كيف سيكون شكل العالم اليوم لو أن هاري ترومان أو دوايت أيزنهاو أبديا ذات التوجهات التي يتبعها باراك أوباما على صعيد العلاقات الخارجية، أو دونالد ترامب، وهو الحالة الأشد خطرًا؟
خلال رئاسة أوباما، خاضت الولايات المتحدة تجربة الانسحاب من الشرق الأوسط، منطقة لطالما اعتبرتها واشنطن حيوية لمصالحها. أما لو كان ترامب في موقع الرئاسة، فمن المؤكد أنه كان سيسرع من وتيرة هذا الانسحاب، وتوسيع نطاقه ليصبح عالميًا، وذلك «لأننا بلد فقير الآن»، على حسب قوله أمام المجلس التحريري لـ«واشنطن بوست»، مؤخرًا.
ومع أن الظروف القائمة على أرض الواقع أجبرت أوباما على إلغاء جوانب من تجربته، تظل الحقيقة أن هذه التجربة شهدت سحب جميع القوات الأميركية من العراق، وإقرار خطط لتنفيذ المثل داخل أفغانستان، بجانب التخلي عن ليبيا بعد التدخل لإسقاط الديكتاتور الذي كان يحكمها، ورفض تقديم المساعدة لمن يقاتلون ضد الديكتاتور السوري بشار الأسد، الذي قال أوباما إنه يفضل الإطاحة به.
وجاء انتهاج أوباما لهذه السياسة انطلاقًا من قناعته بأن «الشرق الأوسط لا يمكن إصلاحه ـ ليس خلال فترة رئاسته، ولا على مدار جيل قادم»، حسب وصف مراسل مجلة «أتلانتيك»، جيفري غولدبرغ.
ويعني ذلك أن أوباما على قناعة بأن دول المنطقة من غير المحتمل أن تصبح ديمقراطية أو ناجحة اقتصاديًا. وعليه، فإنه يمكن استغلال الموارد الأميركية على نحو أفضل على ما وصفه أوباما بـ«بناء الأمة في الداخل».
الآن، لك أن تتخيل لو أن ترومان اتبع النهج ذاته عند نهاية الحرب العالمية الثانية، فبعد صراع مدمر كان الأميركيون قد سئموا الحرب أكثر بكثير مما كان عليه الحال وقت تولي أوباما الرئاسة. وساد اعتقاد بين الكثيرين منهم بأن الوقت حان للعودة إلى الوطن، وترك أوروبا واليابان لتتعاملا مع مشكلاتهما. وفي ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة أفقر كثيرًا مما هي عليه الآن.
ومع ذلك، أبقى ترومان على قواته داخل ألمانيا واليابان ـ وهو نشر للقوات استمر طيلة سبعة عقود، بينما لم تتعالَ أصوات الناخبين الأميركيين بالشكوى من ذلك إلا قليلاً.
وعندما انتهت الحرب الكورية عام 1953، بدا من المستبعد إمكانية تحول كوريا الجنوبية يومًا ما لشريك تجاري وحليف مهم لواشنطن، ناهيك عن تحولها لدولة ديمقراطية حقيقية. ومع ذلك، أبقى أيزنهاور والكونغرس قوات أميركية هناك، في نشر للقوات استمر ستة عقود. وفي هذه الحالة أيضًا، لم يلق الأمر معارضة داخلية تذكر.
ونحن نعلم الآن كيف انتهت هذه القصص. وانضمت أوروبا وشرق آسيا لأميركا الشمالية في ركب الحداثة المزدهر، الأمر الذي عاون بدوره واشنطن على جني مزيد من الرخاء، مع ارتفاع متوسط دخل الأسرة داخل الولايات المتحدة من قرابة 27.000 دولار عام 1945 إلى أكثر من 62.000 دولار اليوم، مع الأخذ في الاعتبار معدل التضخم.
على النقيض، نجد أن تبعات سياسة التخندق التي اتبعها أوباما كانت كارثية، حيث تلاشى الاستقرار الهش الذي كان قائمًا بالعراق لتحل محله حرب طائفية وتظهر دولة إرهابية فتاكة. أما سوريا فقد انقسمت تحت وطأة قتال خلّف حتى الآن مئات الآلاف من القتلى، وشرد الملايين، وأشعل شرارة ما وصفته الولايات المتحدة رسميًا بأنه إبادة جماعية، علاوة على أن استقرار القارة الأوروبية برمتها أصبح في خطر جراء تهديد الإرهاب وتدفق اللاجئين. أيضًا، تعصف الفوضى بليبيا الواقعة على الطرف المقابل لأوروبا من البحر المتوسط، مع بناء تنظيم داعش معقلاً جديدًا له هناك.
بالطبع، تبقى لكل من هذه الحالات ظروفها المختلفة، فألمانيا ليست كوريا وكلاهما يختلف عن العراق.
في الواقع، إن إغراء الانسحاب لم يختفِ قط من المشهد السياسي الأميركي، فقد ظل الاميركيون يشكون لعقود من أن الحلفاء لا يتحملون نصيبًا عادلاً من العبء. لقد خاضت واشنطن صراعات مريرة معهم - حول التجارة مع اليابانيين، ونشر الصواريخ مع ألمانيا، وحقوق الإنسان مع كوريا الجنوبية. ودائمًا ما كان الأميركيون يتساءلون، لماذا ننفق أموالنا بالخارج بينما يمكن أن ننفقها هنا داخل الوطن.
بيد أنه في الوقت ذاته كان هناك دومًا سياسيون تصدوا للاضطلاع بالمهمة الصعبة المتمثلة في شرح أهمية الدور القيادي لأميركا على الساحة العالمية، بدءًا من رؤساء مثل ترومان وريغان وكلينتون - وهذا تحديدًا هو التقليد الذي يتهدده الخطر اليوم.
* خدمة «واشنطن بوست»
10:45 دقيقه
TT
أميركا ودورها على الساحة العالمية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
