مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

أتمنى ميتة (أبي خارجة)

عن أبي علي المصري أنه قال: كان لي جار شيخ يغسل الموتى فقلت له يومًا: حدثني بأعجب ما رأيت!! فقال: جاءني شاب في بعض الأيام مليح الوجه حسن الثياب، فقال لي: أتغسل لنا ميتًا؟، قلت له: نعم، فتبعته حتى أوقفني على باب فدخل فإذا بفتاة وهي أشبه الناس بالشاب قد خرجت وهي تمسح عينيها فقالت لي: أنت الغاسل؟! قلت: نعم، قالت: ادخل، فدخلت الدار فإذا بالشاب الذي جاءني يعالج سكرات الموت وقد شخص بصره ووضع كفنه وحنوطه عند رأسه، فلم أجلس إليه حتى قبض!، فقلت: سبحان الله كيف عرف وقت وفاته فجاءني؟!، فأخذت في غسله وأنا أرتعد، فلما أدرجته في أكفانه أتت الفتاة وهي أخته وقبلته، فلما أردت الانصراف شكرت لي وقالت: أرسل لي زوجتك إن كانت تحسن ما تحسنه أنت، فارتعدتُ من كلامها وعلمت أنها لاحقة به، فلما فرغت من دفنه جئت أهلي فقصصت عليها القصة وأتيت بها لتلك الفتاة، فوقفت بالباب واستأذنت، فدخلت زوجتي فإذا بالفتاة مستقبلة القبلة وقد ماتت، فغسلتها زوجتي وأنزلتها على أخيها رحمة الله عليهما - انتهى.
لا أدري عن مدى صحة هذه الرواية، لأن (التقول) قديمًا وحديثًا كثير، ولا يعلم الآجال غير الله سبحانه، ولكن قد يصدق التوقع أو الصدفة أحيانًا.
فهناك شيخ فاضل توفي قبل عشرة أعوام تقريبًا - ولا أريد أن أسميه - وكان بصحة جيدة، وأصابه زكام بسيط، فقال لمن حوله لقد حان أجلي، واعتقد أبناؤه أنه يخرف، ونقلوه على وجه السرعة للمستشفى، وقبل أن يدخل من باب الطوارئ رفع إصبعه بالشهادة وفاضت روحه.
اللافت أن هناك بعض الحيوانات قد تستشعر بقرب مماتها، وشاهدت في التلفزيون امرأة بريطانية تحكي عن كلبها الذي تقتنيه من عدة سنوات وتقول: دخل عليّ بالمطبخ وأنا أشرف على مغسلة الملابس، وتعجبت من تعلقه بملابسي ومبالغته بلحوستي على غير عادته، ثم تركني وطلع للدور الثاني وفتح غرفة طفلي وطفلتي النائمين، وأخذ كذلك يلحوسهما، ثم شاهدته وهو ينزل ويتمدد في فرشته التي هيأتها له في الممر، وبعد نصف ساعة وعندما انتهيت من الغسيل، وذهبت أربت عليه لأقول له: (GOOD NIGHT) كالعادة، صعقت عندما وجدته جثة هامدة، وكأنه بلحوسته تلك لنا أراد أن يودعنا - انتهى.
أما الميتة المعبرة هي التي حكاها (الأصمعي) عندما قال:
رأيت أعرابيًا ممسكًا بستار الكعبة وهو يدعو: اللهم أمتني ميتة (أبي خارجة)، سألته: كيف مات؟!، قال: أكل حتى امتلأ، وشرب، ونام في الشمس، فمات شبعان ريّان دفئان - انتهى.
وهذه الميتة هي التي أتمناها لي أنا شخصيًا.