اعتاد الشارع الرياضي العربي منذ عرف كرة القدم مطلع القرن الماضي، على نظرية المؤامرة في التعامل مع نتائج المباريات وقرارات الحكام وعقوبات اتحاد اللعبة، وبات توجيه الاتهامات ضد الأشخاص والكيانات من ضروريات عمل مسؤولي الأندية والفرق الوطنية، من أجل شغل الجماهير بالتصريحات والمناكفات عن حقيقة فشل المدرب أو الإدارة في أداء المهام بطريقة احترافية تساعد الكيان على المنافسة وتحقيق الإنجازات.
ومع أن مرض الإنفلونزا الإسبانية تسبَّب في وفاة ملايين الناس خلال فترة الحرب العالمية الأولى، إلا أن مصدر هذه الحمى لم يكن هذه البلاد التي مات ملكها ألفونسو الثالث عشر بالمرض نفسه، بعدما تكتم كثير من الدول على انتشار الداء بين سكانها، واختارت إسبانيا الإعلان عن موت عاهلها بالإنفلونزا القاتلة، مما جعل العالم ينسب هذا المرض إلى أول دولة اعترفت بوجوده على أراضيها، قبل أن يصل إلى البلدان العربية لاحقاً بمسماه الجديد ويتسبب في أكبر جائحة خلال القرن العشرين.
ويبدو أن حمى المؤامرة ونظريتها التي عصفت بالرياضة العربية وجعلتها تتحول من فروسية وأخلاق إلى «لف ودوران»، انتقلت إلى إسبانيا في السنوات الأخيرة، قبل أن تبلغ ذروتها مع خسارة ريال مدريد ومدربه جوزيه مورينيو مباراة ديربي العاصمة أمام أتلتيكو قبل نحو شهر، إذ اندلعت حرب بيانات وتصريحات بين مسؤولي النادي الملكي ومسؤولي رابطة الدوري الإسباني، بسبب اعتقاد مورينيو أن هناك من يقوم بتوجيه الأمور ضد ناديه الذي يرى أنه لا يستحق الخسارة لولا وجود مؤامرة ضده.
ومع أن ريال مدريد يواجه تراجعاً لافتاً في المواسم الأخيرة أمام منافسه التقليدي برشلونة، امتد لاحقاً إلى ديربي العاصمة، فإن مسؤولي هذا النادي يرفضون الاعتراف بحقيقة ما يعانيه فريقهم محلياً وقارياً، خصوصاً أن إبرام الصفقات النوعية وجلب نجوم الصف الأول في عالم كرة القدم لم يكن كافياً لإعادة الفريق الملكي إلى سابق عهده، ومن خلال التصريحات المتواصلة يبدو أن الكيان المدريدي دخل في حالة عدم يقين، وبات يسعى إلى ترتيب أوراقه في مرحلة ارتياب يصعب معها التنبؤ بالمستقبل أو المراهنة على نجاح الخطط اللازمة لإعادة تأهيل الفريق.
عدوى الحمى العربية انتقلت غالباً إلى بلاد الإسبان بواسطة من عملوا في إدارات الأندية الخليجية، أو خاضوا تجارب تدريب واستشارات فنية في مصر وتونس والمغرب، قبل أن يعودوا للعمل في إسبانيا داخل فرق التطوير ولجان اتحاد كرة القدم، وبعدما تشبعوا بثقافة «خذوهم بالصوت» أو «ناطح الصياح بالصياح تسلم»، علماً بأن العرب كانوا يثنون على انضباطية المنظومة الأوروبية بسبب القوانين الصارمة التي تحد من التجاوزات في الوسط الرياضي، غير أن كل الضوابط اختفت فجأة من شبه الجزيرة الأيبيرية، وأصبح التجاوز على لجان التحكيم والرابطة والاتحاد المحلي أمراً لا يخشى عواقبه الطرف الخاسر في أي مباراة.
