الانطوائي والخجول: ما الفرق بينهما؟

الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
TT

الانطوائي والخجول: ما الفرق بينهما؟

الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)

قد يبدو الشخص الذي يتجنب الحديث مع الآخرين أو يفضّل الابتعاد عن التجمعات الاجتماعية خجولاً أو انطوائياً، ولذلك كثيراً ما تُستخدم صفتا «الخجل» و«الانطواء» وكأنهما تعنيان الشيء نفسه. إلا أن هذا الربط ليس دقيقاً؛ فهناك فرق جوهري بين أن يشعر الإنسان بالخوف من نظرات الآخرين وتقييمهم له، وبين أن يفضّل الهدوء والعزلة لأنه يستعيد طاقته بعيداً عن المحفزات والتفاعلات الاجتماعية.

فالخجل يرتبط، في الأساس، بالخوف من التقييم السلبي أو القلق من نظرة الآخرين، وهو ما يجعله يتقاطع في بعض سماته مع القلق الاجتماعي. أما الانطواء، فيشير إلى ميل الشخص إلى سرعة التأثر بالمثيرات الخارجية والحاجة إلى قضاء بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته بعد التفاعل الاجتماعي، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

ومن هنا، فإن الشخص الانطوائي ليس بالضرورة خجولاً، كما أن الشخص الخجول ليس بالضرورة انطوائياً. وقد يجتمع الخجل والانطواء لدى الشخص نفسه، لكنهما يعبّران عن بُعدين مختلفين من الشخصية.

الخجل مقابل الانفتاح والانطواء مقابل الانبساط

لفهم الفرق بصورة أوضح، من المفيد النظر إلى بُعدين منفصلين للشخصية: الخجل في مقابل الانفتاح، والانطواء في مقابل الانبساط.

فالخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين؛ إذ يرتبط الخجل بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي، بينما يميل الشخص المنفتح إلى التواصل مع الآخرين والمبادرة إلى التفاعل معهم من دون أن يشكل الخوف من تقييمهم عائقاً أمامه.

أما الانطواء، فهو نقيض الانبساط، ويرتبط بالطريقة التي يستجيب بها الشخص للمثيرات الخارجية وبكيفية استعادة طاقته. فالانطوائي قد يستمتع بالتواصل الاجتماعي، لكنه قد يحتاج بعده إلى بعض الوقت بمفرده ليستعيد طاقته، في حين يميل الشخص الانبساطي إلى البحث عن التحفيز والتفاعل الاجتماعي، ويستمد قدراً من طاقته من وجوده مع الآخرين.

لا يخشى الشخص المنفتح الآخرين عادةً، ويميل إلى المبادرة بالتفاعل معهم، سواء في الحفلات والتجمعات الاجتماعية، أو عند التعرف إلى أشخاص جدد، أو عند التخطيط لأنشطة مع الأصدقاء.

وقد يبدو الشخص الانبساطي مشابهاً للشخص المنفتح، إذ غالباً ما يكون اجتماعياً وقادراً على تكوين الصداقات بسهولة. إلا أن السمة الأساسية للانبساط لا تتمثل في غياب الخوف من الآخرين، وإنما في الحاجة إلى التحفيز الخارجي وقضاء الوقت مع الآخرين.

وبعبارة أخرى، قد يكون الشخص اجتماعياً ومحباً للتفاعل مع الآخرين لأنه يستمد منه الطاقة، وهذه سمة ترتبط بالانبساط. وفي المقابل، قد يكون شخص آخر مرتاحاً في التعامل مع الآخرين ولا يشعر بالخوف منهم، لكنه يفضّل قضاء بعض الوقت بمفرده بعد التفاعل الاجتماعي ليستعيد طاقته، وهو ما قد يتوافق مع الانطواء.

وتشير دراسات التصوير العصبي للدماغ إلى وجود أنماط مختلفة من نشاط بعض مناطق الدماغ لدى الأشخاص الانبساطيين مقارنةً بالأشخاص الانطوائيين، بما يتوافق مع الاختلاف في استجابتهم للمثيرات والتحفيز الخارجي.

أربعة أبعاد محتملة للشخصية

يمكن تبسيط الفروق بين هذه المفاهيم من خلال النظر إلى كل سمة على حدة:

الشخص الخجول: هو الذي يشعر بالخوف من التقييم السلبي من الآخرين، ولذلك قد يميل إلى تجنب بعض المواقف أو التفاعلات الاجتماعية.

الشخص المنفتح في تعامله مع الآخرين: هو الذي يميل إلى التواصل والمبادرة بالتفاعل معهم من دون خوف من تقييمهم له.

الشخص الانطوائي: هو الذي يتأثر بسرعة بالمثيرات الخارجية أو يُستثار بسهولة، ولذلك يحتاج إلى قضاء بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته بعد التفاعل الاجتماعي.

الشخص الانبساطي: هو الذي يميل إلى البحث عن المثيرات الخارجية، ويستمد جزءاً من طاقته من قضاء الوقت مع الآخرين، في حين قد يشعر باستنزاف الطاقة عند البقاء وحيداً لفترة طويلة.

وعند الجمع بين هذين البعدين، أي بُعد الخجل والانفتاح من جهة، وبُعد الانطواء والانبساط من جهة أخرى، يمكن تصور أربع مجموعات عامة، مع التأكيد على أن الشخصيات الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تُحصر في تصنيفات جامدة:

1. الانبساطي المنفتح

لا يخشى التفاعل مع الآخرين، ويميل في الوقت نفسه إلى البحث عن التحفيز وقضاء الوقت في البيئات الاجتماعية.

2. الانبساطي الخجول

قد تكون لديه حاجة إلى التحفيز والتفاعل الاجتماعي، لكنه يشعر في الوقت نفسه بالخوف من تقييم الآخرين له أو الحكم عليه.

3. الانطوائي المنفتح

لا يخشى التعامل مع الآخرين، لكنه يتأثر بسرعة بالمثيرات الاجتماعية، وقد يحتاج إلى بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته.

4. الانطوائي الخجول

يجمع بين الميل إلى التأثر بالمثيرات الخارجية والحاجة إلى العزلة لاستعادة الطاقة، وبين الخوف من التقييم السلبي أو الحكم عليه من جانب الآخرين.

الخجل والانطواء ليسا مترادفين

غالباً ما يُنظر إلى الخجل والانطواء على أنهما صفتان متشابهتان أو مترادفتان، لكن من المهم التمييز بينهما. فالخجل يتعلق بصورة أساسية بالخوف من نظرة الآخرين وتقييمهم، بينما يتعلق الانطواء بالطريقة التي يستجيب بها الشخص للمثيرات الاجتماعية والخارجية وبحاجته إلى العزلة لاستعادة طاقته.

ويميل الأشخاص الخجولون إلى القلق بشأن احتمال تعرضهم لتقييم سلبي من الآخرين، ولذلك قد يتجنبون بعض المواقف الاجتماعية. ويضع هذا الخجل في نطاق يتقاطع مع القلق الاجتماعي، وإن كان من الممكن أن يكون الشخص خجولاً من دون أن يعاني اضطراب القلق الاجتماعي.

أما الشخص الانطوائي، فلا يعني بالضرورة أنه يخشى الآخرين أو يشعر بعدم الارتياح في وجودهم. فقد يكون واثقاً من نفسه، وقادراً على تكوين العلاقات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، لكنه يشعر باستنزاف طاقته بعد التفاعل مع الآخرين ويحتاج إلى بعض الوقت بمفرده حتى يستعيد نشاطه.


مقالات ذات صلة

خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

يوميات الشرق سيلفستر ستالون (رويترز)

خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

خلف العضلات المفتولة، والصورة التي صنعت منه أحد أشهر أبطال أفلام الحركة، كان سيلفستر ستالون يخوض معركة مختلفة بعيداً عن الكاميرات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تشجيع الشخص على طلب المساعدة المهنية يُعدّ مهماً بشكل خاص عندما تبدأ نوبات الهلع في التأثير بصورة واضحة في حياته اليومية (بيكسلز)

ماذا تفعل إذا أصيب شخص أمامك بنوبة هلع؟

قد يكون من الصعب معرفة الطريقة المناسبة للتصرف عندما ترى صديقاً أو شخصاً عزيزاً عليك يمر بنوبة هلع، خصوصاً إذا بدت عليه علامات الخوف الشديد أو فقدان السيطرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  الأرق وغيره من اضطرابات النوم التي تزداد شيوعاً مع التقدم في العمر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاكتئاب (بيكسلز)

الاكتئاب بعد الأربعين... أسباب خفية قد لا تخطر على البال

مع التقدم في العمر، لا تتغير أجسادنا فحسب، بل تتبدل أيضاً ظروف الحياة ومسؤولياتها وعاداتنا اليومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات ارتبطت بانخفاض التحصيل الدراسي العام وصعوبات في تكوين صداقات (رويترز)

دراسة: قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يضر الأطفال أكثر من الفقر

كشفت دراسة جديدة عن أن قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات قد يلحق أضراراً بهم تفوق تلك الناجمة عن الولادة في ظل ظروف الفقر.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق عادات شائعة قد تبدو «بريئة» في تعامل الأجداد مع أحفادهم لكنها قد تكون مؤذية (بكسلز)

تبدو بريئة وبدافع الحب... 5 عادات شائعة يفعلها الأجداد تضر بالأحفاد

يحتل الأجداد مكانة خاصة في حياة الأطفال، لكن بعض التصرفات التي تبدو عفوية قد تترك أثراً غير مقصود في نفسية الطفل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
TT

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، إلزام جميع وسائل الإعلام الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 بمنع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين، وذلك بعد التحقيق في الشكاوى المتبادلة المقدمة منهما، حسب توصيات لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وأكد بيان الأعلى للإعلام أن الإدارة العامة للرصد بالمجلس رصدت التراشق الذي حدث بينهما عبر حساباتهما بـ«السوشيال ميديا»، وذلك بما لا يتوافق مع القيم والضوابط المجتمعية، والأصول المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.

وشدد المجلس في بيانه على أن المسؤولية المهنية لا تقتصر على ما يقدمه الإعلامي عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، وإنما تمتد إلى ما ينشره، أو يتداوله عبر حساباته بـ«السوشيال ميديا»، باعتبارها جزءاً من المجال العام الذي يتطلب الالتزام بالقواعد المهنية، واحترام طبيعة العمل، وما تفرضه من ضوابط في الخطاب، والسلوك، بما يحافظ على مكانة المهنة، واحترام الجمهور.

وبدوره أوضح الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن «حرية التعبير مكفولة للجميع طالما أنها في حدود الإطار المهني، والأخلاقي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في حال عدم الالتزام فمن حق الجهة المشرفة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي عبث من الظهور على المنصات».

منع ياسمين الخطيب من الظهور بالإعلام شهرين (فيسبوك)

وأكد خليل أن «قواعد المهنة لها ضوابط وأكواد لمخاطبة الجمهور، سواء على الحسابات الشخصية، أو المنصات الإعلامية»، موضحاً أن الإعلامي ليس من المفترض أن يستخدم منصاته لتصفية خصومات مع الغير، وتحويل الشاشة لصالحه، وأن الاشتباك مع قضايا المواطنين، ومعالجتها طبقاً للقواعد المهنية المتعارف عليها أهم أولويات العمل الإعلامي.

وحسب بيان نقابة الإعلاميين قبل أسبوعين، فقد تلقت النقابة شكويين مقدمتين من الإعلامية ريهام سعيد، ضد كل من الإعلامي محمد الدسوقي رشدي، والإعلامية ياسمين الخطيب، موضحة في شكواها أنها تعرضت للسب، والتشهير، والخوض في حياتها الشخصية، إلى جانب انتقاص من مهنيتها الإعلامية، وذلك من خلال المنبر الإعلامي الذي يقدمه المشكو في حقهما، بينما أكدت النقابة في بيان آخر أنها حسمت الشكويين المقدمتين عقب الاستماع إلى وجهة نظرهما في التناول.

وتعليقاً على قرار «الأعلى للإعلام»، كتبت المذيعة ريهام سعيد عبر حسابها على موقع «فيسبوك» الخميس، وتساءلت: «ما هذا الظلم... هل أخطأت في عملي؟»، موضحة أنها تعرضت للإيقاف مرات عدة من قبل، وأن برنامجها يلتزم بالأكواد الإعلامية.

ونوهت ريهام سعيد في منشورها إلى أن عملها الإعلامي هو مصدر دخلها المادي الذي تعول عليه في الإنفاق على أولادها.

من جانبها أكدت الدكتورة سارة فوزي أستاذة الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بإعلام القاهرة لـ«الشرق الأوسط» أن «ما حدث بينهما لا يليق بصورة الإعلام المصري»، ووصفته بأنه «انحدار بالمستوى الإعلامي، خصوصاً أن حسابات الشخصيات العامة لا بد أن تكون موثقة، وتعبر عن أخلاقيتهم، مع الحرص على عدم تحويلها لساحة حرب وتصيد للآخر، لأنها للعامة، وليست حسابات شخصية مغلقة».

وأضافت أن «ما حدث كان من الأولى حله وإنهاؤه بشكل خاص وودي بعيداً عن التراشق عبر (السوشيال ميديا)، فما تم رصده حسب بيان الأعلى للإعلام يتنافى مع الكود الإعلامي، والأخلاقي».


هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
TT

هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)

أعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية الاستعانة بـ«معلمي الحصة» ضمن آليات مواجهة العجز في أعداد المعلمين بالمدارس، وبدأت أخيراً تقنين أوضاعهم عبر إبرام عقود موسمية في مختلف المديريات التعليمية، في وقت تؤكد فيه الوزارة أن الاستعانة بهم تسهم في سد فجوة كبيرة في أعداد المدرسين.

ويرى خبراء تربويون أن النظام يمكن أن يمثل حلاً مؤقتاً، لكنه لا يغني عن التعيينات الدائمة. وبحسب تفاصيل العقود التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم، الأحد، تبلغ قيمة الحصة الواحدة 50 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 51.9 جنيهاً)، بحد أقصى 96 حصة شهرياً، ليصل إجمالي المكافأة إلى 4800 جنيه شهرياً، شاملة الاستقطاعات القانونية، ويمتد التعاقد من أول سبتمبر (أيلول) حتى نهاية يونيو (حزيران)، خلال فترة العام الدراسي. ووفق الوزارة، تستهدف الخطوة «توفيق الأوضاع المالية لمعلمي الحصة والعمل على انتظام صرف مستحقاتهم، إلى جانب تنظيم العلاقة التعاقدية خلال العام الدراسي».

وتقول عزة نصر، الموجهة التعليمية بوزارة التربية والتعليم سابقاً، إن «الاستعانة بمعلمي الحصة قد تسهم في التعامل مع الاحتياجات العاجلة داخل المدارس، خصوصاً في التخصصات التي تعاني نقصاً في أعداد المدرسين، وإن كانت تظل نتيجة مترتبة على مشكلة نقص المعلمين التي تمتد لسنوات».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم أوضاع معلمي الحصة بعقود موسمية يمكن أن يمنح المدارس مرونة أكبر في سد النقص، ويساعد على ضمان وجود معلم أمام الفصل»، لكنها شددت على أن هذه الآلية «تظل حلاً مؤقتاً لا يمكن التعويل عليه بصورة دائمة لمعالجة عجز متراكم منذ سنوات».

وترى نصر أن معالجة المشكلة على المدى الطويل تتطلب استمرار تعيين معلمين جدد وفق الاحتياجات الفعلية للتخصصات والمناطق التعليمية، إلى جانب حسن توزيع المعلمين الموجودين بالفعل، لافتة إلى أن «استقرار المعلم مهنياً ينعكس بدوره على استقرار العملية التعليمية».

وكان وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قال خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين في سبتمبر الحالي، إن العجز في أعداد المعلمين بلغ في وقت سابق نحو 469 ألف معلم، مشيراً إلى صعوبة تعيين هذا العدد دفعة واحدة.

وزير التربية والتعليم المصري خلال أحد الاجتماعات (وزارة التربية والتعليم)

وأعلن الوزير خلال مؤتمر صحافي في أغسطس (آب) الماضي، أن الوزارة استعانت خلال العام الدراسي الماضي بنحو 160 ألف معلم بنظام الحصة، لافتاً إلى أن أعدادهم تتغير وفق احتياجات المدارس، مع استمرار التعيينات الجديدة لتقليل الاعتماد عليهم. وتكشف الأرقام حجم الاعتماد على هذا المسار بالتوازي مع خطط التعيين الدائم؛ إذ وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في يناير (كانون الثاني) 2022، بتعيين 30 ألف معلم سنوياً لمدة 5 سنوات، بإجمالي 150 ألف معلم، لتلبية احتياجات قطاع التعليم، قبل أن تنطلق أولى مسابقات التعيين في العام نفسه.

ويربط خبير التعليم وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، الدكتور حسن شحاتة، بين استمرار الحاجة إلى معلمين جدد وعدة عوامل، من بينها «خروج عشرات الآلاف من المعلمين إلى التقاعد، والتوسع في بناء المدارس لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، والعمل على خفض كثافات الفصول»، وهي عوامل يقول إنها «تتطلب زيادة مطردة في أعداد المعلمين كل عام دراسي».

وقال شحاتة لـ«الشرق الأوسط» إن «إعداد المعلم وتدريبه هو أساس نجاح العملية التعليمية»، معتبراً أن مواجهة العجز لا ينبغي أن تعتمد على مسار واحد، سواء عبر معلمي الحصة أو مسابقات التعيين، وإنما تستلزم «تنويع الحلول في سد العجز في المعلمين»، الذي وصفه بأنه «قضية ترتبط بالأمن القومي».

وتتزامن العقود الجديدة مع مطالب مستمرة بتحسين أوضاع معلمي الحصة وضمان انتظام حصولهم على مستحقاتهم. ويقترح شحاتة، إلى جانب الاستعانة بمعلمي الحصة، «التوسع في الاستفادة من خريجي كليات التربية، ومدّ سن التقاعد للمعلمين، وإعادة الاستفادة من بعض العاملين في الوظائف الإشرافية في التدريس، فضلاً عن الاستعانة بخريجي الجامعات المكلفين بالخدمة العامة بعد تأهيلهم للعمل داخل المدارس».

كما دعا إلى «إنشاء صندوق لتمويل تعيين خريجي كليات التربية بمساهمات من المجتمع المدني ورجال الأعمال والأوقاف الخيرية»، مشيراً إلى أن «الدولة أنفقت على إعداد هؤلاء الخريجين وتدريبهم لسنوات، والاستفادة منهم يمكن أن تشكل أحد المسارات لسد العجز».


«ملتقى جبل الطير» يعزز حضور المنيا على خريطة السياحة المصرية

أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
TT

«ملتقى جبل الطير» يعزز حضور المنيا على خريطة السياحة المصرية

أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)

قام أكثر من 40 فناناً من 25 دولة برحلة شيقة داخل مساحات واسعة من محافظة المنيا (جنوب مصر) ضمن ملتقى جبل الطير للفنون، حيث رصدوا أبعاداً حضارية وتاريخية وطبيعية متنوعة للمكان الذي يضم ديراً أثرياً يعد من المحطات المميزة في مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر.

هذه الرحلة التي خاضها فنانون أقاموا في المكان لعدة أيام في أبريل (نيسان) الماضي، يعرض إنتاجها في معرض فني بغاليري «بيكاسو إيست» في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، ويضم أعمال فنانين عرباً وأجانب، بالإضافة للفنانين المصريين الذين شاركوا في الملتقى.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

ويعد هذا الملتقى وفق الفنان إبراهيم غزالة، قومسير المعرض، خطوة لتعزيز السياحة في محافظة المنيا برصد أحد المواقع التاريخية المهمة التي شهدت زيارة ومرور وإقامة العائلة المقدسة بها، وهي منطقة «جبل الطير»، و«دير جبل الطير» الشهير. وهو ما استلهمه الفنانون في أعمالهم ليقدموا لوحات متنوعة الأساليب لكنها تحمل هذا الطابع التراثي والروحاني للمكان الموجود بمدينة سملوط بمحافظة المنيا.

ويضيف غزالة لـ«الشرق الأوسط» أن الفترة التي قضاها الفنانون في المكان جعلتهم يتفاعلون مع العديد من المشاهد مثل التي رأوها من مناظر طبيعية ومناطق أثرية ومزارات لها طابع روحاني، ومن هنا عبّر كل فنان بأسلوبه الخاص عن المكان وقيمته التاريخية والروحية.

الطبيعة ورمزية المرأة ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

إلى ذلك، أكد الفنان محمد بغدادي أحد المشاركين، أن الملتقى يكتسب أهميته من أكثر من جانب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الأول يتمثل في خروج قاعات العرض عن المألوف وقرار (غاليري مثل بيكاسو إيست)، يجعل الفنانين وهم أكثر من 40 فناناً من 25 دولة يعايشون الطبيعة والمواقع الأثرية ويرصدون أثرها في وجدانهم»، وأكد أن الفنانين زاروا أماكن عدة مثل الدير الأثري الذي أقيم في القرن السادس الميلادي و«مقابر بني حسن وتونة الجبل وتل العمارنة مدينة أخناتون ونفرتيتي» وتأثروا بالطبيعة الثرية في محافظة المنيا، وقدم كل فنان أعمالاً غير متوقعة وغير مألوفة بالنسبة لأسلوبه وطريقته.

وأشار إلى أهمية مثل هذه الملتقيات في دعم السياحة بمصر، وأن هناك خطة لإقامة ملتقيات أخرى في الإسكندرية وغيرها من المدن لتناول ما تتضمنه من أبعاد تاريخية وروحية ومعاصرة بطريقة فنية حديثة.

المساحات الخضراء تحيط بالدير الأثري (الشرق الأوسط)

وتتحدث الفنانة مي حشمت عن تجربتها في الملتقى قائلة إنها اكتشفت أن هناك أماكن في مصر لا يتم تسليط الضوء عليها بما يكفي. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المنيا محافظة جميلة جداً تجمع بين جمال الطبيعة الخلابة والتاريخ المصري القديم (الفرعوني) والقبطي، فوجدت بها الأصالة والتراث والفن المتوارث عبر الأجيال، وهو ما تأثرت به في اللوحات التي نفذتها».

وتتابع: «كما تأثرت بروح المكان، حيث وصلنا في فترة أعياد كانت لها طقوس خاصة جداً، مثل لعب الأطفال بالزعف في كل مكان، وسمعت قصصاً وحكايات عن العائلة المقدسة، وكيف كانت مصر ملاذاً آمناً لها، وعاشت فيها في سلام وأمان».

وأكدت مي أنها تأثرت باللون والزخارف في الكنيسة الأثرية ومقابر بني حسن والتضاد ما بين لونهم واللون الأخضر بكل درجاته في الطبيعة، والنيل وصفاء لون السماء، الذي يتغير في كل أوقات اليوم.

بعض الأعمال استدعت أيقونات قبطية (الشرق الأوسط)

ويعد تجمع الفنانين من مختلف الجنسيات وتبادل الخبرات والثقافات والأحاديث في الفن والحياة وسيلة لتبادل الخبرات وإعادة النظر في الأساليب والتقنيات الفنية والخامات.

ويتضمن المعرض العديد من لوحات لفن البورتريه، الذي يركز على الوجوه ذات الطابع المصري القديم، بألوان متباينة وإن كانت تقترب من الألوان الأساسية لتعطي انطباعاً بالألفة والبعد التراثي الأصيل الذي يزخر به المكان وينعكس على الوجوه، كما تضم اللوحات مناظر طبيعية للمساحات الخضراء الممتدة حول الدير الأثري، بالإضافة إلى لوحات تحمل طابعاً روحياً أقرب للأيقونات الشهيرة في الفن القبطي.

ويعد الملتقى والمعرض المنبثق عنه خطوة فنية للترويج السياحي وتعزيز حضور محافظة المنيا على الخريطة السياحية، وفق ما يؤكده قومسير المعرض، لافتاً إلى أن المحافظة تزخر بالعديد من المناطق التي تحمل أبعاداً روحية وتاريخية ساهمت في إثارة خيال الفنانين.