محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

نهر بلا عودة

عندي حب، بل قل عشق، للأنهر. ليس الأنهر الكبيرة أو العملاقة بل الأنهر الصغيرة. تلك التي تستطيع اجتيازها من ضفّة إلى أخرى بسهولة، لأن إحداهما لا تبعد عن الأخرى أكثر من عشرة أمتار على الأكثر.
في لبنان، كنت وابن خالتي وبعض الأصدقاء نقصد نبع الصفا ونبع الباروك على الأخص. كنا نمشي مسافات لخارج القرى، ثم ننزل وديانًا إلى حيث لا تعود تسمع شيئًا سوى حفيف أوراق الشجر وصوت المياه المنسابة. باردة ورقيقة. عصافير من الكناري والحسون تطير فوق الرؤوس. تحط على أشجار قريبة أو على صخور صغيرة وسط النهر.
حين بدأت السفر تبدلت المناطق والوديان والجبال واللغات والوجوه والملامح وبقيت الأنهر. كنت دائمًا أقصد نهرًا في كل مكان أزوره. في لوكارنو عند أعالي الجبال وجدت نفسي أصعد كالعنزة فوق الصخور لكي أصل إلى منبع جدول ماء. تركت الطريق الريفي تحتي وصعدت وأنا أسمع خرخرة المياه من دون أن أراها، ثم اكتشفت النبع. كان مثل حفرة في الأرض يخرج الماء منها ويهبط سريعًا فوق الصخور، ويختفي في شقوق طبيعية عالية الجانبين، ويمضي إلى حيث أريد له أن يمضي.
في منطقة الباسك الإسبانية، صرفت يومين من أيام مهرجان سان سابستيان وأنا أمشي على ضفاف النهر الذي يشق المدينة قبل وصوله إليها. ابتعدت في تلك البقاع العالية. راقبت الماء وهو يتسابق صوب شاطئ المدينة لينضم إلى مياه البحر. وقرب مدينة تولوز الفرنسية استأجرت دراجة هوائية، ورحتُ أزور نهرًا قريبًا تميل صفحة مياهه إلى اللون الأخضر ربما لكثرة الأشجار التي تغطيه.
في ولاية أريزونا قدت السيارة شمالاً إلى منطقة صيدونا الجميلة. الفندق الذي نزلت فيه لم يكن بعيدًا عن خرخرة المياه. سمعت صوته أول ما فتحت النافذة. خرجت باحثًا عن النهر. كان يمر تحت جسر قريب. اجتزته ثم استدرت إلى اليسار ومشيت بمحاذاته حتى وجدت طريقًا إلى ضفته.
جلست على الأرض وأسندت ظهري إلى شجرة وسرحت في هذا النهر الآتي من بعيد والذاهب إلى بعيد آخر. لم أفعل شيئًا سوى الاستمتاع بصوته وبجريان مياهه. أمضيت نحو ساعة وأنا جالس هناك وحدي، ولولا عتمة الغروب التي أخذت تسود لبقيت لساعة أخرى على الأرجح.
وضعت يدي في الماء البارد للتحية فغمرت المياه يدي كما لو أنها تسلِّم علي وهي عابرة. حاولت أن أحلِّل الماء ولو نظريًا. لا يمكن أن تأخذ قطرة وتفحصها حتى ولو لم تتبخر بين يديك. القطرة مؤلفة من قطرات اندمجت مع بعضها بعضًا. معًا هي جسد كبير لكن حين تستخرج بعضها وتتركها فوق يدك تجف. أرجعها إلى الماء تضيع. ضع وجهك في الماء تنتعش. ارمِ نفسك في مجراه تغرق، إذا كان عميقًا ولا تعرف السباحة. إذا شح عطشنا وإذا فاض هلكنا، لكنه لا يفعل ذلك إلا بعد أن يهدره الإنسان أو يتدخل في بيئته.
دائمًا أسأل نفسي وأنا أنظر إليه عما هو هذا المخزون الهائل من الحياة التي تتدفق. ينبع ويتخذ مسيرته ويتوالى من دون توقف. لا يرتاح لأنه لا يتعب. يطلع من غياهب الأرض ليمتع العين والحواس. حتى الأشجار على جانبيه تبدو محظوظة.
عند ضفة النهر أجلس وحيدًا. وهناك فقط أرتاح من عناء الدنيا.