زياد عبد الرحمن السديري
رئيس مجلس إدارة "المركز السعودي للتحكيم التجاري".
TT

الإدارة الأميركية والقيود الدستورية

تساءل أحد المراقبين إن كان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سيكون «غورباتشوف أميركا» الذي يفضي حكمه إلى تفكك الولايات المتحدة، كما انتهى حكم غورباتشوف بتفكك الاتحاد السوفياتي. هذا التساؤل بطبيعة الحال ينطلق من فرضية أن سياسات الرئيس غورباتشوف كانت سببًا، أو هي السبب الأساسي، لتفكك الاتحاد السوفياتي.
بعض المحللين يرى أن السبب في تفكك الاتحاد هو فشل النظام الشيوعي السوفياتي، لا سياسات غورباتشوف، وأن مبادرات الأخير الإصلاحية ما كانت سوى محاولة متأخرة للحيلولة دون وقوع هذا التفكك.
وعلى أي حال، فسواء كانت سياسات غورباتشوف سببًا للفشل، أو كانت نتيجة له ومحاولة متأخرة لتفادي آثاره، فهي بلا شك زامنت التطورات التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي، وهناك دول أخرى كثيرة، نعرف أكثرها، كان الحاكم فيها سببًا كبيرًا لتراجع حالها وتفككها أو دمارها.
السؤال إذن هو ما إذا كان الرئيس ترمب، الذي تبدو سياساته خارجة عن المألوف في بلده، وتهدف لإحداث تغييرات كبيرة فيها، قد يكون الرئيس، أو الحاكم، الذي يغيّر مسار أميركا جذريًا.
السؤال موضوع البحث لا شك مواتٍ، فالسياسات المعلنة للرئيس ترمب في الأسابيع الثلاثة الأولى من بدء فترة رئاسته تخرج عن المستقر في العمل السياسي الأميركي، وقد تفضي إلى منعطفات خطيرة. ومهما كان المحرك لهذه السياسات، سواء سعي الرئيس ترمب لحفظ ولاء فئات الناخبين التي أوصلته إلى دفة الحكم، أو اقتناعه بأن السياسات التي أقرّها ضرورية لبلاده، فلا شك أن ترمب يسير في طريق غير مسبوق في التاريخ الحديث للولايات المتحدة.
فهل الرئيس ترمب قادر وحده على تغيير مجريات الأمور في بلاده بقدرٍ كبير، كما هم الرؤساء السابقون، إلى الحد الذي يسمح بأن نشهد في أميركا مثل ما شهدنا حدوثه في دول الحاكم الفرد، ونكون مرة أخرى أمام تحول آخر كبير يعيد رسم الخريطة السياسية الدولية؟
رغم أن الجواب عن السؤال المطروح هو مما لا يمكن الجزم به، فإنه يلزم التنبه إلى الفارق الكبير بين الاتحاد السوفياتي ودول الحزب الواحد، أو الحاكم الفرد، الأخرى من جهة، وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى؛ فالدول الأولى افتقرت لمؤسسات الحكم الأخرى المستقلة المشاركة في السلطة، والإعلام الحر، والمجتمع المدني الفاعل، بينما الولايات المتحدة دولة تتقاسم فيها المؤسسات السلطات، وتعلو فيها كلمة القانون، وتحكمها قواعد العمل الدستوري المستقرة، وينشط فيها الإعلام الحر.
الرئيس ترمب - فيما يبدو - ينطلق من أنه وحده القادر على تقرير وقائع الأحداث؛ فما يقوله صحيح وما سواه كذب، مهما كانت حقيقة الأمور، وأنه وحده المجرّد من الأهواء والمخلص في تشخيص المصالح الكبرى للبلاد، ومن يخالفه الرأي في ذلك ما هو إلا أداة لمراكز القوى المتنفذة والمصالح الخاصة الضيقة، وأن - لكل هذا - ما يأمر بإنفاذه واجب التطبيق، ومحرر من القيود الدستورية والتشريعية، وما يعارضه ما هو إلا عبث بمصالح البلاد ومستقبلها.
بعبارة أخرى؛ هناك من يعتقد أن الرئيس ترمب ينزع لممارسة حكم غير مثقل بالقيود الدستورية والتشريعية، فهل يتأتى له ذلك؟
إِلا أن ترمب لا يعمل، مثلما عمل رؤساء آخرون، في فراغ، فقد تحركت السلطات العدلية في حكومات الولايات، وأشخاص آخرون، فطعنوا في شرعية قراره بشأن منع اللاجئين ومواطني بعض الدول من القدوم لأميركا، وفي دستورية هذا القرار، واستجاب القضاء فأمر بوقف نفاذ هذا القرار مؤقّتًا حتى يحكم في هذه الطعون.
وتحرك الإعلام فكشف عن عدم صحة ما صرح به رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي - المعيّن من قبل الرئيس ترمب - بشأن ما هاتف به السفير الروسي عشيّة فرض الرئيس السابق، باراك أوباما، عقوبات جديدة على روسيا، وهو ما انتهى باستقالة، أو إقالة، رئيس مجلس الأمن القومي المذكور من منصبه ولم يمض فيه سوى ثلاثة أسابيع.
وتحرّكت مؤسسات المجتمع المدني الأميركي، بما في ذلك بعض الشركات والمنشآت غير الربحية؛ فقدمت التمويل للدعاوى القضائية المرفوعة ضد قرارات الرئيس ترمب، والدعم لحملات الاحتجاج على هذه القرارات، والمساعدة للمتضررين من هذه القرارات، وهم من غير المواطنين الأميركيين.
وتحرك الكونغرس أيضًا، فرفض إقرار تعيين الشخص الذي رشحه الرئيس ترمب وزيرًا للعمل، واضطر الرئيس لترشيح شخص آخر لهذا المنصب، كما تحرك بعض أعضاء مجلس الشيوخ فطلبوا من وزارة العدل التحقيق فيما إذا كان وقع تنسيق بين حملة الرئيس ترمب الانتخابية وبين مسؤولين حكوميين روس، وكذلك التحقيق في موضوع المهاتفة بين رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي السابق وبين السفير الروسي، والكشف لمجلس الشيوخ عن تفاصيل هذه المهاتفة، ومن أمر بها، ومن كان يعلم بما انطوت عليه، ومتى وقع هذا العلم.
واللافت للانتباه، أن كل هذه التجاذبات تحدث في ظل من السلم الاجتماعي، والممارسة المدنية للحقوق الدستورية والقانونية.
لقد شهدنا مرارًا ما انتهى إليه حكم الفرد، أو الحزب الواحد، في دولٍ لا وجود فيها لمؤسسات الحكم الأخرى المستقلة، بخاصة عندما يتحرر هذا الحكم من القيود الدستورية وموازناتها، وينطلق في ممارسته للسلطة في ظل غياب من التوافق الاجتماعي، وتجاهل للأعراف المستقرة.
والآن نشهد رئيسًا يبدو كأنه يتوق لممارسة مثل هذا الحكم في دولة تسود فيها مفاهيم الحكم الدستوري، وتشترك في ممارسة السلطات فيها مؤسسات تشريعية وقضائية مستقلة، وينطلق فيها الإعلام الحر، وتنشط فيها مؤسسات المجتمع المدني.
فلنرقب ما عسى نتيجة هذا المشهد أن تكون!