لماذا لا يقتصر فقدان الوزن على حساب السعرات الحرارية فقط؟

يُحدد الجسم كيفية معالجة السعرات الحرارية - حرقها أو تخزينها - بناءً على احتياجاته من الطاقة (أ.ب)
يُحدد الجسم كيفية معالجة السعرات الحرارية - حرقها أو تخزينها - بناءً على احتياجاته من الطاقة (أ.ب)
TT

لماذا لا يقتصر فقدان الوزن على حساب السعرات الحرارية فقط؟

يُحدد الجسم كيفية معالجة السعرات الحرارية - حرقها أو تخزينها - بناءً على احتياجاته من الطاقة (أ.ب)
يُحدد الجسم كيفية معالجة السعرات الحرارية - حرقها أو تخزينها - بناءً على احتياجاته من الطاقة (أ.ب)

عندما يتعلق الأمر بفقدان الوزن، يتضح أن حساب السعرات الحرارية ليس دائماً دقيقاً. فتظهر الحميات الغذائية الرائجة وتختفي، لكن الرسالة الأساسية غالباً ما تتبع معادلة بسيطة: إذا استهلكت سعرات حرارية أقل مما تحرق، فسوف تفقد الوزن.

من حيث المبدأ، هذا صحيح. ويمكن أن يكون حساب السعرات الحرارية أداة مفيدة للتحكم في الوزن. لكنه لا يُجدي نفعاً إلا إذا كنت تعرف الأرقام التي تحسبها. وما يُوصف بأنه حساب بسيط قد يبدو أحياناً أشبه بنظرية النسبية لأينشتاين.

ذلك لأن شبكة معقدة من العوامل تؤثر على كيفية معالجة أجسامنا للسعرات الحرارية، أو حتى على قدرتها على ذلك. ويتضح أن جودة النظام الغذائي لا تقل أهمية عن كميته، بل ربما تفوقها.

يقول الدكتور داريوش مظفريان، طبيب القلب ومدير معهد الغذاء والدواء في جامعة تافتس: «للأطعمة المختلفة تأثيرات متباينة للغاية على الدماغ والكبد والخلايا الدهنية ووظائف العضلات والبنكرياس وجميع الأعضاء المرتبطة بعملية الأيض ووزن الجسم»، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

أجسامنا ليست غرف احتراق

والسعرة الحرارية هي وحدة الطاقة المستخدمة لحساب ما يمكن للجسم الحصول عليه من الكربوهيدرات والبروتينات والدهون، يبدو الأمر بسيطاً، لكن تعقيد حساب السعرات الحرارية انتشر مؤخراً، عندما اتهمت دعوى قضائية الشركة المصنعة لألواح بروتين بوضع ملصقات مضللة حول عدد السعرات الحرارية وكمية الدهون في منتجاتها.

وقد تم إسقاط الدعوى لاحقاً. استندت الادعاءات إلى تحليل الألواح باستخدام قياس السعرات الحرارية من خلال قياس السعرات الحرارية عن طريق حرق الطعام وحساب كمية الحرارة المنبعثة، وهي طريقة تحسب كل سعرة حرارية محتملة.

لكن أجسامنا ليست غرف احتراق ولا تتعامل مع جميع السعرات الحرارية بنفس الطريقة. تعتمد أرقام الشركة، مثل العديد من ملصقات الأطعمة، فقط على السعرات الحرارية التي يمكن لأجسامنا استخدامها فعلياً. من الناحية الفنية، كلا الرقمين صحيح، لكن الرقم الأخير فقط هو المهم في النظام الغذائي.

قال الدكتور ديفيد لودفيج، اختصاصي الغدد الصماء والباحث في مستشفى بوسطن للأطفال: «يمكنك وضع نشارة الخشب في مسعر حراري، وستحصل على ما يقارب 4 سعرات حرارية لكل غرام. إذا كنت نملة بيضاء، نعم، فستحصل على سعرات حرارية منها. لكن البشر لن يحصلوا عليها».

وتعكس حسابات السعرات الحرارية على معظم ملصقات التغذية إجمالي السعرات التي من المرجح أن يستهلكها الجسم، وليس معدل حرقها. ومع ذلك، قد تكون هذه الحسابات مضللة. فبسبب التقريب المسموح به، قد تصل نسبة الخطأ إلى 20 في المائة.

إضافةً إلى ذلك، تؤثر عوامل عديدة على كيفية استخدام الجسم للسعرات الحرارية التي نتناولها، منها سهولة هضم المكونات، وطريقة طهيها، ودرجة معالجتها، والاختلافات في عمليات المعالجة، وحتى الاختلافات في الحمض النووي الخاص بنا. وهذه مجرد بداية التعقيدات.

السعرات الحرارية بسيطة لكن كيفية استخدام الجسم لها ليست كذلك

يُحدد الجسم كيفية معالجة السعرات الحرارية - حرقها أو تخزينها - بناءً على احتياجاته من الطاقة. لكن نوعية السعرات الحرارية مهمة أيضاً. يقول لودفيج إن الأطعمة ذات المؤشر الجلايسيمي المرتفع، مثل الخبز الأبيض والمعكرونة والسكريات، تتحول بسهولة إلى طاقة قابلة للاستخدام، مما يحفز الجسم على تخزين السعرات الحرارية.

أما الأطعمة التي تحتوي على نشويات مقاومة، بما في ذلك بعض أنواع البقوليات والحبوب الكاملة والبذور، فتقاوم التحول السهل إلى طاقة قابلة للاستخدام، ولا تُحفز استجابة التخزين نفسها. كما أنها أصعب في الهضم، لذا نمتص كمية أقل من إجمالي السعرات الحرارية الموجودة فيها.

يقول لودفيج: «تناول وجبة خفيفة من 240 مل من مشروب سكري، 100 سعرة حرارية، من المفترض أن يكون أفضل لوزنك من تناول 30 غراماً من المكسرات 200 سعرة حرارية، أليس كذلك؟». «لكن هذا عكس ما يحدث فعلاً، لأن تلك الـ100 سعرة حرارية، حتى لو كانت أقل في تلك اللحظة، تُحفز الجسم على تخزين الدهون، مما يجعلك تشعر بالجوع أسرع». وهذا بالطبع يدفعك لتناول المزيد من السعرات الحرارية.

نضج الأطعمة عامل مؤثر

حتى الطبخ والنضج يؤثران على المعادلة. يتم امتصاص السعرات الحرارية الموجودة في الأطعمة المطبوخة بسهولة أكبر من امتصاصها من المكونات النيئة، في حين أن امتصاص السعرات الحرارية الموجودة في المنتجات غير الناضجة، مثل الموز، أقل سهولة. وهذا يعني أن عدد السعرات الحرارية التي تحصل عليها من تناول موزة متوسطة الحجم، والتي تحتوي على 105 سعرة حرارية، يمكن أن يعتمد على مدى نضجها.

أما بالنسبة للمعالجة، بما في ذلك شيء بسيط مثل طحن الطعام، فيمكن أن تغير تأثير السعرات الحرارية. وقال لودفيج: «من الأمثلة الكلاسيكية على ذلك أن السعرات الحرارية الموجودة في اللوز الكامل تُمتص بشكل أقل بكثير من السعرات الحرارية الموجودة في زبدة اللوز. فمجرد تحويل اللوز إلى زبدة اللوز يُحدث تغييراً في كمية السعرات الحرارية التي يمتصها الجسم».

وتُشكل الأطعمة فائقة المعالجة تحدياً آخر. فقد وُجد أن الأنظمة الغذائية الغنية بهذه الأطعمة تُقلل من عدد السعرات الحرارية التي نحرقها أثناء الراحة، وهذا يعني أن نسبة أكبر من هذه السعرات الحرارية ستتراكم في الجسم.

قلة النوم تؤثر

ثم هناك ببساطة الاختلاف بين الأفراد. فالعوامل الوراثية تجعل أجسامنا تتعامل مع السعرات الحرارية بشكل مختلف، كما قالت الدكتورة فاطمة كودي ستانفورد، اختصاصية السمنة في كلية الطب بجامعة هارفارد. حتى إن شيئاً بسيطاً مثل قلة النوم ليلاً يمكن أن يُغير طريقة معالجة الجسم للسعرات الحرارية. لذا، قد يمتص الجسم سعرات حرارية أكثر أو أقل من نفس الطعام في أيام مختلفة.

هل من الضروري حساب السعرات الحرارية؟

إذن، ما العمل لمن يحرص على وزنه؟ يقول لودفيج إن حساب السعرات الحرارية قد يكون مجرد دليل تقريبي، فالكثيرون يجدون صعوبة في اتخاذ خيارات صحية أو تحديد الكميات المناسبة.

لكن تشير الأدلة إلى ضرورة التركيز على جودة النظام الغذائي، وليس فقط على كمية السعرات الحرارية. تجنب الأطعمة فائقة المعالجة، خاصة النشويات المكررة، واجعل نظامك الغذائي قائماً على الأطعمة الكاملة قليلة المعالجة، مع التركيز على المكونات النباتية الغنية بالألياف.

ويضيف لودفيج: «علينا أن ننظر إلى السعرات الحرارية بنظرة أكثر دقة من مجرد الرقم الموجود على العبوة. فالرقم الموجود على العبوة قد يضر أكثر مما ينفع، إذ يوهم الناس بأنها مجرد مسألة حسابية».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

لماذا نكتسب وزناً زائداً في الشتاء رغم قلة الطعام أحياناً؟

صحتك يمكن لتناول بعض الأطعمة قبل النوم أن يُؤثر سلباً على النوم ويُسبب عسر الهضم أو زيادة الوزن (رويترز)

لماذا نكتسب وزناً زائداً في الشتاء رغم قلة الطعام أحياناً؟

يجد بعض الناس صعوبة في تجنب اكتساب عدة كيلوغرامات في الشتاء. قد تكون هناك عدة عوامل تؤدي إلى ذلك، والوعي بها يمكن أن يساعد على التغلب على زيادة الوزن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك سجّلت المجموعتان انخفاضاً في محيط الخصر والوركين ونسبة الدهون في الجسم (بكساباي)

مشروبات «الدايت» أم الماء... أيهما أفضل لخسارة الوزن؟

كشفت دراسة أن المشروبات التي تحتوي على بدائل السكر، مثل المشروبات الغازية «الدايت»، كانت فعّالة بقدر الماء في المساعدة على إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يعتقد البعض أن ممارسة التمارين الرياضية بمعدة فارغة يعني حرق دهون أكثر (أ.ف.ب)

هل التمرين «على معدة فارغة» يحرق دهوناً أكثر؟

يختار البعض ممارسة التمارين الرياضية بمعدة فارغة، اعتقاداً منهم أن ذلك يعني حرق دهون أكثر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد تحفز الخلايا الدهنية على الاستمرار في إنتاج هرمون يثير الشعور بالجوع (بيكساباي)

علماء يفسرون سبب استعادة الوزن بعد اتباع الحميات الغذائية

دراسة جديدة وجدت سبباً لسرعة استعادة الوزن لدى الأشخاص الذين يتبعون حميات غذائية أو يتناولون أدوية لإنقاص الوزن بمجرد توقفهم عن ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك عبوات من المشروبات الغازية الخالية من السكر (أرشيفية - رويترز)

دراسة تُنصف المشروبات الخالية من السكر: تدعم فقدان الوزن مثل الماء

أظهرت دراسة واسعة النطاق استمرت عامين أن المشروبات الخالية من السكر فعالة تقريباً مثل الماء في إنقاص الوزن على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

دراسة تُحذر من تضاعف حالات الخرف عالمياً بحلول عام 2050

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
TT

دراسة تُحذر من تضاعف حالات الخرف عالمياً بحلول عام 2050

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

في ظل الزيادة المستمرة في أعداد كبار السن حول العالم، تتصاعد التحذيرات من ارتفاع معدلات الإصابة بالخرف، إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن عدد الحالات الجديدة سنوياً قد يتجاوز 24 مليون حالة بحلول عام 2050، مقارنةً بنحو 11.4 مليون حالة في عام 2023، مما يثير مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة هذا العبء المتزايد.

وحسب صحيفة «نيويورك بوست»، فقد اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 22 بحثاً سابقاً شمل نحو 40 ألف شخص في 18 دولة، بهدف تقديم تقديرات عالمية لمعدلات الإصابة الجديدة بالخرف، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للإصابة والعوامل التي قد تسهم في الوقاية منه.

وأظهرت النتائج أن عدد الحالات الجديدة قد يرتفع إلى 24.7 مليون حالة سنوياً بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في عام 2023. وتختلف هذه التقديرات عن دراسات سابقة كانت تتوقع الوصول إلى مستويات مماثلة بحلول عام 2060، مما يشير إلى أن الزيادة قد تحدث بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.

وقالت الدكتورة ليرون سينفاني، اختصاصية طب الشيخوخة ومديرة الأبحاث والابتكار في معهد نورثويل للشيخوخة الصحية: «من حيث الحجم، فإن هذا العدد من حالات الخرف الجديدة مذهل».

وأضافت: «هذه ليست مشكلة مستقبلية، بل أزمة وبائية متسارعة تتطلب اهتماماً فورياً».

ويرتبط الارتفاع المتوقع في حالات الخرف بازدياد أعداد كبار السن حول العالم، إذ ترتفع احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر.

وأوضحت سينفاني أن نحو شخص واحد من كل تسعة أشخاص فوق سن 65 عاماً يعاني الخرف، بينما قد ترتفع النسبة إلى شخص واحد من كل ثلاثة تقريباً بعد سن 85 عاماً.

وركزت الدراسة على معدل الإصابة الجديدة، أي عدد الأشخاص الذين يصابون بالخرف خلال فترة زمنية محددة، وليس إجمالي عدد الأشخاص الذين يعيشون مع المرض في وقت معين، وهو ما يساعد على فهم سرعة ظهور الحالات الجديدة وتقدير الاحتياجات المستقبلية للرعاية الصحية.

وكشفت النتائج عن تفاوت في معدلات الإصابة بين النساء والرجال، إذ بلغ المعدل نحو 10.6 حالة لكل ألف شخص بين النساء، مقابل 8.6 حالة لكل ألف شخص بين الرجال، حتى بعد أخذ اختلاف الأعمار في الاعتبار.

وقالت سينفاني إن هذا الاختلاف قد يرتبط بعوامل بيولوجية أو اجتماعية أو بيئية تجعل النساء أكثر عرضة للإصابة، مشيرةً إلى أهمية فهم هذه الفروق لتطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للوقاية والكشف المبكر.

كما أظهرت الدراسة أن معدلات الإصابة الجديدة بالخرف كانت أعلى بنسبة 64 في المائة لدى الأشخاص في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مقارنةً بالدول مرتفعة الدخل، مما يثير مخاوف من زيادة الأعباء على الأنظمة الصحية التي قد تكون مواردها أقل لتوفير التشخيص والرعاية والعلاج.

وقالت الدكتورة أشلي فيلا، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن فهم هذه الاختلافات أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات الوقاية والتشخيص والرعاية بما يتناسب مع الفئات السكانية الأكثر عرضة للمخاطر مستقبلاً.

ولفتت الدراسة أيضاً إلى ارتباط انخفاض مستوى التعليم بارتفاع معدلات الإصابة بالخرف، وهي نتيجة تتفق مع دراسة سابقة نُشرت عام 2024، حددت 14 عاملاً قابلاً للتعديل ارتبطت مجتمعةً بنحو نصف حالات الخرف، وفقاً لتقديراتها، وكان مستوى التعليم أحد هذه العوامل.

ورغم الزيادة المتوقعة في الإصابات، يشير الخبراء إلى أن الوقاية تظل ممكنة من خلال التعامل مع عدد من عوامل الخطر، إذ شهدت بعض الدول مرتفعة الدخل تراجعاً في معدلات الإصابة خلال العقود الماضية، وهو ما ارتبط جزئياً بتحسين إدارة عوامل الخطر الصحية.

وتشمل الإجراءات التي يوصي بها الخبراء: الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية، وضبط ضغط الدم والكوليسترول، والسيطرة على مرض السكري، والحد من السمنة والتدخين وتلوث الهواء، إلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتعزيز التواصل الاجتماعي، والاهتمام بالتعليم والتعلم المستمر.


السر ليس في الكافيين وحده... أسرار جديدة وراء تأثير القهوة بالجسم

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
TT

السر ليس في الكافيين وحده... أسرار جديدة وراء تأثير القهوة بالجسم

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن تأثيرها قد يمتد إلى البكتيريا الموجودة في الأمعاء، والمواد التي ينتجها الجسم، وبعض المؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية والوظائف الإدراكية.

وحسب مجلة «نيوزويك» الأميركية، ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة كوليدج كورك في آيرلندا، خضع 62 شخصاً لتجارب هدفت إلى فهم تأثير القهوة في الجسم، نصفهم من المعتادين على شرب نحو ثلاثة إلى خمسة أكواب يومياً، والنصف الآخر لا يشربونها عادةً.

في البداية، توقف الأشخاص الذين اعتادوا شرب القهوة عن تناولها لمدة أسبوعين، وخلال تلك الفترة، رصد الباحثون التغيرات التي طرأت على أجسامهم وسلوكياتهم، حيث تم فحص بكتيريا الأمعاء، وعملية الأيض، والحالة المزاجية، ومستويات التوتر، واليقظة، والقدرة على التعلم والذاكرة لدى المشاركين.

وبعد ذلك، أُعيد إدخال القهوة إلى نظامهم الغذائي، لكن المشاركين لم يكونوا على علم بما إذا كانوا يتناولون القهوة المحتوية على الكافيين أم منزوعة الكافيين.

وتوصل الباحثون إلى تغيرات لافتة بعد التوقف عن القهوة لمدة أسبوعين، أهمها:

تغيرات ملحوظة في الأمعاء

لوحظ أن التغيير الأبرز بعد التوقف عن شرب القهوة كان في الأمعاء، إذ طرأ تغير جوهري على نواتج التمثيل الغذائي المعوية لدى شاربي القهوة، وهي مركبات كيميائية صغيرة تنتج عن عمليات التمثيل الغذائي أو تتغير بفعلها، مقارنةً بالأشخاص الذين لا يشربون القهوة عادةً.

ووجد الباحثون أيضاً بعض الاختلافات في بكتيريا الأمعاء لدى شاربي القهوة بعد امتناعهم عن تناولها لمدة أسبوعين، إذ كانت أنواع معينة من البكتيريا، مثل بكتيريا «إيغرثيلا»، التي يُعتقد أنها تسهم في إفراز الأحماض داخل المعدة والأمعاء، وبكتيريا «كريبتوباكتيريوم كورتوم» التي قد تشارك في إنتاج الأحماض الصفراوية، أكثر وفرة لديهم مقارنةً بالأشخاص الذين لا يشربون القهوة.

وقال الباحثون إن هذه التغيرات من المحتمل أن تؤدي إلى خلق بيئة معوية تحد من نمو بعض أنواع البكتيريا الضارة وتمنع حدوث العدوى.

كما أظهر شاربو القهوة مستويات أعلى من بكتيريا «فيرميكوتس» التي تعيش في أمعاء الإنسان وتلعب دوراً رئيسياً في صحة الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي، بعد الامتناع عنها.

التوتر والتغيرات المزاجية

من النتائج اللافتة في الدراسة أن إعادة تقديم القهوة للمشاركين بعد فترة التوقف ارتبطت بانخفاض مستويات التوتر الذي يشعرون به، وتراجع درجات الاكتئاب والاندفاعية، سواء تناولوا القهوة المحتوية على الكافيين أو القهوة منزوعة الكافيين.

ويشير ذلك إلى أن بعض التأثيرات المحتملة للقهوة في المزاج قد لا تعتمد على الكافيين وحده، بل ربما ترتبط أيضاً بمركبات أخرى موجودة في حبوب البن.

وأكد الفريق أن هذه النتائج لا تعني أن القهوة تعالج الاكتئاب أو اضطرابات التوتر، وإنما تشير إلى تغيرات رُصدت في مؤشرات نفسية خلال التجربة وتحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد دلالتها.

الانتباه واليقظة

ارتبطت إعادة شرب القهوة المحتوية على الكافيين بعد فترة التوقف بانخفاض القلق وتحسن اليقظة والانتباه، إلى جانب تغيرات مرتبطة بمؤشرات الالتهاب.

وتشير هذه النتائج إلى أن الكافيين قد يكون له دور في بعض التأثيرات التي رصدها الباحثون، خصوصاً ما يتعلق بالانتباه واليقظة.

التعلم والذاكرة

من أبرز نتائج الدراسة أن المشاركين الذين تناولوا القهوة منزوعة الكافيين بعد التوقف عن شرب القهوة لفترة أظهروا تحسناً في التعلم والذاكرة، وهو ما لم يُرصد لدى المجموعة التي تناولت القهوة المحتوية على الكافيين.

وطرح الباحثون احتمال أن تكون مركبات أخرى في القهوة، وليس الكافيين وحده، وراء بعض التأثيرات المرتبطة بالوظائف الإدراكية.

ومن بين هذه المركبات البوليفينولات، خصوصاً أحماض الكلوروجينيك، التي تتمتع بخصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، ويمكن أن تحولها ميكروبات الأمعاء إلى مركبات أخرى نشطة بيولوجياً. كما تحتوي القهوة على ألياف قابلة للذوبان ومركبات نباتية أخرى قد تتفاعل مع بكتيريا الأمعاء.


طرق غير مكلفة للوقاية من خشونة المفاصل

خشونة المفاصل مرض قد يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة (جامعة كيرتن)
خشونة المفاصل مرض قد يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة (جامعة كيرتن)
TT

طرق غير مكلفة للوقاية من خشونة المفاصل

خشونة المفاصل مرض قد يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة (جامعة كيرتن)
خشونة المفاصل مرض قد يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة (جامعة كيرتن)

توقعت دراسة دولية ارتفاع عدد المصابين بخشونة المفاصل حول العالم إلى نحو مليار شخص بحلول عام 2050، مقارنةً بنحو 600 مليون في عام 2023، في ظل غياب علاج شافٍ للمرض أو دواء مثبت قادر على وقف تطوره أو إبطائه، وفق خريطة طريق جديدة للسياسات الصحية.

ودعا الفريق الدولي، بقيادة جامعة كيرتن الأسترالية، إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمواجهة العبء المتزايد للمرض، ونُشرت الدراسة، الاثنين، في دورية «The Lancet».

وخشونة المفاصل مرض يصيب الغضروف الذي يغطي أطراف العظام ويحميها، مما قد يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة. ويمكن أن تؤثر في الركبتين والوركين واليدين والعمود الفقري. ورغم زيادة احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر، فإن المرض ليس جزءاً حتمياً من الشيخوخة، وتشمل عوامل الخطر زيادة الوزن وإصابات المفاصل السابقة.

وعلى الرغم من غياب علاج شافٍ للمرض، يمكن أن تساعد طرق غير مكلفة مثل ممارسة التمارين المناسبة، والحفاظ على وزن صحي، واتباع العلاجات التي يحددها الطبيب، على تخفيف الأعراض وتحسين الحركة وجودة الحياة.

وحذر الباحثون من أن أنظمة الرعاية الصحية في كثير من الدول لا تزال غير مستعدة للوقاية من المرض والتعامل مع تداعياته، خصوصاً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وأشارت خريطة الطريق إلى ضعف الاعتراف بخشونة المفاصل في السياسات الصحية، وعدم دمج رعايتها على نحو كافٍ في خدمات التعامل مع الأمراض المزمنة، فضلاً عن تفاوت أساليب الوقاية والعلاج واللجوء إلى تدخلات لا تتوافق دائماً مع أفضل الأدلة العلمية المتاحة.

وتحدد خريطة الطريق ثلاثة محاور رئيسية لمواجهة المشكلة: أولها تعزيز الاعتراف بالمرض وقياس أعبائه الصحية والاقتصادية، عبر جمع البيانات الوطنية وإدراج صحة الجهاز العضلي الهيكلي ضمن السياسات الصحية.

رعاية صحية

ويتمثل المحور الثاني في توسيع نطاق الحصول على رعاية عالية الجودة وميسورة التكلفة، من خلال دمج خدمات علاج خشونة المفاصل في الرعاية الأولية وبرامج التعامل مع الأمراض المزمنة. أما المحور الثالث، فيركز على الحد من الزيادة المتوقعة في أعداد المصابين عبر معالجة عوامل الخطر القابلة للتعديل، وفي مقدمتها زيادة الوزن وإصابات المفاصل المرتبطة بالعمل والأنشطة الرياضية.

وأشار الباحثون إلى أن كثيرين ينظرون إلى خشونة المفاصل بوصفها نتيجة حتمية للتقدم في العمر، مع الاعتقاد بأن خيارات التعامل معها محدودة. وارتفع العبء العالمي للإعاقة المرتبطة بالمرض بنسبة 65 في المائة بين عامي 1990 و2023، في واحدة من كبرى الزيادات المسجلة بين أكثر من 350 حالة مرضية.

وشدد الفريق على ضرورة التركيز على الوقاية والتدخل المبكر بدلاً من العلاجات محدودة الفائدة، مؤكداً أن غياب أدوية قادرة على تغيير مسار المرض لا يعني انعدام الوسائل الفعالة للسيطرة على أعراضه.

وحذر الباحثون من أن السمنة وشيخوخة السكان وزيادة إصابات المفاصل قد تفاقم المشكلة خلال العقود المقبلة. وأكدوا أن الحفاظ على وزن صحي، والوقاية من الإصابات، خصوصاً بين الشباب، وتحسين الوصول إلى الرعاية المستندة إلى الأدلة العلمية، يمكن أن تحد من هذا العبء.

وتتجاوز تداعيات المرض الجانب الصحي، إذ تُقدّر تكلفته الاقتصادية بنحو 1 إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ودعا الباحثون الحكومات إلى دمج الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل في خدمات الرعاية الأولية، وتوفير الدعم اللازم لمساعدة المصابين على الحفاظ على استقلاليتهم وجودة حياتهم.