السبت - 1 شهر رمضان 1438 هـ - 27 مايو 2017 مـ - رقم العدد14060
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/27
loading..

السيد فاضل

السيد فاضل

الأحد - 13 جمادى الآخرة 1438 هـ - 12 مارس 2017 مـ رقم العدد [13984]
نسخة للطباعة Send by email
عدت إلى الحي هذه المرة فوجدت دكان السيد فاضل مقفلاً. خامرني شعور بأن إقفال الباب بهذه الطريقة يوحي بأنه غير مؤقت. أنت تعرف، أن الأبواب لها لغتها أيضاً. أو إشاراتها. مثل الشجر عندما يقتله اليباس. إنه لا يبلغك الأمر بصريح العبارة، بل يتركه لك أن تحزر مآل الأشياء ونتائج الوقوف الطويل في الشمس والرياح. والحقيقة أن السيد فاضل كان مثل شجرة. نادراً ما يتكلم. ثابت في مكانه لا يغادر. يأتيه الناس ولا يذهب إلى أحد، فهو السيد فاضل، كان صانع العجائب في الحي. ولذلك، لم يغامر مرة أحد بمناداته باسمه، من دون لقب الاحترام.
والحقيقة أنه لم يكن مجرد احترام عادي. كان فيه من الإعجاب أكثر مما فيه من التوقير. فالجميع محترمون في الحي. صاحب الصيدلية، وصاحب المكتبة، وصاحب دكان الحلاقة، لكن السيد فاضل كان محترماً ومبهراً. كأن تقول، وسامحني على الاستعارة، يحيي الآلات وهي رميم. جهاز تلفزيون توقف، يعيد السيد فاضل إليه الألوان والصوت. ثريا كهربائية احترق سلكها، يعيد إليها السيد فاضل جميع أنوارها، مثل توماس أديسون. هاتف أعلن الإضراب عن العمل، يهمس السيد فاضل شيئاً ما في أذنه، فيعود إلى الثرثرة والرنين. خصوصاً وقت القيلولة، أو قبلها. وقت الغداء. لا يمكن أن تمر أمام دكان السيد فاضل وتراه غير منهمك في إصلاح شيء ما. كرسي. طباخة غاز. إطار فضي قديم. ولاّعة فخمة للزينة. ساعة حائط، أو، خصوصاً، ساعة يد. عندما تمر آخر النهار لتأخذ ساعتك، تسمع تكَّتها من بعيد. ومن بعيد تكاد تميّز العقرب الأصغر من الأكبر. أما لماذا سميناه العقرب، فلا أدري. وقد تفاجئنا سويسرا يوماً على هذا التشهير.
لم أعرف أحداً له خفة السيد فاضل مع الساعات، إلا ذلك الفتى الباكستاني في إحدى أسواق أبوظبي. قبل أن أكمل الجملة، بأنني أريد أن أصلح ساعتي، كان قد خطفها من يدي وفككها واستعرض دواخلها وضبط حركتها وأطبقها من جديد وأعادها إليّ: 50 درهماً.
ربما، بينه وبين الساعة، كان السيد فاضل لا يستغرق من الوقت أكثر من فتى روالبندي. لكن من أجل احترام المهنة، كان يطلب أن تعود آخر النهار. إنه موعد التسليم لكل الأشياء. ولاعات، ساعات، أقلام حبر قديمة. يده ساحرة السيد فاضل. لكن هذه المرة كان بابه مغلقاً مثل الستار الحديدي.

التعليقات

ناظر لطيف
12/03/2017 - 04:22

رائع سيدي شكرا لك

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
12/03/2017 - 04:22

استاذ سمير عطا الله
شخص فى يده سبعة صنايع كما يقولون فى الامثال نشيط ودقيق ومنظم ومنتظم فى مواعيده يواظب على اكل عيشه وكلما ذهبت اليه فى المواعيد المحددة تجد دكانه مفتوحا يرحب بك ويقوم باصلاح ماحملته اليه من آلات او ادوات اصابها العطب وتوقفت عن العمل فيجدد نشاطها ويعيد اليها الحياة ولو اقتضى الامر تعويضها عن الاجزاء التى تلفت منها واصبحت ترفض اى محاولة للاصلاح فيستاصلها وياتى باجزاء جديدة تعيد اليها الحياة من جديد , هذا الرجل الدقيق المنظم الذى يعتمد عليه اهل الحى جميعا فى اصلاح ما افسده طول الدهر او سوء الاستعمال من اجهزة وادوات وآلات اعتقد انه لا يغلق دكانه الا لاحد سببين اثنين لا ثالث لهما هما المرض او الموت , فادعوك استاذ سمير للسؤال عن السيد فاضل واتمنى ان يكون على قيد الحياة وان ما اقعده هو وعكة بسيطة ندعو الله له بالشفاء منها

abood
البلد: 
السعودية
12/03/2017 - 06:13

هكذا هي الحياة .. وهكذا قضت سنة الله ..
وما من شيئ أجمل من أن يترك الإنسان بصمة أو أثراً طيباً يبقى في خلد الناس ولعلها من الجزاءات التي تبقي الإنسان قرير العين في قبره .
إنه الأثر الطيب ..
شكراً لتحفك النادرة يا أستاذي .

زياد أحمد
البلد: 
Qatar
12/03/2017 - 06:20

اعتدنا على الاستاذ سمير ان نسعد بالمعنى والمغزى لمقالاته ؟

بيسان
البلد: 
الرياض
12/03/2017 - 06:55

مقال اليوم مكتوب بحب عجيب..

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
12/03/2017 - 10:02

السيد فاضل نراه في كل درب من دروب الوطن الكبير. فها هو بقال-بائع المواد الغذائية- لن تجوع وهوموجود. عنده كل شيء ،و تبتاع منه بأجل اذا لم يكن معك شيء. يقرضك نقداً لقضاء مآرب اخرى خارج دائرته. يُترك عنده مفتاح البيت. تعول عليه في دمجك اذا كنت ساكنا حديثا. ..السيد فاضل هو الخضار-بائع الخضر.الفاكهاني. الحلواني. هو الجزار. هو صاحب الفرن. هو. هو. يتلون ويتجسد.
انه مرمم اللعب. آه هذه أجمل! نفحة من زمن الوصل بأندلس الصِّبا. كم دمية مفككةاعاد لها الحركة والابتسامة حتى توردا خداها. وهذا الجندي الآلي يستعيد ساقه. ثم. واحد اثنين. واحد اثنين.
مواضيع شيقة أستاذ. دعها مواصِلة.

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
12/03/2017 - 13:22

لا أعتقد أن سويسرا قد تفاجئنا يوماً على هذا التشهير يا سيدي، فهي مدينة لعقارب بلادنا في كون مصارفها من أغنى مصارف العالم.
تلك العقارب التي تلسع بإيلام شديد -ما لم يكن مميتاً- كل من تساءل من أين لك هذا!

نوزاد حسنى
البلد: 
العراق بغداد
12/03/2017 - 19:29

هذا المقال اسميه انا بالمقال التفسيري..انه اعمق من مقال بل هو موقف عفوي من الحياة.في ديوان المتنبي صور من هذه العاطفة العميقة.الله الله ابو الطيب بارع جدا في اشعارنا ان الحياة تنطفيء قبل ان تنطفيء انها العبقرية التي تبصر حقيقة هذا الوجود

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/03/2017 - 22:53

الله يرحمه