مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

صحراء زيدان

تابعت طرفًا من الجدل حول تعليقات الروائي والمؤرخ المصري المعروف، يوسف زيدان، المتهجمة على الجزيرة العربية وأهلها، وليس السعودية فقط.
تعاملت مع كلامه بوصفه رأيًا سياسيًا، لا مقاربة علمية تاريخية، نتوقعها منه، فالأستاذ زيدان، بلا ريب، يملك مفاتيح التاريخ واللاهوت الشرقي.
قال أشياء كثيرة عن الفراغ الحضاري، والفقر في إنتاج علماء اللغة العربية، لكن لفت نظري حنقه الشديد على الصحراء، بوصفها منتجة للسوء والشر.
ليست هذه المرة الأولى التي يصوب فيها زيدان سهامه للصحاري، كما فعل في غضبته المضرية على الجزائريين بمقالته الشهيرة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، بعنوان: «ذكريات جزائرية»، وكان مما قاله حينها: «عزَّتْ الأسماء وندرتْ، فجعلوا للبلد وعاصمته اسمًا واحدًا!». أيضا: «هذا البلد المسمى (الجزائر)؟ مع أنه في معظمه امتدادٌ صحراوي لا يحوطه بحرٌ، مثلما تحوط البحار الجزر (الجزائر)». وأيضا عن الجزائر: «الصحراء التي تمتد في كل الجهات، وتمتد في نفوس الناس».
مناسبة الغضبة الزيدانية حينها على الجزائريين، وصبّ اللعنات على الصحراء الكبرى، هي تفاعلات كرة قدم بين منتخبي مصر والجزائر.
نفهم من هذا الكلام أن مصر سلمت من شؤم الصحراء هذا، ولذلك سلمت من «عيوب» أهالي الصحاري التعساء.
لندع وزارة البترول المصرية في موقعها الرسمي تخبرنا. وخبرها يقول إن مصر تقسم، جغرافيًا، لأربعة أقسام:
الأول: المناطق الخصيبة المروية؛ وهي النيل والدلتا، وتبلغ مساحتها نحو «33 ألف كلم2» تقريبًا.
الثاني: الصحراء الغربية، وتشغل نحو «681 ألف كلم2» تقريبًا.
الثالث: الصحراء الشرقية، ومساحتها نحو «225 ألف كلم2».
ثم، الرابع: شبه جزيرة سيناء، ذات الطبيعة الجبلية الجرداء، وأيضا الصحراوية، ومساحتها نحو «61 ألف كلم2».
أي إن غالبية مساحة مصر صحراوية، ما عدا تكتل الدلتا وشريط النيل، ومع ذلك حظيت مصر، عبر التاريخ، بألوان الثقافة والفنون، وكان لأبناء الصحاري المصرية نصيبهم من التفوق.
حديث الصحراء متشعب، وتحسن هنا قراءة كتاب الباحث السعودي سعد الصويان، بعنوان: «ثقافة الصحراء - ثقافتها وشعرها - قراءة أنثروبولوجية»، وهناك مثقف آخر من أبناء الصحراء الكبرى، هو الروائي الليبي إبراهيم الكوني، سخر جل أعماله لتفحص وقراءة الصحراء.
ليس الغرض الدفاع - على طريقة: «وهل أنا إلا من غزية.. إلخ - عن الصحراء وأهلها، ولكن الحرص على الترفق قليلاً، على الأقل لفهم هذه الصحراء وأهلها.. لا يضر!
قد يكون لزيدان رأي سياسي معارض للسياسات السعودية؛ الداخلية والخارجية، أو بعضها، هذا من حقه، لكن في ظني أنه ليس من الجميل مزج هذا بذاك؛ العلم بالسياسة.. بينهما برزخ لا يبغيان.
[email protected]