أثناء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فتح الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة ضد حلفائه الأوروبيين لأنهم خذلوه: لقد رفض حلفاؤه المشاركة في العمل على إنهاء سيطرة إيران على الملاحة في مضيق هرمز. يصف ترمب منظمة حلف شمال الأطلسي بأنَّها «نمر من ورق» ومخيبة للآمال. ويُهدد بأنَّ واشنطن لن تحمي بعد الآن حلفاءها الأوروبيين. ويأتي الرد من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما يرفع من حدة المواجهة الكلامية، التي إن دلَّت على أمر ما فإنما تدل على انفجار الصدام الذي لم يكن خافياً، ولكنه كان مقيداً بعض الشيء.
من جهة أخرى، فإن أوروبا تعيش أزمة هيكلية متعددة الأوجه والدرجات من حيث قوتها؛ أزمة نتجت بشكل خاص من «عالم الاقتصاد»، ولكنها انعكست على عالم السياسة والاجتماع، وشهدت صعود الهويات الأصلية والمتشددة التي تتغذى وتُغذي المخاوف الحاصلة والمتزايدة، وتُسهم في إحداث توترات مجتمعية وأوروبية تختلف قوتها ودرجاتها بين دولة وأخرى.
أوروبا تريد خفض اعتمادها الاقتصادي على واشنطن في مجالات التكنولوجيا والطاقة والدفاع والتجارة، بسبب السياسات الحمائية لإدارة ترمب، والأحادية الحادة على الصعيد الدولي التي يمارسها، والتي تأتي على حساب ما يفترض أن تكون التزامات متبادلة ورؤية متكاملة بين الحلفاء الغربيين. ولكن انتهاج تلك السياسة «الانفصالية» ليس بالأمر السهل، بسبب ما يصفه أكثر من مراقب، وعن حق، بتعثر عملية البناء الأوروبي وتراجعها، وبالتالي تراجع الدور الأوروبي على الصعيد الدولي.
تهمة الخيانة المتبادلة تطبع العلاقات الأميركية - الأوروبية حالياً: أوروبا اتهمت واشنطن بالتخلي عمّا كان يجب أن يكون التزامها «الكلي والاستراتيجي» في دعم الموقف الأوروبي في الحرب الأوكرانية - الروسية، والتي تُشكل أحد أهم التحديات للقارة القديمة على مسرحها الاستراتيجي، وذلك لمصلحة التكيف أو التفاهم، ولو الضمني، في نقاط معينة مع السياسة الروسية مقابل مكاسب استراتيجية على الصعيد الدولي بالنسبة لواشنطن. من هذه المكاسب العمل على عدم تبلور تحالف روسي - صيني فاعل ضد واشنطن التي تعمل على محاولة إحداث توازن في علاقاتها مع الطرفين؛ في عالم الاقتصاد مع الصين الشعبية، وفي عالم السياسة مع روسيا الاتحادية.
ويُعزز هذا التوجه موقف كل من الصين الشعبية وروسيا فيما يتعلق بالحرب الأميركية مع إيران: موقف يتسم بالاعتدال والانضباط في دعم «الحليف» الإيراني، والدفع لتسوية النزاع من دون الاصطفاف الكلي وراء هذا الحليف، وتوفير الدعم المفتوح له، والذهاب إلى صدام مفتوح مع واشنطن.
ويبدو أن النظام الدولي الليبرالي الذي نشأ بعد انتصار النظام الرأسمالي الغربي بالضربة القاضية على النظام الشرقي الاشتراكي مع سقوط هذا الأخير في موسكو وعند حلفائها، والتحول الكبير في السياسات الاقتصادية الدولية في بكين، بعيداً عن النموذج السابق، في طريقه إلى التراجع بوصفه نموذجاً طاغياً وجاذباً ومهيمناً على الصعيد الدولي.
ضغوطات الديموغرافيا في الدول النامية، وما تولده من بطالة، والتعثرات التي تواجهها الدول الأقل نمواً، والتي هي بمثابة حواجز بنيوية أمام عملية التنمية الشاملة والضرورية، إلى جانب التغيُّرات المناخية وتداعياتها على الاقتصاد والنمو والهجرة، كلها تُشكل أسئلة مهمة وتساؤلات حول أي نظام دولي سيتبلور ويستقر مع الوقت.
في هذا السياق، من المفيد الإشارة إلى «طروحات» رئيس وزراء كندا، خلال مؤتمر دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي حول دور القوى المتوسطة، وبالتالي مسؤولياتها من خلال تعاونها بين بعضها في العمل على صياغة نظام عالمي جديد.
وفي السياق ذاته، صرنا نسمع عن طروحات ومقترحات من نوع إقامة تحالف عملي أو تعاوني. تحالف يضم دول مجموعة السبع أو دول الشمال من دون الولايات المتحدة، ودول الجنوب من دون روسيا الاتحادية والصين الشعبية، للإسهام بشكل أفضل وأقوى في صياغة أسس وقواعد النظام العالمي الجديد، الذي لم يتبلور كلياً، ولم يستقر بعد. يبقى السؤال قائماً حول أي نظام دولي سيتبلور ويستقر في خضم هذه الطروحات والتحديات المتشابكة والمترابطة؟
