مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

أوطان أم مِللٌ ونِحل؟!

استمع إلى المقالة

المفارقة أنّه مع انسياح البشر بعضهم على بعض على أواني «السوشيال ميديا»، وما يفترضه ذلك من ذوبان الفوارق، وتعارف الناس على بعضهم، وزوال الأوهام والقولبات النمطية عن بعض، فإنّ الحاصل عكس ذلك تماماً؛ زادت النزعات الطائفية، واستفحلت النزغات الإثنية، وتعاظمت عناصر التفريق على جوامع الاتفاق، بسببٍ من «السوشيال ميديا» نفسها، ليصبح الأليق بهذه الوسيلة اسم «التفاصل الاجتماعي»، وليس «التواصل الاجتماعي»!

يعني - على سوء بعض الماضي - لم يكن اليمنيون يوماً في حالة احتقانٍ واستحضارٍ لأسباب الفرقة أكثر منهم اليوم، لدرجة استدعاء شخصيات من الزمن السحيق قبل الإسلام بقرون كثيرة، من طرف القوميين اليمنيين، وتحضير شخصيات دينية وخيالات أئمة من بطون القرون الإسلامية الغابرة.

في العراق، في سوريا، في لبنان، في السودان، في ليبيا... الهيمنة هي لقادة الخصوصيات المتوتّرة، والتحنّث في محرابها.

في «تهارش» نشطاء «السوشيال ميديا» العرب، تجد هجائيات النبذ والنبز بالألقاب والنهش في أصولٍ معنوية أدبية للشعوب العربية كلها، من الغناء للأزياء للطعام للعِمارة... لكل شيء؛ الكل ينهش في الكل.

صدق الأستاذ حازم صاغية حين سأل - هنا: هل نحن أوطان؟ واندهش متأمّلاً ومتألماً: «السنوات القليلة الماضية فُتح الباب واسعاً لإعادات نظر في المشرق العربيّ كلّه، لا في لبنان وحده. ولئن كان من الصعب التكهّن راهناً بمآل إعادات النظر تلك، فالمؤكّد أنّها لن تدور حول الثنائيّات القديمة كالوطنيّة واللاوطنيّة، أو المقاومة والاستسلام، وغير ذلك. فالموضوع الصاعد هو انفجار الانشقاقات في بيئات أقنعها ارتفاع أكلاف المطالب الإسرائيليّة بعد (طوفان الأقصى) بأنّها مِلل ونِحل أكثر منها شعوباً وأوطاناً».

هل من الإنصاف والاعتدال القول إنَّ ذلك من صناعة «السوشيال ميديا»، أو أن «السوشيال ميديا» رفعت مسرحاً ونصبت سيركاً لكل من يريد إظهار سوء ظنونه ويقينياته الفارغة عن الآخر؟

نحن اليوم نصارع أمواج الفتنة العاتية، ونعيد تاريخ «الفتنة الكبرى» بصفة أخطر وصورة أكبر؛ لذلك تكون الحاجة حيوية والطلب وجودياً، لتثبيت الروح الوطنية والرواية الجامعة، وبناء إجماع اجتماعي يكون هو حجر الأساس في تماسك الذات الجماعية أمام الأخطار.

هذه المنطقة المشتركة الحيوية لا تعني - أو يُفترض بها ذلك - الجور على الهوامش الأخرى، وإعدام الخلافات الطبيعية؛ لأنَّ هذا يعني أن تتسرّب هذه الاختلافات إلى المسارب المُظلمة، وفي الظُّلمة تتضخّم الأشياء بتشوّه!

وبعد هذا كلّه، يجب ويجب - أُكرّرها مرّتين - الكفّ عن هذا «التدروش» الجماعي في خلوات «السوشيال ميديا»؛ فإن عاقبة ذلك الفناء الحضاري. وأول من يجب عليه الكفّ قادة الإعلام وتدبير وإدارة الرأي العام... والله غالبٌ على أمره.