«بضع ساعات في يوم ما» يعيد النصّ الروائي إلى السينما المصرية

القصة تُحاكي قضايا اجتماعية تمسّ إنسان عصر التواصل

أبطال الفيلم في المشهد الأخير (الشركة المنتجة)
أبطال الفيلم في المشهد الأخير (الشركة المنتجة)
TT

«بضع ساعات في يوم ما» يعيد النصّ الروائي إلى السينما المصرية

أبطال الفيلم في المشهد الأخير (الشركة المنتجة)
أبطال الفيلم في المشهد الأخير (الشركة المنتجة)

يضع فيلم «بضع ساعات في يوم ما» أبطاله بداخل قصص حبّ تُواجه عواصف قد تطيح بها إنْ لم يحدُث التجاوز عن الأخطاء، مُعتمداً البطولة الجماعية لعدد من نجوم السينما، ومُستنداً إلى نصّ أدبي يُعيد الأعمال الروائية التي تطلّ بخجل إلى السينما المصرية.

يُعدُّ الفيلم الذي انطلق عرضه 25 ديسمبر (كانون الأول)، آخرَ ما طُرح في 2024؛ وقد حقَّق خلال 3 أيام إيرادات تقارب 4 ملايين جنيه (الدولار يوازي 50.87 جنيه مصري)، محتلاً المركز الثاني في شباك التذاكر، وهو مأخوذ عن رواية بالعنوان عينه للروائي محمد صادق الذي كتب السيناريو أيضاً، ومن إخراج عثمان أبو لبن، وإنتاج أحمد السبكي.

يطرح العمل 5 حكايات تدور أحداثها خلال 8 ساعات، وفي كل ساعة يظهر على الشاشة عدّاد يعلن فصلاً جديداً يتطرّق إلى علاقات حبّ وزواج تتبدّل فيها مشاعر الأبطال.

مايان السيد في لقطة من الفيلم بعد إصابتها بحادث سيارة (الشركة المنتجة)

فهناك حكاية أمنية (مي عمر) التي ضاقت بحياتها المُعلَنة عبر مواقع التواصل بسبب زوجها «اليوتيوبر» (أحمد السعدني) الذي يحوّل عيد زواجهما احتفالاً ينقله لمتابعيه، ويفاجئها بحجز مسرح لتُقدّم رقصة باليه بعد اعتزالها لسنوات، لكنها تنتهي بسقوطها، فيكون هذا السقوط بداية النهاية لعلاقتهما؛ في حين لا تستطيع صديقتها أمل (أسماء جلال)، رغم خِطبتها من ابن خالها (محمد الشرنوبي)، التخلُّص من مشاعرها تجاه علاقة حبّ سابقة، فتفسخ هذه الخطوبة.

كما يعيش ياسين المصري (هشام ماجد) حياة عادية يبحث فيها عن عمل، وحبّ يملأ حياته، حتى يلتقي مصادفة بفتاة ثرية وبريئة (هنا الزاهد)، في حين تقع يسرا (هدى المفتي) في خلافات مع خطيبها (محمد سلام) المشغول بـ«التريند» وعدد المتابعين، بينما تتعرّض شخصية مايان السيد لحادث سيارة، فتنقذها شخصية خالد أنور الذي يكتشف تعرّضها لتحرش زوج والدتها ومعاناتها مرضاً نادراً.

تتوالى الأحداث عبر مونتاج متوازٍ بين أبطال قصص الحبّ الـ5 الذين لا يجتمعون إلا بمشهد واحد في النهاية. ويطلّ الفنان كريم فهمي ضيفَ شرف في آخر مَشاهد الفيلم، كما تظهر ناهد السباعي ومحمد مهران ضيفَي شرف بمشهد واحد أيضاً.

هنا الزاهد ومي عمر مع أحمد السعدني في أحد مَشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

حقَّقت أغنية الفيلم، «انصاص مشاوير» للفنان ماجد المهندس، نجاحاً لافتاً، وطُرحت عبر المنصات قبل عرضه بأيام؛ وهي تعكس أحوال أبطاله؛ إذ تقول في مقدمتها: «حبيت كتير وفارقت كتير أنا عمري كله انصاص مشاوير، وإزاي هفكر قبل ما أحب والحب أسرع من التفكير».

وبعد 12 عاماً من صدور روايته «بضع ساعات في يوم ما»، كتب المؤلّف محمد صادق سيناريو الفيلم في أول تجربة له، بعدما كتب وائل حمدي سيناريو رواية «هيبتا» لصادق. وعن هذه التجربة يقول الأخير لـ«الشرق الأوسط»: «أحبُّ هذا الوسيط السينمائي ودرستُه، ولم تواجهني صعوبة في كتابة السيناريو».

وعن تأخُّر تحوُّل الرواية إلى فيلم، يتابع صادق: «حدّثني منتجون عن رغبتهم في تقديمها سينمائياً، ولكن حين وجدت منتجاً كبيراً مثل أحمد السبكي مهتماً بالرواية، ومتحمّساً لها، جرى الاتفاق بيننا وأبصر الفيلم النور».

ضمن الأحداث، تعاني مايان السيد مرضَ «متلازمة توريت»، فيكشف المؤلّف عن أنه استعان بمرضى يعانونه أفادوا الفيلم كثيراً.

المخرج عثمان أبو لبن يؤيّد البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)

ووفق المخرج المصري عثمان أبو لبن، فإنّ البطولة الجماعية التي استند إليها العمل لم يواجَه بأي صعوبات، ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر يتوقّف على السيناريو والقصة الجيّدة، فيتحمّس الممثلون ويقدّمون أفضل ما لديهم».

ويؤكد أنّ القصة الإنسانية جذبته لأنها تعبّر عن قضايا اجتماعية ترتبط بالزمن الحالي: «أحببتُ التطرُّق إلى عالم مواقع التواصل بشكل جديد».

ملصق الفيلم يعبِّر عن العلاقات الثنائية بين أبطاله وبطلاته (الشركة المنتجة)

من جهته، يصف الناقد المصري طارق الشناوي الفيلم بأنه «جيّد الصنع، وتجربة تستحقّ الاحترام إنتاجياً وسينمائياً»، مشيراً إلى أنّ أحمد السبكي «أنشط منتج مصري في السنوات الأخيرة لحرصه على تقديم أفكار جديدة؛ إذ يضع أمام عينيه هدفاً سينمائياً يتعلّق بتقييد الزمن عبر أفلامه، ما يسمح بمشاركة أكبر عدد من الممثلين الذين يقدّمون بطولة جماعية».

ويرى أنّ «فكرة الفيلم عميقة في ظلّ وجود شخصيات تتفاعل خلال 8 ساعات، فيدخل خلالها العمل مناطق حساسة في التكوين البشري، عبر مونولوغات درامية تحاكي الحبّ والخيانة والصداقة، وتغيُّر المشاعر التي يناقشها بتويعات متعدّدة».

وختم أنّ «السيناريو ينقصه عمق درامي يتعلّق بتفاصيل الشخصيات، وعمق إخراجي يحقّق قدراً من الانسيابية في الانتقال من حالة إلى أخرى».


مقالات ذات صلة

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ثقافة وفنون «أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)

فيلمان إسرائيليان... فلسطين بين التوثيق والتغييب

استند «نازا» إلى مقابلات أُجريت على أسطح المباني مع جنود إسرائيليين شاركوا في الحرب، وكشفوا آليات عمل القيادة العسكرية.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق نجمة البوب ليدي غاغا في هوليوود (أ.ف.ب)

ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن نجمة البوب ليدي غاغا رزقت بمولودها الأول من خطيبها مايكل بولانسكي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)

«القاهرة السينمائي» يستعيد زمن «أفلام الروايات»

تستهدف مبادرة «من الكتاب إلى الشاشة» إعادة بناء الجسر بين الأدب والسينما، وتحويل الأعمال الأدبية المصرية والعربية إلى مشروعات سينمائية وتلفزيونية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)

إلهام إحساس: «رائد الفضاء المنسي» محاولة لاستعادة ما محاه الزمن

«الابتعاد عن الوطن قد يجعل العودة إليه أشد استحالة من الوصول إلى الفضاء نفسه».

أحمد عدلي (القاهرة)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
TT

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)
يعود قريباً بموسم جديد من «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي» (فيسبوك)

بجائزة «موركس دور» للإعلامي المتميّز التي حصدها مؤخراً، يتوّج رودولف هلال مسيرة مهنية تتجاوز 20 عاماً. وبالنسبة إليه، تُشكل الجائزة حافزاً للاستمرار، ويقول: «تعني لي: أكمل مشوارك ولا تدع شيئاً يثنيك عن ذلك. أتمتّع بصداقات مع الجميع، مع الإعلاميين أو ضيوفي، لكنها تقتصر على العمل. بالكاد لديّ صديقان مقرّبان من الفنانين». ويرى أنّ هذا التكريم يصبّ في تكريم الذات: «من الضروري أن نقف أمام المرآة ونصفّق لأنفسنا، شرط أن نُبقي أهدافنا قائمة للتقدّم والتطوّر بشكل دائم؛ مصوّبين على هدف جديد».

عادةً ما يترك الإعلامي أثراً لدى ضيوفه، وقد يضطر أحياناً إلى مجاراتهم للحفاظ على علاقة جيدة معهم. وعن أثر هذه العلاقة في عمله، يردّ: «لا أحد يتأثّر بالآخر، فالحلقة تُعرض وننتقل بعدها إلى حلقة أخرى. والأهم هو إدارة الحلقة ومحاورة الضيف. أقدّم المحتوى الذي يشبهني وآخذه دائماً بهذا الاتجاه».

ويشير إلى أنّ أسلوبه لا ينبع من الحذر، وإنما من قناعاته. فما يهمّه هو أداء عمله بعيداً عن التفكير في إقامة صداقات أو ترك أثر لدى ضيفه. ويُخبر «الشرق الأوسط» أنه لم يحاور يوماً شخصاً لا يعني له شيئاً: «مهما بلغ هذا الضيف من أهمية، فإذا كان لا يعني لي شيئاً لا أستقبله. وبذلك أتفادى ممارسة الكذب والنفاق في مهنتي».

تُوّج بجائزة «موركس دور» عن فئة الإعلامي المتميّز (فيسبوك)

وعمّا يُشكل له تحدّياً أمام الكاميرا، يجيب: «لدي علاقة جيدة مع الكاميرا، والساحة واسعة وتتّسع للجميع. وإنما لا أحبّذ أن يكذب عليَّ أحد، وأفضّل أن يقولها الضيف بصراحة ويرفض الإجابة عن سؤال يُحرجه». أما عن بعض الضيوف الذين استقبلهم وانسحبوا من الحلقة، فيوضح: «يكون هذا الضيف قد كذب عليّ وكشفته، فيلجأ إلى الانسحاب».

يستعدّ رودولف هلال للعودة بموسم جديد من برنامجه «المسار» عبر شاشة «إل بي سي آي»، الذي يتناول فيه قصص حياة ضيوفه بحلوها ومرّها، منذ الطفولة حتى اليوم. ويعلّق: «أفعل اليوم ما يُشبهني ويقنعني. استهللتُ بداياتي ببرامج (الهارد توك)، وكانت موجة وانتهت، ثم انتقلت إلى الحوارات الفنّية. لكنني وجدتُ في (المسار) ما كنتُ أبحثُ عنه لحوار مختلف. فالناس لم تعد تهتم بحوارات عادية استُهلكت بكثرة على الشاشة الصغيرة. وفي عصر مواقع التواصل، أصبح الفنان متاحاً للجميع، ولا شيء يُخفيه عنهم. ومن خلال (المسار)، أطلُّ على وجه آخر له لا يعرفه كثيرون. يتحدّث الضيف عن حياته وخيباته ونجاحاته، ومرات نتطرّق إلى فكرة الموت ومشكلات الطفولة. وهي موضوعات لا يعرفها الناس عنه عادةً، وغير متاحة لهم عبر وسائل التواصل. ومن الضروري أن نبحث دائماً عمّا يجذب الناس ويفضّلونه على غيره».

ومؤخراً، بدأ هلال، إلى جانب عمله التلفزيوني، باستقدام نجوم من الزمن الجميل، يُعيدهم إلى الأضواء بعد غياب، ويقيم لهم حفلات غنائية في مركز «بيروت هول» الذي يملكه. وعن سبب العودة إلى نجوم ابتعدوا عن الساحة، يردّ: «المشروع ليس فكرتي، وإنما للصديق ميشال عويس. في إحدى المرات حدّثني عنها وأعجبت بها. فهؤلاء حققوا نجاحات واسعة وشغلوا الناس بأعمالهم المعروفة. ومن الجميل أن نستعيد نوستالجيا حضورهم بيننا من جديد».

لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

وبالفعل، أتى هلال وعويس بأكثر من فنان ابتعد عن الساحة أكثر من 10 أعوام لأسباب مختلفة، من بينهم ألين خلف، ودارين حدشيتي، ومايا نصري. ويضيف: «هناك لائحة جديدة نعمل عليها اليوم لنضعها تحت الأضواء».

لكن هذه الإطلالات تبقى يتيمة ولا تنتج عنها إصدارات جديدة. وعن السبب، يوضح هلال: «الأسباب كثيرة، من بينها أنّ إنتاج الأغنيات بات مكلفاً جداً، وهم لا يجدون مَن يتولاه. نحن نتيح لهم الفرصة، وبعدها نترك للفنان حرّية التصرّف. كما أنّ عامل الخوف أساسي عندهم، فهم حذرون من إقامة حفلات إضافية خوفاً من ألا تلقى النجاح نفسه».

ونسأله: كيف يرى نفسه بعد 10 أعوام؟ فيردّ: «لديّ عملي الذي أركّز عليه، وأعتقد أنني سأستمر به. في الماضي القريب، كنت أعدُّ العمل التلفزيوني أولوية، لكن الأمر اختلف الآن. ولن أبحث عن فرص في قنوات أخرى، لأنني مرتاح جداً في تعاملي مع (إل بي سي آي)».

ويختم: «أطلّ اليوم عبر حساباتي في مواقع التواصل بموضوعات مختلفة وعميقة تُلاقي انتشاراً واسعاً. أحاول استخدام جميع المنابر لإيصال محتوى جيّد. ولا أعرف أين سيصل بي الأمر في المستقبل. فهل أُصدر كتاباً أو أقدّم بودكاست؟ لا أدري».


بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
TT

بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)

اكتشفت امرأتان هنديتان في الأربعينيات من عمرهما أنهما شقيقتان بيولوجيتان، بعدما تبنتهما عائلتان مختلفتان ونشأتا بالقرب من بعضهما في هولندا.

وُلدت مينا جيلتينك ومينال تيسن في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتبنت كلاً منهما عائلةٌ مختلفة من دار أيتام في مدينة مومباي غربي الهند، بعد أشهر قليلة من ولادتهما. وتم تبني «مينا» و«مينال» من داري أيتام مختلفتين على يد زوجين هولنديين مختلفين.

والتقت المرأتان للمرة الأولى في بداية مراهقتهما خلال فعالية نظمتها وكالة التبني التي تعامل معها والداهما، ولاحظتا حينها التشابه الكبير بينهما في المظهر والتصرفات.

وتتذكر مينا، البالغة من العمر الآن 43 عاماً، ذلك اليوم بوضوح، وتقول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «تم جمع جميع الأطفال المتبنين معاً للتعارف والتواصل وتناول العشاء»،

كانت كل من مينا ومينال برفقة أصدقاء لاحظوا مدى تشابههما، وتقول مينا: «قالوا لي: انظري إلى نفسكِ في المرآة».

اهتمامات مشتركة

وقالت مينا لـ«بي بي سي»، وهي تتحدث من منزلها في هولندا: «خلال العشاء، ظللت أنظر إليها طوال الوقت». وفي اليوم التالي، تبادلت الفتاتان أرقام الهواتف والعناوين، ووعدتا بالبقاء على تواصل.

ورغم عدم وجود أي مؤشر على وجود صلة قرابة دموية بينهما، فإن الرابط بينهما نشأ فوراً؛ ولسنوات، تبادلتا الرسائل وكثيراً ما خاطبت كل منهما الأخرى بكلمة «أختي» لأنهما «شعرتا بذلك فعلاً».

كتبتا عن المدرسة والأصدقاء والفتيان والخروج والرقص. وتحدثتا عن الرياضات التي تمارسانها وناقشتا الموسيقى، لتكتشفا حبهما المشترك لفرقة «باك ستريت بويز» (Backstreet Boys)، ثم انقطع التواصل بينهما قبل 15 عاماً؛ فقد انتقلت مينال إلى فرنسا، بينما كانت مينا قد أنجبت طفلها الأول وانشغلت بمسؤولياتها.

رسالة بـ«فيسبوك» أول الخيط

في عام 2017، حضرت «مينا» اجتماعاً آخر للمُتبنَّين من الهند، حيث سمعت عن اختبارات الحمض النووي وقررت إجراء الاختبار بنفسها. لكنها لم تعثر على أي تطابق، وفي وقت سابق من هذا العام، حذفت التطبيق لأن مساحة التخزين في هاتفها كانت ممتلئة. ثم في 20 مايو (أيار)، تلقت «مينا» رسالة من «مينال» عبر «فيسبوك». سألتها: «هل تذكرينني؟».

وكانت «مينال» قد أجرت اختبار الحمض النووي في شهر أبريل (نيسان) أثناء زيارتها لوالديها في هولندا، وأرفقت لقطة شاشة لنتيجة الاختبار. وتقول «مينا»: «أعدتُ تثبيت التطبيق. كنت متوترة للغاية لدرجة أنني أدخلت كلمات مرور خاطئة عشر مرات قبل أن أتمكن من تسجيل الدخول». وكانت النتيجة واضحة تماماً؛ فقد تبين أن المرأتين تشكلان «تطابقاً بنسبة 100 في المائة».

توضح «مينا»: «كانت لدي أخت شقيقة، مما يعني أننا نتشارك الأم والأب البيولوجيين نفسيهما. كان الأمر أشبه بتلقي جرعة من الأدرينالين. بكيتُ؛ فقد كانت مينال هي القطعة المفقودة من الأحجية التي طالما انتظرتها. لقد نادينا بعضنا البعض بلقب أخت»، و«كان تطابق الحمض النووي هذا بمثابة تأكيد على صحة كل ما شعرنا به حدسياً».

وفي شهر أغسطس (آب)، التقت الصديقتان القديمتان للمرة الأولى منذ اكتشافهما أنهما شقيقتان، وتقول مينا، التي أصبحت الآن أماً لثلاثة أطفال: «كان الأمر مذهلاً. شعرت وكأنني عدتُ إلى المنزل. لسنوات، عانيتُ أنا ومينال من فراغ كبير في قلبينا. نشعر الآن بأننا أصبحنا مكتملتين، وأن كل شيء يسير كما ينبغي أن يكون».

لقاء عاطفي و«سيلفي»

وفي تقريرها عن «اللقاء العاطفي» الذي جمعهما، ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن «الدموع والعناق والضحكات تخللت اللقاء... الذي تلاه التقاط أول صورة (سيلفي) لهما معاً».

وصرحت مينال (44 عاماً) -التي تقيم في فرنسا مع شريك حياتها وابنيها- للوكالة بأنها لم تدرك في البداية، حين ظهرت نتائج فحص الحمض النووي في شهر أبريل، أن الشخص الذي تطابقت معه هو الفتاة المراهقة ذاتها التي كانت قد تعلقت بها بشدة عند لقائهما الأول قبل 30 عاماً.

ولم تستوعب مينال الأمر تماماً إلا عندما شاهدت صور تلك الفتاة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ قالت: «(مينا: الأخت). لم أستطع تصديق ذلك. لقد كنا صديقتين قبل أن نكون أختين». وأضافت: «كنا أختين طوال ذلك الوقت، لكننا لم نكن نعلم».


سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
TT

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

هناك لون جديد يصعد على واجهة مبنى قديم في منطقة الجعيتاوي البيروتية. وسط الأسمنت الذي راكم آثار الزمن، يستقرّ طائر ضخم بريش أزرق وأخضر وأحمر، تُحيط به أزهار كثيفة، وتنسكب فوقه درجات البرتقالي والزهري. لا تنفصل جدارية «حَمَلة الشمس» للفنان اللبناني سبازونو عن المبنى الذي يحملها. فالعلاقة بينهما جزء من العمل، خصوصاً بعدما عرف الفنان، إثر إنجازه الجدارية، بعضاً ممّا خبّأته هذه الجدران.

قبل أسابيع، كان سبازونو يرسم غياباً من نوع آخر. جدارية «المفقودين» في منطقة الحمرا، المُنجَزة ضمن مشروع بالتعاون مع «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، أعادت قضية المفقودين والمغيَّبين قسراً إلى الفضاء العام. اعتمد فيها صورة مشوَّشة تتفكّك فيها الملامح إلى مربّعات، فتبدو الوجوه عالقةً بين الظهور والاختفاء. كلّما اقترب العابر، تفتَّتت الصورة أمامه، وكلّما ابتعد استعادت شيئاً من اكتمالها.

وجوه ترفض أن يكتمل غيابها (سبازونو)

يقول سبازونو لـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل في الشارع يضعه أمام «مسؤولية تَرْك أثر كبير في المكان»؛ لذلك يُحاول أن يجعل الجدارية متصلة بما نعيشه، من دون أن يتخلَّى عن الجمال الذي «نحتاج إليه بشدّة في مدينتنا». يُريد للغرافيتي أن يتجاوز وظيفة تجميل الواجهة. فالجدار يدخل حياة أشخاص لم يقرّروا زيارة معرض، ويضع العمل في طريقهم اليومي، وسط زحمتهم وانشغالهم وشاشات هواتفهم.

جناحان يبدّلان مزاج واجهة أنهكها الزمن (سبازونو)

في الجعيتاوي، اختار «طائر الشمس الفلسطيني»، المعروف أيضاً بالتمير الفلسطيني، ليبني حوله عملاً عن الانتماء والاختلاف. طائر من طيور المنطقة، بريشه الذي يتبدَّل إدراكُ ألوانه تبعاً للضوء وزاوية النظر، فتح أمام سبازونو باباً لفكرة أخرى. يقول إنّ «مصدر النور واحد»، بينما تختلف الصورة باختلاف موقع الناظر إليها. ومن هذه الخاصيّة الطبيعية، خرجت قراءة تمسُّ بلاد الشام وشعوبها، وما يجمع بينها تحت الانقسامات التي راكمتها السياسة والتاريخ.

عند هذه الفكرة، تلتقي الجدارية بما يحدث في الجنوب اللبناني. أراد الفنان أن ينقل ما تعيشه هذه الأرض المُشتعلة إلى جدار في بيروت بصورة تستوقف المارّة، وتمنحهم في الوقت نفسه شيئاً جميلاً يتأمّلونه. وفي الجدارية أيضاً أثر للتهجير. فمَن يُغادر أرضه لا يتركها كلّها وراءه. يأخذ منها ما يبقى فيه أينما ذهب. ويعرف سبازونو حدود ما يستطيع الفنّ فعله، فالجدارية لن تُغيّر واقعاً سياسياً أو تُعيد أرضاً، لكنها قد توقظ انتباهاً لدى أحدهم أو تدفعه إلى التوقُّف أمام ما اعتاد المرور بقربه.

الواجهة ما عادت تُقرأ طابقاً طابقاً... صارت تُرى دفعةً واحدة (سبازونو)

للجدار عنده حياة تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله، ومن هذه العلاقة يبدأ العمل ويتشكَّل. سبازونو يدخل إليه محاولاً العثور على الصلة التي تجعل العمل ينتمي إلى موقعه. لهذا يتجنّب أن يفرض فكرته على أيّ جدار فقط، لأنّ مساحته تسمح بها.

فقد تقوده الجدارية إلى ذاكرة الحيّ أو ناسه أو لحظة يعيشها، وقد تولد من إحساس شخصي يلتقي بالمكان. واللافت أنّ «حَمَلة الشمس» اكتسبت بعد اكتمالها طبقةً لم يُخطّط لها صاحبها. نزلت إحدى ساكنات المبنى وأخبرته أنّ البناء تلقّى خلال الحرب نحو 10 قذائف «آر بي جي» أصابت سطحه، وسيارة مُحمَّلة بالبنزين اشتعلت أمامه بعد إصابتها بقذيفة خلال إحدى أزمات الوقود. فجأةً، صار الطائر الملوَّن مُعلَّقاً فوق تاريخ من النار.

أصبحت الجدارية بذلك جزءاً آخر من سيرة المبنى. فالعمل المُضيء لم يَمحُ ما حدث للمكان، وقد أضاف إليه أثراً إضافياً قابلاً للتذكُّر. بالنسبة إلى امرأة عاشت تاريخه، صار المبنى الذي أصابته القذائف هو نفسه المبنى الذي ارتفع عليه طائر تُحيط به الأزهار. يختصر سبازونو ذلك بقوله إنّ الفنّ يستطيع «أن يُضيف إلى ذاكرة المكان ذاكرةً جديدة».

كلّ طابق يمنح الطائر جزءاً من جسده (سبازونو)

أما الغرافيتي، فيراه فناً لا تزال روح التمرّد جزءاً من تكوينه، وإن تبدَّلت أدواتها. وللجدار اللبناني خصوصيته. خلال الحرب، حمل شعارات الميليشيات وعلاماتها التي رسمت حدود النفوذ، وفي السنوات اللاحقة أخذ الغرافيتي يكتب عليه فصلاً مختلفاً. دخول التمويل والتصاريح والمشروعات المؤسّسية لا يعني في نظر سبازونو إفراغه من قدرته على المُشاغبة. فقد يستخدم الفنان أدوات المؤسَّسة لتمرير طبقات لم تكن في حساباتها.

التمرُّد الذي يعرف طريقه مُسبقاً يفقد شيئاً من مفعوله، وسبازونو يبحث دائماً عن منفذ آخر. هذه المرّة وجده في طائر يحمل الشمس فوق مبنى نجا من القذائف. تغيَّرت ملامح الجدار، وبقيت ندوبه تحته. فالمدينة لا تختار دائماً ما يَعْلَق في ذاكرتها، لكنها تستطيع أن تمنح ما أصابها خاتمةً أخرى.