صنعاء: مخاوف واسعة من عودة الحرب

الجماعة شددت قبضتها الأمنية لقمع السكان

تجمع للحوثيين حيث تواصل الجماعة حشد أنصارها لدعم إجراءاتها التصعيدية (أ.ب)
تجمع للحوثيين حيث تواصل الجماعة حشد أنصارها لدعم إجراءاتها التصعيدية (أ.ب)
TT

صنعاء: مخاوف واسعة من عودة الحرب

تجمع للحوثيين حيث تواصل الجماعة حشد أنصارها لدعم إجراءاتها التصعيدية (أ.ب)
تجمع للحوثيين حيث تواصل الجماعة حشد أنصارها لدعم إجراءاتها التصعيدية (أ.ب)

تحت المزيد من تشديد القيود والرقابة الأمنية الصارمة، لم يستطع سكان العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية التعبير عن حالة الغضب التي عاشوها عقب الهجمات بالصواريخ الباليستية والطيران المسيَّر على المواقع العسكرية ومخيمات إيواء مئات الآلاف من النازحين المدنيين في محافظتي مأرب وحضرموت شرق البلاد.

وفي ظل المخاوف من العودة إلى مربع الحرب الشاملة، عقب التصعيد الحوثي الأخير داخلياً باستهداف الجيش والمدنيين، وخارجياً بالاعتداء على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، تشهد مناطق سيطرة الجماعة انقساماً حاداً بين أغلبية صامتة مرعوبة من الكلفة الإنسانية والاقتصادية للتصعيد، وتيار محدود موالٍ يحتفي بالعمليات العسكرية العدائية، وسط روايات حوثية تنكر استهداف الأعيان المدنية.

وأفاد سكان في صنعاء بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت أطراف العاصمة على مدار الأيام والليالي الماضية، ومشاهدة وميض نيران هائلة في الأجواء، ناتجة عن إطلاق صواريخ باليستية من معسكرات ومواقع تقع بالقرب من الأحياء السكنية المكتظة، مما أثار حالة من الذعر.

يقول محمد، وهو موظف عمومي سابق، ويعمل حالياً في مهن مختلفة بالأجر اليومي إن كل دوي انفجار أو عملية إطلاق صاروخ من مكان قريب، يدفعه إلى جمع عائلته المكونة من ستة أفراد قرب باب المنزل القريب من أحد المعسكرات، استعداداً للهرب.

عنصر حوثي في صنعاء يقف أمام لوحة دعائية لإطلاق صواريخ (إ.ب.أ)

وتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن محاولاته المستمرة منذ بدء القصف الأميركي قبل قرابة عامين ونصف، البحث عن منزل آخر بعيداً عن المعسكرات ومواقع ومقار الجماعة، إلا أنه فشل في العثور على مسكن بإيجار يستطيع تحمله في ظل انقطاع راتبه وعدم مقدرته الحصول على مصدر دخل ثابت منذ سنوات.

وتمتزج مشاعر سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بين الرغبة في نهاية الحرب وسقوط الهيمنة الحوثية ما يسرع بعودتهم إلى حياتهم الطبيعية، وبين مخاوفهم من أن ذلك لن يتحقق إلا باحتدام المواجهات والتصعيد العسكري الذي سيتسبب لهم بالمزيد من المعاناة المعيشية، خصوصاً في ظل ممارسات الجماعة التي يقولون إنها تتخذ منهم دروعاً بشرية.

بوادر حرب شاملة

أحدثت الأنباء الواردة من مأرب وحضرموت صدمة مكتومة بين الأوساط المستقلة والحقوقية بشأن الكلفة الإنسانية للهجمات الحوثية، والتي طالت إلى جانب المعسكرات أحياءً سكنية ومخيمات للنازحين في محافظة مأرب، مما أسفر في حصيلة أولية أكدتها وزارة الصحة في الحكومة اليمنية عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة، بينهم نساء وأطفال.

آثار سقوط صاروخ حوثي استهدف مأوى أسرة نازحة في مأرب (أ.ف.ب)

وبرغم القيود المفروضة على حرية التعبير، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تعليقات حذرة لمواطنين عبروا عن استنكارهم لملاحقة عائلات فرّت أساساً من مناطق سيطرة الجماعة خوفاً من ممارساتها، لتعيش داخل الخيام في أوضاع معيشية معقدة.

وعدّ سكان في مناطق سيطرة الجماعة قصف الخيام تجاوزاً خطيراً للقيم الإنسانية وقواعد الاشتباك والأعراف القبلية واليمنية الأصيلة التي تُحرّم المساس بالمدنيين والضعفاء في ملاجئهم.

كما أبدى الكثير من الناشطين في مناطق سيطرة الحوثيين غضبهم لمقتل وإصابة أكثر من خمسين من المنتمين للجيش اليمني في معسكراتهم بهجمات صاروخية وبطائرات مسيَّرة، ورأوا في تلك العمليات تعبيراً واضحاً عن نهج الجماعة التي تعتاش على الحروب، حسب وصف العديد منهم.

ويرى مدرس في جامعة صنعاء أن على الحكومة الشرعية عدم الاكتفاء بالرد المحدود على التصعيد الحوثي، إذ تهدف الجماعة إلى استنزاف الجيش مادياً ومعنوياً بمثل هذه العمليات التي تنفذها بين الحين والآخر.

طفل نازح في مأرب أمام الدمار الذي خلفه الهجوم الحوثي على المخيم الذي يسكن فيه (أ.ف.ب)

ونوه الأكاديمي بأن الجماعة تستطيع استغلال نتائج هجماتها إعلامياً ودعائياً، برغم أن خسائرها من المقاتلين أكبر، وهو ما يظهر في إعلانات تشييعهم عبر وسائل الإعلام، ومن خلال تعليق صورهم على الجدران والسيارات.

وتسببت الضربات الحوثية المتزامنة على الجيش اليمني في مقتل وجرح العشرات من العسكريين الذين تم نقلهم إلى مستشفيات مأرب وسيئون، وهي الحصيلة الأضخم التي تسجلها جبهات القتال في اليمن منذ إعلان التهدئة النسبية المنبثقة عن هدنة عام 2022. ورافق الهجوم الجوي اشتباكات برية وتبادل للقصف المدفعي في جبهات «حريب»، «صرواح»، و«الكسارة» بمحافظة مأرب.

فرض الصمت

وفي حين يتبنى الإعلام الحوثي والناشطون الموالون للجماعة رواية مغايرة ترفض الاعتراف بالخسائر المدنية، استغلت الجماعة نتائج عملياتها الأخيرة للترويج لما تصفه بـ«معادلات الردع الجديدة» في سياق المواجهات الإقليمية.

وينفي ناشطو الجماعة استهداف المدنيين، مدعين أن الضربات وجهت بدقة نحو «تحشيدات عسكرية معادية مدعومة من الخارج» كما ورد في البيانات التي تبثها وسائل إعلامها والتي تتعمد وصف مخيمات النازحين والمناطق السكنية في مأرب، المستهدفة بالهجمات، بأنها «ثكنات وغطاء عسكري للطرف الآخر».

وشدّدت الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة في صنعاء رقابتها الصارمة على النقاشات العامة في المقاهي والمجالس والشوارع.

وتذكر مصادر «الشرق الأوسط» في صنعاء أن السكان باتوا يتجنبون بشكل ملحوظ الحديث عن التطورات الأخيرة، أو إبداء مواقفهم من الهجمات بشكل علني؛ خشية التعرض للاعتقال بتهم «الخيانة» أو «التخابر».

سكان صنعاء يعيشون مخاوف كبيرة من تبعات التصعيد الحوثي (رويترز)

وارتبطت كل مراحل التصعيد الحوثي والهجمات التي تتلقاها الجماعة، بتشديد إجراءات الرقابة والتجسس على السكان، إلى جانب اعتقال العشرات من مختلف الشرائح، مع التركيز على الناشطين وموظفي السفارات والمنظمات الدولية والأممية، واتهامهم بالتخابر.

ويؤكد مراقبون للشأن اليمني أن هذا التصعيد الأخير، الذي وصفه المبعوث الأممي بأنه يضع اليمن أمام «أكبر خطر لتجدد الحرب الشاملة»، يوضح الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأولويات المعيشية للمواطن اليمني العادي في صنعاء، والذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وانقطاع المرتبات، وبين الأجندة العسكرية للجماعة التي تسعى لتثبيت مكاسب ميدانية جديدة بصرف النظر عن الكلفة الإنسانية المترتبة عليها.


مقالات ذات صلة

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

حذرت وزير الخارجية اليمنية خلال تحركات من باريس من خطر التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

حذرت منظمة دولية من ألغام وعبوات حوثية مموهة تهدد النازحين في اليمن، مؤكدة تسجيل نحو ثلثي حوادث المتفجرات في تعز، وامتداد المخاطر إلى الطرق الساحلية

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

فرض الحوثيون صناديق تبرعات بالقوة داخل مئات المنشآت التجارية في صنعاء، مع خطة لتوزيع 4 آلاف صندوق إضافي، لانتزاع الأموال من التجار والمواطنين وتمويل أنشطتهم

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
رياضة عربية فرحة لاعبي «الشباب» العماني بالفوز على «شعب حضرموت» (نادي الشباب)

«أبطال الخليج»: «الشباب» العماني يهزم «شعب حضرموت»... و«الزوراء» يتعادل مع «الرفاع»

حقق «الشباب» العماني فوزاً عريضاً على «شعب حضرموت» اليمني بنتيجة 4 / 0، الثلاثاء، ضِمن منافسات الجولة الثالثة بمرحلة المجموعات في «دوري أبطال الخليج».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

أدانت وزارة الخارجية اليمنية بشدة استمرار التدخلات العسكرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في الشؤون الداخلية لليمن، ودورهما في دعم الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (عدن)

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
TT

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)

كثفت الحكومة اليمنية من تحركها الدبلوماسي لمواجهة التصعيد الحوثي، محذرة من تداعيات التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لحصار الجماعة وخاصة في تعز.

وضمن هذه التحركات عرضت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، في العاصمة الفرنسية باريس، على ممثلي وسائل إعلام دولية ووكالات أنباء، وعلى السفراء العرب المعتمدين لدى فرنسا، مستجدات الأوضاع في اليمن، مشيرة إلى تصاعد في الدعم العسكري الخارجي للجماعة الحوثية، إلى جانب الانتهاكات التي تطول المدنيين والبنية التحتية.

وجاءت تحذيرات الوزيرة غداة إعلان وزارة الداخلية اليمنية تحديد هويات 21 خبيراً أجنبياً يعملون مع الحوثيين، بينهم 14 من الحرس الثوري الإيراني و7 من «حزب الله» اللبناني، في اتهام حكومي بمشاركة هذه العناصر في التخطيط وإدارة العمليات العسكرية وتعزيز القدرات القتالية للجماعة.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن وجود هذه العناصر يكشف حجم التدخل الخارجي في القرار العسكري الحوثي، مشيرة إلى أن أدوارها في التخطيط وإدارة العمليات وبناء القدرات العسكرية أسهمت في تصعيد الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، وتهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

تحذيرات إنسانية وأمنية

على الصعيد الإنساني، سلطت الوزيرة الضوء على الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، وما يترتب عليه من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، خصوصاً مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وإغلاق منشآت صحية ورفض فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين والمرضى.

وحذرت من أن استمرار هذه الممارسات يهدد حياة النساء والأطفال والمصابين بالأمراض الخطيرة والمستعصية، ويضاعف معاناة السكان المحاصرين، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين، وفق تقديرات الحكومة، ربع مليون شخص خلال جولة التصعيد الأخيرة.

كما أثارت الزوبة ملف الانتهاكات الحوثية المرتبطة بتجنيد الأطفال وزراعة الألغام المضادة للأفراد بصورة عشوائية ومكثفة، إلى جانب استمرار اختطاف عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي، وما يتعرضون له من انتهاكات بدنية ونفسية قالت إنها أودت بحياة عدد منهم.

وفيما يتعلق بالأمن الإقليمي، قالت الوزيرة إن اعتداءات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتنسيقهم مع تنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، يمثلان تهديداً يتجاوز حدود اليمن إلى الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى حشد التوافق لإدراج الجماعة الحوثية على قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة شبكاتها ومصادر تمويلها ومنابرها التحريضية، واتخاذ خطوات حازمة لوقف تدفق الأسلحة والتقنيات والخبراء إليها.


الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
TT

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

حذرت منظمة دولية متخصصة في نزع الألغام والمتفجرات من تصاعد المخاطر التي تهدد حياة المدنيين في اليمن من جراء العبوات الناسفة والألغام التي تُخفيها الجماعة الحوثية بوسائل تمويه تجعلها تبدو كأغراض يومية، بينها الصخور وقطع الطوب وأوعية حفظ مياه الشرب، مؤكدة أن محافظة تعز سجلت نحو ثلثي حوادث زرع الألغام والمتفجرات الموثقة.

وقالت منظمة «هالو تراست»، في بيان، إن العبوات الناسفة التي تُدفن تحت التربة أو توضع داخل حقائب على جوانب الطرق، أو تُموّه على هيئة أغراض مألوفة، باتت تشكل تهديداً متزايداً للمدنيين، خصوصاً مع تصاعد المواجهات العسكرية وتغير خطوط القتال، وما رافق ذلك من موجات نزوح واسعة من مناطق الاشتباكات.

وأوضحت المنظمة أن التصعيد العسكري الأخير للحوثيين أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت تشير فيه التقارير الإعلامية والبيانات المتاحة إلى بدء عمليات جديدة لزرع الألغام، إلى جانب انتشار الذخائر غير المنفجرة على امتداد طرق النقل الحيوية وممرات وصول المساعدات الإنسانية.

موجات النزوح من جراء العدوان الحوثي دفعت مئات الآلاف من اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم (إعلام محلي)

وقال أندرو مور، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن تغير خطوط المواجهة واضطرار المدنيين إلى مغادرة منازلهم باتجاه مناطق لا يعرفون تضاريسها وطرقها يجعلانهم أكثر عرضة للتفجيرات الناجمة عن المتفجرات المخفية.

وشدد مور على أهمية مواكبة عمليات المسح وإزالة الألغام للتطورات الميدانية، محذراً من أن تأخر التعامل مع هذه المخاطر يضاعف احتمالات سقوط ضحايا بين المدنيين الفارين من القتال.

تعز في الصدارة

وفقاً للبيانات التي أوردتها المنظمة، يتركز نحو ثلثي حوادث زرع الألغام المسجلة في محافظة تعز، التي تشهد مواجهات متواصلة على جبهاتها، بالتزامن مع الحصار المفروض على عاصمتها والقيود التي تطول حركة السكان والإمدادات.

وأشارت التقارير إلى العثور على ألغام مضادة للأفراد وأخرى للمركبات على طرق حيوية يستخدمها السكان في مديرية جبل حبشي، فضلاً عن بلاغات بشأن عبوات ناسفة متنوعة وأخرى مموهة في منطقة التربة، ما يهدد سلامة المدنيين الذين يعتمدون على هذه الطرق للتنقل والفرار من مناطق المواجهات.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع اتساع حركة النزوح في المحافظة، التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من القتال، بينما أدت الاشتباكات وقطع الطرق الرئيسية إلى عرقلة وصول المواد الغذائية والخدمات الطبية، فضلاً عن تضرر منشآت المياه والبنية التحتية الحيوية.

وبحسب الأمم المتحدة، اضطر أكثر من 300 ألف يمني إلى مغادرة منازلهم منذ أغسطس (آب) الماضي، ويقيم أكثر من نصفهم في محافظة تعز، التي تقع مناطق واسعة منها على خطوط المواجهة. ويواجه النازحون مخاطر إضافية خلال انتقالهم عبر طرق وممرات قد تكون مزروعة بالألغام أو ملوثة بمخلفات الحرب.

العبوات الناسفة الحوثية المموهة تهدد المدنيين الفارين من مناطق القتال (إعلام محلي)

ولا تقتصر المخاوف على تعز، إذ تتزايد معدلات النزوح في جنوب اليمن وغربه، حيث تجاوز عدد الفارين من القتال 42 ألف شخص، وفق البيانات التي أوردتها المنظمة.

وأثارت تقارير عن زرع ألغام أرضية على امتداد ممرات النقل الساحلية في منطقة باب المندب والساحل الغربي مخاوف من اتساع نطاق التهديد، خصوصاً أن هذه الطرق تمثل مسارات حيوية لحركة المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وتتداخل هذه المخاطر مع حركة الهجرة القادمة من القرن الأفريقي؛ إذ وصل أكثر من 134 ألف شخص إلى اليمن خلال سبتمبر (أيلول) 2026، وفق البيان، وكان كثير منهم يسعون إلى الوصول إلى دول الخليج، الأمر الذي يعرّض أعداداً إضافية من الأشخاص لمخاطر المتفجرات عند سلوك طرق غير مألوفة.

وتأتي هذه التطورات في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، إذ تقدر خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 18.3 مليون يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.

إزالة الألغام

في سياق جهودها، قالت «هالو تراست» إنها تعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود على إزالة الألغام والمتفجرات ومساعدة المجتمعات المتضررة من النزاعات على استعادة حياتها، مشيرة إلى أن انتهاء المعارك لا يعني زوال مخاطر الحرب، إذ تظل الأراضي الملوثة بالمتفجرات عائقاً أمام عودة السكان وممارسة أنشطتهم اليومية.

نحو ثلثي حوادث الألغام والمتفجرات المسجلة تركزت في محافظة تعز (إعلام محلي)

وأضافت أن وجود الألغام يحرم العائلات من زراعة أراضيها ورعي مواشيها، ويجعل أنشطة أساسية، مثل الذهاب إلى المدارس وجلب المياه، محفوفة بالمخاطر، مؤكدة أن استعادة الأمان في المناطق المتضررة شرط أساسي لعودة الحياة الطبيعية.

وأوضحت المنظمة أنها تعتمد على توظيف وتدريب رجال ونساء من المجتمعات المحلية للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، بما يوفر لهم دخلاً يساعدهم على إعادة بناء حياتهم، من خلال شراء الماشية وزراعة المحاصيل وإطلاق مشروعات صغيرة.

وتحذر المنظمة من أن استمرار زراعة الألغام وانتشار الذخائر غير المنفجرة، بالتزامن مع موجات النزوح وتغير خطوط المواجهة، يوسع دائرة الخطر على المدنيين، ويجعل الطرق التي يسلكونها بحثاً عن الأمان مصدراً جديداً للتهديد.


صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
TT

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

حوّلت الجماعة الحوثية الأسواق والمنشآت التجارية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء إلى منافذ جديدة لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر حملة جباية وإكراه تستهدف مئات الشركات والمؤسسات والمتاجر والمطاعم والمراكز التجارية، بإجبار أصحابها على وضع صناديق تبرعات داخل منشآتهم، وانتزاع الأموال من التجار والمواطنين تحت لافتة دعم «المجهود الحربي» وأسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها في الجبهات، وفق مصادر محلية وتجارية.

وتكشف الحملة، التي انطلقت مطلع الأسبوع، عن مساعٍ حوثية لتوسيع مصادر التمويل القسري وتعويض الخسائر البشرية والعسكرية، من خلال تحميل القطاع الخاص والسكان أعباء استمرار الحرب، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المعيشية وتتراجع قدرة المؤسسات التجارية على مواصلة أنشطتها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة ومشرفيها استهدفوا منشآت تجارية في عدد من مديريات صنعاء، وأجبروا أصحابها، تحت الضغط والتهديد، على استقبال صناديق مخصصة لجمع الأموال، بالتزامن مع تحركات ميدانية لحث التجار والزبائن على إيداع مبالغ مالية فيها.

جانب من إطلاق الحوثيين حملة تبرع سابقة لدعم المجهود الحربي (إعلام حوثي)

وأضافت أن الجماعة ألزمت عناصرها بالمرور يومياً على المحال والمنشآت لجمع الأموال المودعة في الصناديق، قبل نقلها إلى حسابات مصرفية خاصة بكبار قادتها، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الحملة لا تقتصر على جمع التبرعات، بل تتضمن فرض التزامات مالية وممارسة ضغوط مباشرة على أصحاب الأنشطة التجارية.

320 صندوقاً في يومين

في مؤشر على اتساع الحملة، وزعت الجماعة الحوثية أكثر من 320 صندوق تبرع على مؤسسات القطاع الخاص في عدد من المديريات خلال اليومين الأولين، مشيراً إلى أنها تعتزم توزيع نحو 4 آلاف صندوق إضافي خلال الأيام المقبلة، لتشمل بقية مناطق العاصمة وضواحيها.

وتزامن ذلك مع شكاوى تجار من اقتحام مشرفين وعناصر حوثية متاجرهم حاملين صناديق التبرعات، وإجبارهم تحت تهديد السلاح على وضعها داخل محالهم، من دون استئذان أو الحصول على موافقتهم.

وقال تجار إن الجماعة لم تكتفِ بفرض الصناديق، بل ألزمت أصحاب المنشآت والعاملين فيها بدعوة الزبائن إلى التبرع، محذرة من اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحال التي تُفتح صناديقها وتظهر خالية من الأموال، في مسعى لتحويل التجار إلى أدوات لتحصيل الجبايات من المواطنين.

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد شوارع صنعاء (فيسبوك)

ويقول «رمزي»، وهو اسم مستعار لمالك متجر في أحد أحياء صنعاء، إن مشرفين حوثيين أجبروه على وضع صندوق داخل محله تحت ذريعة دعم الجبهات وأسر قتلى الجماعة وجرحاها، موضحاً أن عناصرها يمرون بصورة متكررة لجمع الأموال، من دون أن يكون له حق الاعتراض أو رفض وجود الصندوق.

ويضيف أن تهديدات المشرفين ومراقبتهم المستمرة تدفعانه أحياناً إلى وضع مبالغ مالية من ماله الخاص داخل الصندوق، تفادياً لتحميله مسؤولية عزوف الزبائن عن التبرع أو إخضاعه لإجراءات عقابية، إذ بات خلو الصندوق من الأموال سبباً كافياً للمساءلة والضغط عليه.

الجماعة الحوثية تطلب التبرع بالأموال رغم اتساع رقعة المجاعة (الشرق الأوسط)

وفي ضواحي صنعاء، يشكو صاحب مطعم، طلب عدم نشر اسمه، من تحول الحملة إلى وسيلة إضافية لابتزاز أصحاب المنشآت، قائلاً إن المشرفين الحوثيين لا يكتفون بفرض الصناديق، وإنما يمارسون ضغوطاً على أصحاب المطاعم والعاملين فيها لدفع مبالغ إضافية، رغم تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.

أما «سعيد»، وهو أحد سكان صنعاء، فيرى أن الجماعة تسعى إلى تحويل ما تبقى من الأسواق والمتاجر إلى منافذ دائمة لتحصيل الأموال من المواطنين، مشيراً إلى أن السكان باتوا محاصرين بحملات التبرع والجبايات المتلاحقة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.