية والاقتصاد والدراسات الاستراتيجية والثقافية والاجتماعية. نائب رئيس «المنظمة الدولية للتنمية». وزير السياحة الأسبق في الحكومة المغربية. عضو في مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية في البرلمان). رئيس اللجنة المشتركة للبرلمانين الأوروبي والمغربي.
TT

حكومة أخنوش: حصيلة نصف الولاية

استمع إلى المقالة

أي تقييم يمكن وضعه لحصيلة حكومة عزيز أخنوش، ثلاثين شهراً بعد نيلها ثقة البرلمان المغربي؟ ما إنجازاتها وما إخفاقاتها وما الأمور التي ستباشر تنفيذها في نصف الولاية الثانية؟ السؤال العريض الذي طرح نفسه في النقاش الدائر في الأوساط السياسية والإعلامية المغربية، بعد تقديم رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية، هو كيف نجح عزيز أخنوش في إخراج البلاد من عنق الزجاجة رغم مخلفات كورونا والجفاف المزمن وموجة التضخم وما رافقها من ارتفاع الأسعار وحالة اللاستقرار الاقتصادي والسياسي على المستوى الدولي؟ للجواب عن هذا السؤال يجب الرجوع للإصلاحات التي باشرتها حكومته ومدى قوة أو ضعف الانتقادات التي تعرضت لها.

تقول المعارضة إنَّ الإصلاحات والأرقام التي قدمها رئيس الحكومة لم يكن لها وقع على حياة المواطنين اليومية وعلى قدرتهم الشرائية. والدليل على ذلك التضخم وارتفاع الأسعار الذي ألهب جيوب المواطنين واستمرار تدني جودة الخدمات الإدارية والطبية وما إلى ذلك. وهذا غير صحيح من وجهة نظر الأغلبية، لأنَّ الحكومة تغلبت على التضخم الذي أصبح يقارب الصفر، بينما بدأت منظومة الحماية الاجتماعية في إعطاء ثمارها على مستوى التحويلات المباشرة لصالح الفقراء، وتحسن العرض الصحي، وكذا من خلال عملية الرفع من الحد الأدنى للأجور والرفع من أجور الموظفين والتخفيض من الضرائب.

وجهة نظر الحكومة والأغلبية هي أنه لولا تدخل الأولى من أجل دعم النقل للتحكم في أسعار تنقل الأشخاص والسلع، ودعم الفلاحين لمواجهة آثار الجفاف، والرفع من الأجور لمواجهة ارتفاع الأسعار، ووضع قنال للربط بين الأحواض المائية لمواجهة شح المياه، ودعم استيراد أكباش العيد لضبط أسعار الأضحية - لولا كل هذه الإجراءات وأخرى عديدة - لكان وقع الأزمة أعمق، ولكان أثر التضخم أقوى، ولأثَّر شُحُّ المياه على السلاسل الحيوانيّة والنباتية وعلى وضعية الولوج إلى الماء الشروب.

انتقاد الحكومة كذلك بأنها لم تعمل شيئاً لصالح الطبقة المتوسطة مجانب للحقيقة، حسب فرق الأغلبية. هكذا فالرفع من الأجور مرتين، والدعم المباشر للسكن، والزيادة في رواتب رجال ونساء التعليم والصحة والرفع من الحد الأدنى للأجور بـ20 في المائة، واستمرار دعم أسعار الكهرباء لتبقى مستقرة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار نفسها في العديد من الدول، هذه كلها إجراءات لصالح الطبقة الوسطى حسب الحكومة والأغلبية المسانِدة لها داخل البرلمان.

نعم يجب إصلاح الضريبة على الدخل. وتسجّل فرق الأغلبية والمعارضة بارتياح كون الحكومة التزمت بالإتيان بتصور متكامل في ميزانية 2025، التي سيبدأ النقاش حولها في بحر صيف 2024. ومن المنتظر مراجعة الجدول التصاعدي للضريبة على الدخل والرفع من الحد الأدنى للإعفاء من الضريبة لتصل تدريجياً إلى نحو 7200 دولار سنوياً، وغيرها من الإجراءات التي تهم الطبقة المتوسطة.

هناك من قال إن الحكومة بسياستها الضريبية تنخرط في منطق إعادة توزيع الثروة وليس في منطق خلق الثروة، وهذا فيه كثير من المغالطات حسب فرق الأغلبية. أولاً، لأن الحكومة نجحت في تخفيض الضرائب وتوسيع الوعاء الجبائي والرفع من الموارد الجبائية وهو شيء لم يحصل من قبل. ثانياً، الدعم المباشر ليس توزيعاً للثروة ولكنه استثمار في القدرات. وهذا الاستثمار سيعود بالنفع على العجلة الاقتصادية لأنه يساهم في الرفع من الاستهلاك. وثالثاً، تردد وتخوف الرأسمال الوطني من الاستثمار هما مشكلة بنيوية لن يحلها الخفض من الضغط الضريبي، ولكن تحسين مناخ الأعمال وتحييد العراقيل الإدارية والبيروقراطية.

من جانب آخر، تُقِرُّ الحكومة بأن معدل البطالة ارتفع، ولكنه هَمّ قطاع الفلاحة فقط، بينما تمَّ خلق مناصب في الخدمات والصناعة والبناء. والسبب في ذلك توالي سنوات الجفاف وتحويل مياه السقي لاستعمالات الماء الصالح للشرب، ما أدى إلى انخفاض فرص الشغل في المناطق الفلاحية. ومن شأن الربط بين الأحواض والانتهاء من تحلية المياه لصالح ساكنة الدار البيضاء الكبرى ومناطق أخرى والتحسن الممكن لمتوسط التساقطات المطرية، أن تُرجع الحياة لسوق الشغل في البوادي.

وتنوي الحكومة التركيز على التشغيل في النصف الثاني من ولايتها. وفي نظري، عليها التركيز على الطلب عبر دعم قطاعات ترحيل الخدمات الرقمية، والمستخدمين المستقلين الرقميين، وقطاع اللعب الإلكتروني، والمقاولات الصغرى في ميادين البناء والسياحة والثقافة والتنشيط والصناعة الثقافية، والوحدات الصناعية التحويلية الصغرى، والتجارة الرقمية، والمهن الصحية، والخدمات التكنولوجية وغيرها. هذا دون إغفال الطلب، أي دعم التكوين والتدريب والرفع من ملاءمته لسوق الشغل.

موازاة مع هذا، كانت الحكومة قد وعدت بإعطاء دفعة قوية لتشغيل المرأة والرفع من مساهمتها في سوق الشغل، وهو أمر لم تتحقق فيه إنجازات تذكر حسب فرق المعارضة. وفي رأيي فإن فتح سوق الشغل والرفع من مساهمة المرأة فيه سوف يساعدان على تجاوز معضلة البطالة وسيعطيان نقطة إضافية لمعدل نمو الاقتصاد المغربي.

نقطة أخرى سيتم الحصول عليها من دعم وتقوية وتحصين الرأسمال المؤسساتي. ما قامت به الحكومة في هذا الإطار من تبسيط المساطر، ورقمنة خدمات الإدارة، وبناء صرح اللاتمركز الإداري، وإعادة النظر في القوانين المؤطِّرة لمنظومة العدالة، وتفعيل دور الهيئة الوطنية لمحاربة الرشوة، واستكمال الترسانة القانونية الخاصة بمجلس المنافسة، والمرسوم الجديد الخاص بالصفقات العمومية، كل هذا مهم ومهم جداً في نظري.

ولن تكتمل الصورة، حسب رأيي، إن لم تضع الحكومة منصة لتتبّع الاستثمار، ووضع آليات لتوخي الشفافية في الوصول إلى المعلومة، ورقمنة كل العمليات الخاصة بالجمارك والضرائب والجماعات والوكالات الحضرية والإدارة الترابية، وتحسين حكامة المؤسسات العمومية، وإعادة النظر في النموذج المعتمَد لتفعيل الجهوية المتقدمة، لتكتمل الصورة على المستوى المؤسساتي، وهو ما سيعطي دفعة قوية للنمو الاقتصادي أيضاً.

هذه الإنجازات وإنجازات أخرى كثيرة باشرتها الحكومة لم تكن لتكون لولا الانسجام الحكومي والتدبير السياسي لعمل مكونات الأغلبية وتعاضدها. ربما تشرذم المعارضة وتضارب مصالحها لم يجعلاها تُقْلِقُ كثيراً عمل الحكومة. ولكن ما هو أساسي، أنه رغم الظرف الوطني والدولي الصعب فإن الحكومة المغربية بدعم وتوجيه من العاهل المغربي استطاعت أن تحقق شيئاً كثيراً في رأي العديد من الملاحظين. ما يجب التركيز عليه الآن في رأيي هو ترجمة هذه الإنجازات إلى فرص شغل وتحول حقيقي على مستوى الحياة اليومية للمواطنين، وهو شيء، هذه الحكومة أقدر من غيرها على تحقيقه.