قد تكون فكرة العرق هي أسوأ فكرة يخرج علينا العلم بها. لقد كان العلماء مسؤولين رسميًا عن تقسيم البشر إلى أوروبيين، وأفارقة، وآسيويين، وأميركيين أصليين، والترويج لهذه الجماعات كجنس أدنى أو جنس منفصل تمامًا بذاته. لقد حدث ذلك في القرن الثامن عشر، لكن هذا التقسيم منح الشرعية العلمية للتعصب والتحامل اللذين هيمنا على القرن الواحد والعشرين. تثبت التوترات العرقية نقطة خلاف مهمة ظهرت في أول مناظرة رئاسية في 2016، التي سبقها بأيام قليلة إعلان العلماء استخدامهم لعينات للحمض النووي على نطاق واسع لمعرفة المزيد عن نظرية التوافق التي تقول بأننا جميعًا من أصل واحد حديث نسبيًا في أفريقيا. في الوقت الذي تجولت فيه كثير من الأجناس البشرية، والأجناس الأدنى، في أرجاء الكوكب ذات يوم، هناك ما يكفي من الأدلة لإثبات أن وراء هذا الإسهام الوراثي الصغير من الإنسان البدائي، وبعض الأجناس الأدنى، عاش فرع واحد فقط من البشر حتى وقتنا الحالي.
السؤال هو هل الأجناس غير الأفريقية المعاصرة كانت نتاج هجرة واحدة، أم عدة هجرات من أفريقيا. تشير أحدث البيانات إلى القيام برحلة واحدة؛ حيث غادرت مجموعة من البشر أفريقيا منذ فترة تتراوح بين 50 ألف و80 ألف عام، واستقرت في آسيا، وأوروبا، والأميركتين، وجنوب المحيط الهادي، وأماكن أخرى. مع ذلك لا تعد تلك النتائج سوى إضافة طفيفة لا تذكر إلى رأي علمي أنكر منذ فترة طويلة فكرة الأعراق البشرية واعتبرها فكرة بالية خاطئة. وقال سوابان ماليك، الأخصائي في علم الوراثة بجامعة هارفارد، ومؤلف ورقة علمية تكشف عن أحدث ما تم التوصل إليه بشأن قصة البشرية على أساس الحمض النووي: «نحن لا نستخدم مصطلح عرق أبدًا. نحن جميعًا جزء من نسيج الإنسانية، ومن المثير للاهتمام معرفة كيف وصلنا إلى هذه النقطة».
لا يعني ذلك إنكار اختلاف الناس في لون البشرة وغيرها من الصفات الشكلية الظاهرة؛ فسواء كانت بشرتك داكنة أو فاتحة، أو كنت طويلا ونحيفًا أو قصيرًا وممتلئ الجسم، فما يحدد ذلك هو قوة ضوء الشمس، ومناخ المناطق التي عاش بها أسلافك. كذلك لا يمكن إنكار وجود العنصرية والعرقية، لكن هذا يعد بدرجة كبيرة تفسيرًا خاطئًا لتلك الخصائص والسمات الظاهرية. وقال دانييل ليبرمان، أستاذ علم الأجناس البشرية بجامعة هارفارد، خلال فعالية أقيمت في اليوم التالي للمناظرة الرئاسية: «هناك سوء فهم عميق لمعنى العرق. العرق مفهوم يصعب الدفاع عنه علميًا، فلا يوجد أساس أو سند بيولوجي له يجعله منطبقًا على البشر».
فكّر في أن من أوجد أكثر الخانات الموجودة في استمارات تعداد السكان كانوا من المؤمنين بقصة خلق الإنسان، مثل عالم الأحياء السويدي كارلوس لينيوس، الذي أعلن في عام 1758 إمكانية تقسيم البشر إلى أعراق هي الأبيض (الأوروبيين)، والأحمر (الأميركيين الأصليين)، والأسود (الأفارقة)، والأصفر (الآسيويين). وألصق بكل الأعراق، باستثناء العرق الأبيض، صفات شخصية ثابتة. خلال العقود التالية، تجادل العلماء، الذين كان أسلافهم أوروبيين، حول ما إذا كان الله قد خلق كل عرق على حدة بشكل منفصل، أم أن البشر من أصل واحد لكنهم انقسموا إلى أعراق.
خلال القرن التاسع عشر، استعان العلماء بفكرة العرق ليس فقط لتصنيف الناس، بل لتبرير العبودية من خلال تصوير الأفارقة على أنهم جنس أدنى، بحسب جوزيف غريفز، أخصائي علم الوراثة بجامعة نورث كارولينا، الذي ألقى كلمة في جامعة هارفارد مؤخرا. جمع صامويل مورتون، وهو واحد من أبرز العلماء الأميركيين خلال منتصف بدايات القرن التاسع عشر، جماجم من مختلف أنحاء العالم، وحاول أن يصل إلى دليل يوضح أن رؤوس ذوي الأسلاف الأوروبية هي الأكبر، زاعمًا أنهم لذلك أكثر تفوقًا من الناحية العقلية. وأدرك العلماء بعد ذلك خطأ مورتون بشأن أصحاب الرأس الأكبر، وكذلك بشأن العلاقة بين حجم الرأس والذكاء. مع ذلك لا يزال الجدل مستمرًا حول ما إذا كان مورتون قد غشّ، أم ارتكب خطأ إحصائيًا، لكن استنتاجه يظل خاطئًا في الحالتين.
وقال غريفز، وهو مؤلف عدة كتب، منها «أسطورة العرق» عام 2005، إن نقطة تحول رئيسية قد حدثت بعد نشر تشارلز داروين لكتابه «أصل الأنواع» عام 1859. واكتشف داروين من خلال أسفاره حول العالم عدم وجود سبب علمي يدعو إلى تقسيم البشر إلى أربعة أعراق. وقد كتب لاحقا أنه كان يبدو منطقيًا بالنسبة له تقسيم الناس إلى ما بين عرقين إلى 63 عرقًا. مع ذلك لم يؤيد الجميع دراوين.
وكان لويس أغاسيز، عالم الأحياء الأميركي - السويسري،، شخصية مؤثرة أخرى خلال القرن التاسع عشر، ووصفه غريفز بالـ«عملاق»، سواء في إنجازاته، أو في اختلافه مع معاصريه. حتى بعد نشر داروين لكتابه، استمر أغاسيز في نشر فكرة أن الأفارقة والأوروبيين عرقان مختلفان. وأشار أغاسيز إلى أن الأبناء الناتجين عن الزواج المختلط سيصابون بالعقم، . وكان مخطئًا في ذلك الطرح، مثلما كان مخطئًا في عدم قبوله لنظرية النشوء والارتقاء.
لم تضع فكرة داروين القوية حدًا للعنصرية العلمية، فقد حاولت حركة تحسين النسل خلال الحقبة التقدمية، على سبيل المثال، إخفاء العنصرية في عباءة نظرية النشوء والارتقاء. مع ذلك بوجه عام، دفع باحثو القرن العشرين فكرة العنصرية بعيدًا لتصبح على هامش المجتمع العلمي. وقد أوضح المؤرخون أن هتلر قد زيف الدعم العلمي لآيديولوجيته الخاصة بالأعراق. وخلال ثمانينات القرن العشرين، استخدم العلماء الحمض النووي لتتبع أصل البشر منذ 200 ألف عام في أفريقيا.
في محاولة لتنقيح القصة، حلل العلماء المعاصرون الحمض النووي، الذي تم جمعه من مجموعات مختلفة من البشر، مثل الأستراليين الأصليين، وسكان بابوا غينيا الجديدة، والباسكيون والبدو، والبيغميون. المشروع بطبيعته يقرّ بوجود اختلاف بين هذه الجماعات يكفي لأن يجعل الحصول على الحمض النووي أمرًا ضروريًا من أجل فك شفرة قصة البشر، لكنه اختلاف لا يصل إلى درجة تؤيد نظرية انفصال الأعراق. وتوضح العظام والأسنان المتفرقة في أنحاء الشرق الأوسط، وآسيا أن جماعات من البشر قد رحلت عن أفريقيا في موجات كثيرة، لكن طبقًا لتحليل الحمض النووي المذكور، والذي يعد الأحدث، موجة واحدة فقط من تلك الموجات قد ساهمت بشكل كبير في تكوين البشر الموجودين حاليًا.
لماذا يصرّ الناس إذن على تصديق وجود اختلاف واضح بين الأعراق المختلفة، وأنها ثابتة، ولها جذور في علم الأحياء؟ يقول غريفز إن الأمر غير منطقي. وقد أوضح أنه من الأسباب، التي جعلت الأميركيين عالقين في القرن التاسع عشر فيما يتعلق بأمر العرق، هو أن الكثير من المعلمين غير مؤهلين لتدريس نظرية النشوء والارتقاء، أو رافضين لها بدافع الخوف.
يختبر غريفز طلبته أحيانا من خلال عرض صورة لرجل، والطلب منهم التكهن بأصله ومسقط رأسه. يبدو أنه يعرض صورة لرجل يراه أكثر الأميركيين أسود البشرة، ويوضح غريفز أن الناس يفترضون أنه من أفريقيا، أو أميركي من أصل أفريقي يقيم في الولايات المتحدة، لكنه في الواقع من جزر سليمان، التي تقع جنوب المحيط الهادي.
يوضح هذا التمرين أن العرق أمر حقيقي في وعي الناس، وإن لم يكن كذلك في علم الأحياء. مع ذلك يوضح العلم أن الوضع لا ينبغي أن يظل على هذا النحو إلى الأبد.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
