حين يزور الزعيم الصيني شي جينبينغ واشنطن غداً، سيأتي الذكاء الاصطناعي تقريباً في صدارة جدول الأعمال. وقد اكتسب الحوار الذي بدأته الولايات المتحدة والصين في وقت سابق من هذا العام إلحاحاً شديداً، في ظل تصاعد المخاوف من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، ما أثار دعوات لإبطاء وتيرة الابتكار على هذا الصعيد.
ومع احتدام النقاش داخل الولايات المتحدة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، ينبغي الانتباه للآتي أن وقف المختبرات الأميركية جهودها بمجال الابتكار لن يكون ذا معنى إلا إذا اقترن بكبح الجانب الصيني جماحه على الصعيد ذاته. واليوم، تقف الولايات المتحدة في مواجهة خيار صعب بين السعي إلى تحقيق هذا الضبط عبر الدبلوماسية، أو من خلال ضغوط قسرية.
بشكل عام، يقوم القلق الأميركي المتنامي حيال الذكاء الاصطناعي على ثلاثة أبعاد رئيسية: أولها المخاوف المتصاعدة من حدوث اضطراب اقتصادي، مثل فقدان وظائف «أصحاب الياقات البيضاء»، أو تفاقم التفاوتات وعدم المساواة. ثانياً: القلق من وقوع اضطرابات مجتمعية، مثل التأثيرات الناجمة عن مراكز البيانات على المجتمعات المحلية. ثالثاً: تتصاعد المخاوف، اليوم، من حدوث اضطرابات وجودية، مع احتمالات تمرد وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتحذير كبار الباحثين من أن الابتكار غير المنضبط قد يهدد البشرية.
ومع أن بعض هذه المخاوف قد لا تخلو من مبالغة - إذ وجد تحليل حديث أجرته مجلة «إيكونوميست» أن تأثير الذكاء الاصطناعي على جهود التوظيف إيجابي في معظمه.
بوجه عام، يعد الامتثال الصيني لأي إبطاء في مجال الذكاء الاصطناعي أمراً ضرورياً لأسباب أمنية واستراتيجية؛ فالذكاء الاصطناعي الصيني المتمرد قد يؤثر على البشرية بشكل كارثي، تماماً مثل الذكاء الاصطناعي الأميركي المتمرد. وثمة اعتقاد عام بأن المختبرات الأميركية تتفوق في سجلات السلامة مقارنة بنظيرتها الصينية، نظراً لخضوعها بشكل أكبر للشفافية.
من جهته، قال الرئيس دونالد ترمب: «الذي يفوز بالذكاء الاصطناعي سيفوز بكل شيء». وبالفعل، راهنت الإدارتان الرئاسيتان الأخيرتان على أن الذكاء الاصطناعي المتفوق سيعطي الولايات المتحدة ميزة اقتصادية وعسكرية حاسمة. وتشير بعض التقديرات إلى أن النماذج الصينية الرائدة تتخلف بنحو بضعة أشهر فقط عن النماذج الأميركية المتقدمة. وعليه، فإن أي تباطؤ أميركي أحادي الجانب من شأنه أن يهدد المصدر الرئيسي للتفوق الأميركي في سباق الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، يختلف بعض المحللين مع هذا الطرح؛ إذ يرون أن التباطؤ الأميركي أحادي الجانب يُعد كافياً، لأن الصين ستفتقر حينها إلى نماذج أميركية جديدة لتتولى هندستها عكسياً.
صحيح أنَّ الصين تمكنت من أن تكون متابعاً سريعاً، عبر سبل منها حملات واسعة النطاق لاستخلاص المعرفة التكنولوجية. ومع ذلك، يظل من الصعب الادعاء بأن التقدم الصيني مجرد نتيجة لمثل هذه الحملات. ونظراً للوتيرة السريعة للتقدم التكنولوجي، فإنه حتى لو لم يتمكن الصينيون من استخلاص المعرفة التكنولوجية القائمة خلف نماذج أميركية جديدة، فإن بمقدورهم، رغم ذلك، تحقيق اختراقات قد تحمل عواقب جيوسياسية خطيرة.
الخيار الأول التفاوض على إبطاء مشترك للجهود بمجال الذكاء الاصطناعي، ربما باستخدام حوار الذكاء الاصطناعي الناشئ، الذي سيقوده وزير الخزانة سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني لي فنغ.
من جهتهم، يرى مسؤولون صينيون في الدعوات الأميركية لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، محاولة لإيقاف السباق بينما واشنطن متقدمة فيه. ووصفت وسائل إعلام حكومية الأمر بأنه استراتيجية «احتواء»، مستمدة من «كتيب الحرب الباردة». كما أن الإبطاء المتبادل لجهود الذكاء الاصطناعي قد يكون من الصعب التحقق منه - وسيبقى خطر تراجع بكين عن الوفاء بالتزاماتها كبيراً، بالنظر إلى سجلها في انتهاك الاتفاقيات الدولية.
أما الخيار الثاني فأشد قسوة وحسم؛ إذ يتضمن هجوماً منسقاً لفرض ضوابط على الصادرات.
أما الهدف، فحرمان بكين من القوة الحوسبية اللازمة لتدريب ونشر النماذج المتقدمة - أي فرض إبطاء صيني أحادي الجانب يتيح لواشنطن الحفاظ على تقدمها.
من ناحيتها، لن تقبل الصين ببساطة هذه الضغوط القسرية التكنولوجية من قبل واشنطن. والاحتمال الأكبر أن ترد بفرض ضوابط على صادرات المعادن الأرضية النادرة وغيرها من الإجراءات الانتقامية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
