لا شك أن الآباء في سعيهم الدائم لتوفير حياة أفضل لأبنائهم ربما لا يقضون الوقت الكافي معهم، خاصة في ظل التغيرات التكنولوجية الحديثة ووسائل الاتصال المختلفة مثل أجهزة الهاتف الذكية والكومبيوتر المنزلي والتي تجعل الآباء في حالة انشغال دائم بالعمل والتفكير به حتى في الأوقات التي يفترض أن تكون مخصصة للعائلة في المنزل. والحقيقة أن هذه المسؤوليات لا تمثل ضغوطا على الآباء فقط ولكن على الأبناء أيضًا خاصة في مرحلة النمو، وهو الأمر الذي أشارت إليه دراسة حديثة تناولت هذا الموضوع وتم نشرها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من العام الجاري في مجلة النمو والتطور السلوكي للأطفال Journal of Developmental & Behavioral Pediatrics
* انشغال الآباء
وكان الباحثون قد اهتموا بدراسة الآثار المترتبة على انشغال الآباء طوال الوقت بمتابعة التكنولوجيا وعلاقتهم بأبنائهم في مرحلة الطفولة المبكرة Toddler وقاموا بتحليل كل الإحصائيات الخاصة باهتمامات الآباء، خاصة الهواتف الذكية سواء كانت هذه الاهتمامات وظيفية من خلال البريد الإلكتروني تتطلب متابعة دورية وسريعة أو من خلال الرسائل الإخبارية القصيرة المتعلقة بالاقتصاد أو الأمور السياسية والاجتماعية أو مواقع التواصل الاجتماعي العامة.
وتكمن المشكلة في أن الآباء على الرغم من وجودهم الفعلي في المنزل إلا أن ذهنهم لا يزال مشغولا بالعمل وتزداد المشكلة صعوبة في حالة الأم العاملة بطبيعة الحال، وأوضح الباحثون أن هذه الضغوط تمثل عبئًا على الآباء بين رغبتهم في تخصيص وقت مناسب للأسرة ورغبتهم في مواكبة سير العمل أو التواصل الاجتماعي.
وقام الباحثون بسؤال 35 من الأشخاص المسؤولين عن العناية والتعامل مع الأطفال في المنازل من الأسرة سواء الآباء أو الأمهات أو الجدات. وأجاب معظمهم أنهم يعانون من ضغوط داخلية وتوتر نتيجة للخلط بين أوقات العمل والمتابعة التكنولوجية والعناية بالأطفال وافتقادهم لتخصيص وقت كاف لمشاركة أولادهم أوقات عائلية تجتمع فيها الأسرة مثل تناول وجبات الطعام.
وأشار بعض الآباء إلى أن قراءة أخبار معينة سواء عن طريق البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل تجعلهم متأثرين نفسيا وعاطفيا بالأحداث التي يسمعون عنها، وهو الأمر الذي ينعكس بالسلب على علاقتهم بأبنائهم. وعلى سبيل المثال فإن قراءة أخبار عن حروب أو ضحايا أبرياء تجعلهم غير قادرين على التجاوب مع الدعابات الصادرة من أطفالهم والتفاعل معها، كما أن الأطفال كرد فعل لذلك يلجأون إلى جذب انتباه الآباء وفى الأغلب يكون ذلك عن طريق فعل أشياء سلبية مثل ضرب أطفال آخرين أو الصراخ المبالغ فيه.
* «هروب تكنولوجي»
ومن جهة أخرى، أشار بعض ممن شملتهم الدراسة أن الهواتف الذكية تمثل نوعا من أنواع الهروب أيضًا من التوتر والقلق والملل أيضًا وضوضاء الأطفال ومطالبهم التي لا تنتهي. ويكون الهاتف الذكي بمثابة الترفية الوحيد الذي يحظى به الآباء. وأضافت إحدى الأمهات أن مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال تمكنها من أداء الواجبات الاجتماعية نظرا لانحصار وقتها بالكامل بين الأطفال والعمل. وأشار البعض الآخر إلى أنهم يستخدمون الكومبيوتر للعمل من المنزل من دون الاحتياج للخروج، وهو الأمر الذي يتطلب أن يوفر الأطفال الهدوء الكافي لإتمام مهام العمل وأن الحفاظ على الأطفال في حالة هدوء يمثل مهمة شاقة في حد ذاته.
وأوضحت الدراسة أن الآباء يستخدمون الأجهزة الإلكترونية سواء كانت أجهزة محمولة أو اللابتوب أو الأجهزة اللوحية بمعدل 3 ساعات يوميا في المنزل. وبمتابعة بعض الفيديوهات للذين شملتهم الدراسة في المنازل مع أطفالهم أو حتى في الخروج لتناول الطعام في المطاعم، تبين أن نسبة الحديث بين الآباء وأطفالهم أقل من المعتاد وبغض النظر عن الحديث، فإن العلاقة تفتقر إلى التفاعل الكافي بين الأطفال وذويهم من دون استخدام اللغة بمعنى أن الآباء لا يربتون على كتف الأبناء أو التواصل بالابتسام أو تعبيرات الوجه المختلفة مما يؤثر على حميمية العلاقة العاطفية والنفسية بين الآباء والأبناء في مرحلة النمو العاطفي والوجداني.
وأشارت الدراسة إلى أنه بالمقارنة بين الآباء في الماضي وانشغالهم بقراءة الكتب أو الجرائد التقليدية الورقية فإن الهواتف الذكية تستحوذ على أضعاف الاهتمام بالكتب أو المجلات في السابق، وأن الأطفال في هذه المرحلة العمرية يحتاجون إلى التواصل المستمر مع الآباء والإجابة على الأسئلة المتعلقة بكثير من الأشياء وكيفية استخدامها والتعامل معها مما ينعكس بالإيجاب سواء على الجانب الإدراكي أو الجانب العاطفي للأطفال
** نصائح للآباء
وقام الباحثون بإعطاء بعض النصائح للآباء للتعامل مع هذه المشكلات ومنها:
* أن يخصص الآباء مكانا معينا لاستخدام الهاتف أو اللابتوب مثل غرفة خاصة بهم وأيضًا يقوم بتخصيص وقت معين. ويستحسن أن يكون هذا الوقت في منتصف الفترة التي يقضيها الآباء مع أطفالهم، حيث إن الأطفال يكونون متلهفين لمقابلة الآباء لحظة دخلوهم إلى المنازل وأيضًا يجب الابتعاد عن وقت تناول الطعام وتخصيصه للأسرة فقط.
* نصحت الدراسة أيضًا الآباء بعمل ما يشبه الفلترة (الترشيح) لنوعية الأخبار أو الاستخدامات التي تسبب القلق والانشغال. وعلى سبيل المثال تحديد إذا كانت متابعة البريد الإلكتروني للعمل هي أكثر ما يثير التوتر يمكن مطالعتها في الأوقات التي يكون الأطفال فيها مشغولين بأداء مهام أخرى سواء اللعب أو مشاهدة التلفاز على سبيل المثال.
* نصحت الدراسة باستخدام لغة الحوار بشكل دائم بين الأطفال والآباء
وفى النهاية يجب أن يوازن الآباء بين مزايا استخدام التقنيات الحديثة وعيوبها وأثر ذلك على تواصلهم مع أبنائهم.
* استشاري طب الأطفال
