توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

وراء الجسر السعودي ـ المصري

سبعة مليارات دولار هي النفقات المقدرة لإنشاء جسر الملك سلمان بين السعودية ومصر. وهي أقل من 20 في المائة من مجمل الاتفاقات الاقتصادية التي وقعها البلدان، خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة. لكني أعتبر هذا المشروع أهم حدث على المستوى القومي خلال العقد الحالي.
كانت مسألة الأمن القومي، شغلاً شاغلاً للباحثين العرب في ثمانينات القرن العشرين. وظهرت في هذا السياق دراسات فائقة الأهمية، وأشير خصوصًا إلى الأبحاث العميقة التي أصدرها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.
الخط الجامع بين تلك الدراسات هو مفهوم «التكامل من أجل الاستقرار والتقدم». وفرضيته الرئيسية أن العالم العربي قادر على التحرر من حالة الضعف على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني، إذا نجح في تطوير استراتيجية لاستثمار الطاقات الفائضة في بعض أجزائه، لملء نقاط الفراغ في الأجزاء الأخرى.
ثمة مفاهيم كانت شائعة كانطباع عام. لكنها تحولت مع تلك الدراسات إلى نظريات متينة، يمكن أن تبنى عليها استراتيجيات عمل مؤثرة. ولعل أشهرها هو ذلك الذي يدعو للربط بين الطاقات البشرية في مصر والأراضي الخصبة في السودان والفوائض المالية في الدول العربية المصدرة للبترول في الخليج وشمال أفريقيا.
نعلم بطبيعة الحال أن الأمور أعقد من هذا المفهوم الانطباعي. لكن الرسالة الداخلية التي يحملها صحيحة مائة في المائة، وأعني خصوصًا حقيقة أن العالم العربي لديه فوائض في موقع ونواقص في موقع آخر. وأن الربط بين الموقعين سوف يولد قيمة مضافة لصالح جميع الأطراف.
أعرف عن مبادرات أهلية ورسمية تصب في هذا المنحى أنجزت فعليًا خلال العقدين الماضيين. أعرف مثلاً أن جانبًا مهمًا من الغذاء الذي نأكله في المملكة يأتي من مزارع في السودان ومصر، على شكل مدخلات (كالأعلاف مثلاً) أو منتجات نهائية. وأعلم أن آلاف العائلات في هذين البلدين تعتمد في معيشتها على استثمارات سعودية أو تحويلات من أبنائها العاملين في المملكة. هذه المبادرات تؤكد المفهوم المشار إليه، رغم أنها لا تزال دون المستوى المأمول كمًّا وكيفًا.
اتفاق الجسر السعودي - المصري، مؤشر على تحول فائق الأهمية في الذهنية السياسية العربية. فقد طرح منذ ثلاثة عقود في سياق زيارة المرحوم الملك فهد للقاهرة عام 1989. لكن التردد أعاق إطلاقه رسميًا.
ينطوي المشروع على تعقيدات سياسية واستراتيجية وتداخلات مع أطراف دولية، اعتاد العرب فيما مضى على التعامل معها على المستوى القطري، والتهرب من مواجهتها، إذا كانت تقتضي توافقًا بين أكثر من طرف عربي. وعلة هذا الميل الهروبي في ظني، هو قلة الثقة في السياسات ذات المدى الطويل. لقد أخفقت معظم مشروعات التكامل العربي التي تتطلب توافقات طويلة الأمد، بسبب التحولات السياسية أو تغير أصحاب القرار أو الخلافات الجانبية. ولعل التباطؤ الشديد في مشروع الربط الكهربائي العربي، هو أحد الأمثلة البارزة على هذا، رغم أهميته وجدواه والحاجة الماسة إليه.
زبدة القول إن مشروع الجسر يمثل إشارة قوية إلى قدرة العرب على تبني هذا النوع من الاستراتيجيات طويلة الأمد ومتعددة الأطراف، بما فيها تلك التي تنطوي على مداخلات دولية. والمأمول أن يكون فاتحة لإحياء مشروعات التكامل العربي على النطاق الأوسع.
التكامل بين الدول العربية اقتصادي من حيث الأدوات، وربما الدوافع الآنية. لكنه في المنظور الاستراتيجي يشكل أرضية وحيدة للأمن القومي في معناه العميق، الأمن الذي لا يعتمد على الردع في النطاق القطري، بل الوقاية والحماية المتبادلة في النطاق القومي.