سليمان الحربش
TT

جيمي كارتر... الرئيس الصدفة

استمع إلى المقالة

أعادت أحداث غزة الدموية وما يرتكبه جيش الاحتلال الإسرائيلي من عدوان سافر إلى ذاكرة الشعب العربي موقف الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر من القضية الفلسطينية، وعلى الأخص موقفه من سياسة الفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية.

لي مع هذا الرجل قصة أسردها للقارئ العزيز.

عندما تقاعدت من آخر وظيفة شغلتها في حياتي المهنية وهي مدير عام «صندوق أوبك للتنمية الدولية (OFID)» في فيينا، تلقيتُ الكثير من المكالمات والبرقيات التي تشكرني على «ما بذلته من جهد في أداء مهمتي» كما يقولون، من أهمها رسالة من الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.

كان مجلس المحافظين في «أوفيد» قد فوَّضني بالتوقيع على منحتين لمركز كارتر في أتالانتا بولاية جورجيا بمبلغ مليون دولار، إحداهما لمكافحة العمى النهري، والأخرى للمساهمة في القضاء على الدودة الغينية في عدد من الدول الفقيرة، وكلا الوباءين يسبِّب العمى أو الشلل.

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2010 كنت كعادتي من كل سنة أحضر اجتماعات البنك الدولي في واشنطن العاصمة. اتصل بي مكتب الرئيس وأخبرني أن الرئيس كارتر مستعدّ للحضور إلى واشنطن للتوقيع على المنحتين معي، ولم يكن من اللائق أن أطلب من شريك بهذه السن والمكانة أن يشدّ الرحال إلى واشنطن مع كل ما يتطلبه ذلك من إجراءات منها دواعي الأمن وظروف الرئيس الصحية، فقررت أن يكون التوقيع في المركز الذي يحمل اسمه في عاصمة الولاية.

في الطريق إلى أتالانتا كان الهاجس الرئيسي لديَّ هو: أيُّ انطباع سأتركه عند الرئيس بصفتي عربياً أنتمي لدولة شريكة للولايات المتحدة تضع قضية فلسطين في صدارة أولويات سياستها الخارجية، وفي نفس الوقت مسؤول عن منظمة تُعنى بمكافحة الفقر بجميع أشكاله في العالم؟

قلت للرئيس (وقد استقبلني هاشّاً باشّاً) إنني قضيت شطراً كبيراً من حياتي المهنية في وزارة البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية و«إننا في الوزارة نُكنّ لك كل التقدير والاحترام، فأنت الذي أخذ مشكلة الطاقة في أميركا مأخذ الجد، وأنشأ أول وزارة لها، وبحثتَ عن الحلول داخل الولايات المتحدة لا خارجها». انفرجت أسارير الرئيس، فقلت له: «إننا في وزارة البترول تابعنا خطابك الشهير الذي ألقيته على الشعب الأميركي عشية الثامن عشر من أبريل (نيسان) عام 1977 لحضه على الاستعداد لمواجهة أزمة الطاقة، وفيه وصفتَ تلك الأزمة بأنها المعادل الوجداني للحرب أو The Moral equivalent of War، وهو مصطلح ارتبط باسمك». كنت أسرد هذه المعلومات ليس بغرض المناقشة أو شرح وجهة نظرنا حيالها، فهو شأن مضى وانقضى، كل ما كنت أرمي إليه هو أن أقضي يوماً مثمراً مع هذا الرجل الذي أظن أحياناً أنه دخل البيت الأبيض بالصدفة.

اختتمتُ حديثي مع الرئيس بأنْ أخبرته أنني كنت في واشنطن في الأشهر الأربعة الأولى من رئاسته ضمن وفود من عدة دول، بدعوة من وزارة الخارجية الأميركية، لشرح خطة الطاقة التي قدمها الرئيس فيما بعد للكونغرس. وانفرجت أساريره مرةً أخرى عندما ختمتُ كلامي بأنني كنت الموظف المرافق لوزير الطاقة تشارلز دنكن، عند زيارته المملكة، وهو ثاني وزير يتولى الوزارة بعد مؤسسها جيمس شلزنغر، وقد رافقت الوزير الضيف بتكليف من الوزير المرحوم الشيخ أحمد زكي يماني في جولة شملت عدداً من الوزراء في مكاتبهم. كان يتابعني والابتسامة التي كانت أحد أسلحته ضد منافسه جيرالد فورد، تعلو محيّاه.

أسهمت هذه المعلومات في توطيد علاقتنا، وصار فيما بعد يهاتفني كل سنة في الأسبوع الأول من شهر يناير (كانون الثاني) للتهنئة بالعام الجديد، وتجديد أواصر العلاقة بين «أوفيد» والمركز.

بعد هذه الدردشة ذهبنا إلى القاعة المخصصة للتوقيع.

رحَّب بي وبزملائي المرافقين وأثنى على جهود الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» على ما تبذله في مساعدة الدول الفقيرة، وقال إن إحدى المنح التي وقّعناها تسهم بنسبة 99% في القضاء على الوباء.

عندما أخذتُ الكلمة همستُ في أذن الرئيس، وقلت إنني كعربيّ أجد للمرة الأولى معنى إيجابياً مختلفاً لتلك النسبة المئوية التي ذكرتها، فضحك بصوت عالٍ وكرر ما سمعه منّي على جمهور الحاضرين العاملين في المركز.

في هذا الجو المرح وجدتُها فرصة للحديث عما تقوم به دول «أوبك» من جهود لاستقرار الحياة في الدول النامية وشرحت ذلك من خلال ما تقوم به صناديق التنمية من جهود للقضاء على الفقر وضربت المثل بصندوق أوبك «OFID» والصندوق السعودي للتنميه والبنك الإسلامي، ثم شرحت ما تقوم به «أوبك» من جهود لاستقرار السوق البترولية ونوهت بالجهود التي تبذلها المملكة لتعميق الحوار بين منتجي ومستهلكي الطاقه.

وفي ختام هذه المناسبة دخلت معه في مكتب صغير وأهداني مجموعة من كتبه من أهمها الكتاب الذي سبب له بعض المتاعب وهو: «فلسطين: سلام أم فصل عنصري».

الكتاب، كما يعلم كل من قرأه، نقد صريح للسياسة العنصرية الاستيطانية التي تطبقها الحكومه الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وهي مماثلة لنفس السياسه التي انتهجتها حكومة جنوب أفريقيا، وكانت هذه السياسة هي موضوع تقرير «منظمة العفو الدولية» الذي تناقلته وسائل الإعلام في الأول من فبراير (شباط) 2022، وسبب حرجاً لا زال قائماً للحكومة الإسرائيلية بصرف النظر عمن يحكم. كنا واقفين، لم تكن صحته تسمح بمزيد من الوقت، شكرته وأنا أضع أصبعي على الملحق السادس في الكتاب وهو مبادرة السلام العربية وعندها قال إن هذه المبادرة في صالح الجميع وهو يعلم بلا شك أن المبادره خرجت من الرياض. ودّعته وخرجت، وفي طريقي للمطار سألتني الزميلة المرافقة وهي نمسوية من أصل فلسطيني: بماذا خرجت من السيد كارتر مشيرة إلى الكتاب ذاته قلت: بهذا الكتاب وحديث مع رجل كانت قضية السلام في فلسطين تؤرقه قبل أن يصل البيت الأبيض بأربع سنوات ثم أربعاً أخرى بعد فوزه بالرئاسه ثم شجاعته أن يصدر مثل هذا الكتاب بعد خروجه من البيت الأبيض، ومتى ما تكرر هذا الشخص في نفس المكان سيكون لنا وللعالم كله حديث مختلف.