يوسف مكي
* كاتب سعودي
TT

في أسباب تغول «داعش»

قيل الكثير، عن ظاهرة تنظيم داعش وأسبابها. وتم ربط بروز ظواهر التطرف بأسباب اقتصادية أحيانًا، ونتيجة لمشاريع الحداثة في أحيان أخرى. ونشرت مئات الدراسات حول هذه الظاهرة، لكنها لم توضع، للأسف، في السياق التاريخي.
رصد انتشار ظاهرة الإرهاب، يشي أن تغوله ارتبط بتضعضع الاتحاد السوفياتي، وسقوطه الدراماتيكي، في مطالع التسعينات. ذلك يعني أن الإرهاب هو أحد إفرازات سقوط النظام الدولي، ثنائي القطبية، وتفرد أميركا بقيادة العالم. ووفقا للتجربة التاريخية، يسبق تأسيس أي نظام دولي جديد، اشتعال حروب كبرى، وانتشار الفوضى، وتعطل القانون والمواثيق الدولية التي ترتبط به.
إن غياب الأطر الناظمة للعلاقات الدولية، من شأنه أن يخلق حالة من الانفلات الأمني، ويشغل الصراعات المحلية، والحروب الأهلية، ويسهم في طفوح الهويات الجزئية.
تأسيس نظام دولي جديد، هو دائما، رهن بتسويات تعكس مستوى التوازنات الدولية. والحروب الصغرى التي تنشأ بعد التسويات التاريخية، تتحقق إما بفعل خلل في تلك التسويات، أو بسبب سعي أحد الأطراف الدولية، لتثبيت أو توسيع جغرافيا مصالحه الحيوية. فتظل الحروب، محكومة بإرادة صناع القرار الكبار، بما يخلق معادلة واقعية، مفادها أن الاتفاق بين القوى الكبرى، من شأنه أن يسهم في ترصين العلاقات الدولية.
بانفراط عقد الاتحاد السوفياتي، بمطالع التسعينات من القرن المنصرم، طويت صفحة النظام الدولي، الذي تأسس في أعقاب الحرب الكونية الثانية. ولأن النظام الدولي السابق، تأسس على قاعدة الثنائية القطبية، فإن سقوط ركن من ركنيه، يعني انفراطه. ولم يكن بالمقدور تسمية ما أعقبه، بالنظام الدولي، لأن مفهوم النظام مرتبط بتسويات تاريخية، وانبثاق نظم ومؤسسات تعبر عن شكل النظام الجديد.
توجت أميركا تفردها على عرش الهيمنة الأممية، بحروب إقليمية محدودة. ولم تبرز قوة متكافئة عسكريا واقتصاديا معها. وذلك نشاز في التاريخ الإنساني، لأن العلاقات بين الأمم محكومة بالتنافس والصراع، وليس بالاستلاب وقبول العالم بنفوذ قوة متفردة.
في هذه المناخات، برزت الطحالب، في شكل منظمات الإرهاب، لتملأ هذا الفراغ. ذلك لا يعني أن الإرهاب لم يكن موجودا، قبل ذلك، فذلك أمر شهده التاريخ، بكل حقبه. ولكنه كان محدودا، ويمكن قراءة أسباب كل حالة منه، بشكل منفرد. أما ما نشهده الآن فهو أقرب للحرب الكونية.
الفارق أن هذه الحرب تدار من قبل عصابات القتل. لكنها تتشابه مع لحروب الكونية، في كونها حروبًا لديها قابلية التمدد إلى بقاع جديدة من المعمورة. وأنها تستخدم الأسلحة الفتاكة. وشأنها هو شأن كل الحروب الكونية، تسبق التسويات التاريخية، بين صناع القرار الكبار.
في الحروب الكونية، تتشكل ملامح النظام الجديد الذي يعقبها. وكلما اقتربنا من لحظات النصر، اتضحت معالم هذا النظام، المنبثق من تحت رماد تلك الحروب. وتتحقق لحظة الهزيمة، عندما تتضح معالم التسويات التاريخية الجديدة.
لقد شنت أميركا حروبا كثيرة ضد الإرهاب، لكن الخط البياني للإرهاب، استمر بالصعود. ولم يكن بالمقدور لجمه. فقد كان التعويض المباشر، عن غياب التنافس الدولي، وصراع الإرادات.
فقط عندما تدخلت روسيا عسكريا في سوريا، تغيرت المعادلة الدولية في الحرب على «داعش». لقد عنى ذلك، عودة التنافس على مواقع القوة. عاود الأميركيون تدخلهم العسكري بقوة في العراق، وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بـ«داعش» في صلاح الدين، وحققوا انتصارات باهرة بالأنبار، ويتهيأون للدخول إلى نينوى. كما حقق الروس انتصارات كثيرة على الجبهة السورية، واتفق الأميركيون والروس، على تحقيق هدنة عسكرية على الأراضي السورية، صمدت حتى الآن لعدة أسابيع. رغم ما شابها من خروقات. وعقد مؤتمر «جنيف3» تحت عنوان التوصل إلى تسوية سياسية.
والخلاصة أن انبثاق نظام دولي جديد، وتحقيق تسويات تاريخية بين صناع القرار الكبار، هو الذي يملأ الفراغ، ويتكفل بهزيمة «داعش» ومن على شاكلته.