أعادت دراسة جديدة أُجريت على حفريات تاريخية، كان قد عثر عليها في جبل المقطم في مصر، منذ نحو مائة عام مضت، تصنيف تمساح مصري إلى جنس جديد، كما كشفت عن وجود تنوع أكبر بين هذه الأنواع من الكائنات الحية في مصر والبحر الأبيض المتوسط.
وفي الدراسة الجديدة، أعاد فريق دولي، بمشاركة فريق سلام-لاب المصري، دراسة هذه الحفريات المحفوظة حالياً في متحف شتوتغارت الحكومي للتاريخ الطبيعي بألمانيا، ليتبين أن هذا الحيوان يمثل جنساً جديداً أطلق عليه العلماء اسم «هيرو جافيالس»، ليصبح الاسم العلمي لهذا النوع «هيرو جافيالس كايرينسيس»، أو «تمساح أبو الهول القاهري».
ومن المعروف أنه قبل نحو 45 مليون سنة، كانت أجزاء واسعة من مصر مغطاة ببيئات بحرية دافئة وضحلة، عاشت فيها حيتان وعرائس البحر إلى جانب تماسيح طويلة الخطم تُعرف باسم الجافياليات، وهي مجموعة من التماسيح لا تضم اليوم سوى نوعين حيَّين: التمساح الهندي (جافيالس جنجيتيكس) والغاريال الكاذب (توميستوما شليجيلي).
وقال الدكتور بول بيرك، الباحث بالمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي والمؤلف الرئيسي للدراسة: «على مدار أجزاء كبيرة من الخمسين مليون سنة الماضية، احتضنت منطقة البحر المتوسط تنوعاً كبيراً من التماسيح، بما في ذلك الجافياليات».
ووفق الدراسة الجديدة فإنه منذ نحو قرن، وتحديداً في عام 1927 عرف العلماء حفريات لهذا التمساح القديم، حيث عُثر عليها في جبل المقطم شرق القاهرة، ونُسبت إلى جنس «توميستوما»، الذي يمثله اليوم تمساح «الغاريال الكاذب»، بسبب التشابه في شكل الجمجمة والخطم الطويل.
وظل هذا التصنيف قائماً لعقود، قبل أن تشير الدراسات التطورية الأحدث إلى أن التمساح المصري أو «تمساح أبو الهول القاهري» لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجافيال الكاذب الحي، مما دفع العلماء إلى إعادة فحص حفرياته باستخدام الأدلة الحديثة.

تمساح أبو الهول القاهري
ويحمل الاسم الجديد قصة طريفة تربط هذا التمساح بأحد أشهر معالم مصر. فقد عُثر على حفرياته في تكوين المقطم الجيولوجي، وهو التكوين الصخري نفسه الذي نُحتت منه صخور تمثال أبو الهول. والأكثر إثارةً أن الجمجمة تفتقر إلى الجزء الأمامي من خطمها، في تشابه لافت مع أنف أبو الهول المفقود.
ووفق الباحثين، من هنا جاء اسم «هيرو جافيالس»؛ فـ«هيرو» مستوحاة من «حِرو» أو حورس، الإله المصري القديم الذي ارتبط بأبو الهول في الدولة الحديثة، حين عُرف التمثال باسم «حور إم أخت»، أي «حورس في الأفق». أما «جافيالس» فتشير إلى القرابة التطورية للحيوان مع جافيالس، جنس الغاريال الهندي الحديث، بينما يشير اسم النوع «كايرينسيس» إلى القاهرة.
وكان الفريق قد أعاد دراسة الحفريات باستخدام أدوات حديثة، من بينها التصوير المقطعي الدقيق، الذي سمح بفحص البنية الداخلية للجمجمة وإعادة بناء أجزاء من التشريح الداخلي رقمياً. وأظهرت المقارنات مجموعة من الصفات التي تميز هذا التمساح عن «توميستوما» وعن الجافياليات المصرية الأخرى التي عاشت في الفترة نفسها تقريباً، وهو ما دعم إنشاء الجنس الجديد «هيرو جافيالس».
ولا تتوقف الدراسة عند إعادة تسمية نوع واحد؛ فهي تكشف أيضاً عن أن الجافياليات كانت أكثر تنوعاً في البحر المتوسط مما توحي به الصورة الحديثة.
وقال الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وقائد الفريق البحثي المصري: «الحفريات المصرية المحفوظة في المتاحف ليست مجرد عينات قديمة في الأدراج، وإنما صفحات من تاريخ مصر الطبيعي تنتظر من يعيد قراءتها باستخدام أدوات وأسئلة جديدة، قد تكون بنفس أهمية اكتشاف عينة جديدة في الحقل». وفق بيان صحافي، الأربعاء.
وقال الباحث المصري بلال سالم، مسؤول حفريات الزواحف والطيور بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمدرس المساعد بكلية العلوم جامعة بنها وأحد مؤلفي الدراسة: «أحد أكثر الجوانب إثارةً في هذه الدراسة أن الحفرية نفسها ليست جديدة؛ الجديد هو السؤال الذي طُرح عليها. أحياناً لا يبدأ الاكتشاف من الصحراء، بل عندما نعود إلى عينة قديمة وننظر إليها مرة أخرى بأدوات مختلفة».




