حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكل حرب ظروفها ووسائلها. في حروب نابليون، كانت القوى «تسير مُتفرّقة، لكنها كانت تتقاطع وتتلاقى على نقطة الحسم؛ حيث مركز ثقل العدو» لإنهائه. واعتبر المفكر البروسيّ، كارل فون كلوزفيتز، أن احتلال العاصمة لبلد ما، كما القضاء على الجيش، كانا يُشكّلان مقياساً للنصر. من هنا سعي نابليون الدائم إلى المعركة الحاسمة، مع التأكيد دائماً أن الهدف الأساسيّ كان الجيش؛ فاحتلال العاصمة لا يعني النصر من دون تدمير القوّة العسكريّة. وقد خاض نابليون حروبه في العمق الأوروبيّ، وعلى مسافات بعيدة وصلت إلى العاصمة موسكو، التي احتلّها، لكنه لم يكن قادراً على فرض النصر ونزع اعتراف القيصر آنذاك بإنجازاته... «فالعدو لم يُقهر الا إذا اعترف هو بذلك».

عايش نابليون حروب العصابات في إسبانيا. من هنا أتت تسمية «حرب الغيريلا» (Guerilla)، تعني بالإسبانية «حرب العصابات». وقد شكّلت المدفعيّة السلاح الحاسم في حروب نابليون، ومهمتها فتح الثغرة في صفوف العدو بعد حشدها في منطقة مُحدّدة. ألم يكن هو ضابطاً في سلاح المدفعيّة؟

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية - اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل - 27 مايو 2026 (رويترز)

مع الثورة الصناعيّة، بدأت الحرب ووسائلها تأخذان أبعاداً مختلفة، لكنها ركّزت دائماً على غزارة النار، والحركيّة، والتموين اللوجستيّ، خصوصاً أنها أصبحت تستهلك كثيراً من الذخائر. وإذا كان نابليون قد اعتمد كثيراً على سلاح المدفعيّة، فإن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين قد سمّى المدفعية «آلهة الحرب»، خصوصاً أن طريقة قتال الجيش السوفياتي كانت تعتمد على الحشد الكبير للعسكر مع غزارة نيران كبيرة جدّاً، لعزل قوى العدو ووضعها بما يُسمّى حالة المرجل (Cauldron). وبعد استنزافها إلى الحدّ الأقصى، يخرق الجيش السوفياتي الدفاعات للحسم الأخير (Stalingrad).

وتُعدّ الحرب الأهليّة الأميركيّة (1861 - 1865) أوّل حرب في عصر الثورة الصناعيّة، وتعبّر عن فكر كلوزفيتز بشكل واضح حول المعركة الحاسمة (Decisive Battle)، التي تهدف عادة إلى إبادة جيش العدو (Annihilation). كانت تكلفة الحرب الأهلية الأميركيّة نحو 650 ألف قتيل. يقول كثير من الخبراء إن الحرب الأميركيّة كانت مرحلة انتقالية بين حروب نابليون والحرب العالميّة الأولى. فيها استعمل المقاتلون البندقيّة المُحلزنة، واستعملوا أيضاً المدفعيّة، كما سكك الحديد والتلغراف، الأمر الذي سهّل عملية القيادة والسيطرة، كما عملية نقل العسكر بسرعة إلى حقل المعركة وخطوط التماس، وعلى مساحات أكبر من حروب نابليون.

ولأن الفكر الكلوزفيتزي كان مُكلفاً جدّاً بالأرواح، رد المفكر الإنجليزي ليدل هارت عليه بضرورة تجنّب المعركة الحاسمة، والاعتماد على المناورة والاقتراب غير المباشر، كما التركيز على نقاط الضعف على أنها مركز ثقل، بدل التركيز على نقاط القوّة. من هنا كتابه الشهير «الاستراتيجيّة» (Strategy). وجاءت الحرب الألمانيّة الخاطفة (Blitzkrieg) على فرنسا في الحرب العالمية الثانية، لتأكيد فكر ليدل هارت.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

في الظروف وتركيبة النظام العالميّ: السلاح

قد يمكن ربط ديناميكيّة النظام العالميّ، كما موازين القوى فيه والتوازنات، وكيفية سعي القوى العظمى إلى القوّة (Power) والحصول على مزيد منها، بما يتوفّر من تكنولوجيا معاصرة تُعدّ قوّة مُضاعفة (Force Multiplier)؛ فالصراع يُولّد التكنولوجيا ووسائلها الضروريّة للمنافسة. وتغير التكنولوجيا موازين القوى لتضخ مزيداً من اللااستقرار في النظام العالميّ. ألم يحدث هذا الأمر مع السلاح النووي بعد استعماله في اليابان؟ ألا يُعايش عالم اليوم صراعاً على قوّة الحوسبة (Computing Power)، والداتا، وعلى المواد الأوليّة لصناعة الرقائق وأشباه الموصّلات الأحدث في العام؟ ألا تراهن الدول العظمى على قدرتها على التحكّم بالذكاء الاصطناعي، واستعمالاته في مجالات متعدّدة خصوصاً الأبعاد العسكريّة؟

الكلاشنيكوف vs المسيّرة

عندما أعلن الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، شعار «الردّ الشامل» (Total Response) النووي على كل من يعتدي على أميركا وعلى حلفائها، وجد الفريق الآخر المنافس طريقة ملتوية لتحسين وضعه الجيوسياسيّ في العالم، وذلك عبر دعم حركات المقاومة في العالم، بهدف تغيير الأنظمة لصالح العالم الشيوعيّ. وهذا بالطبع بالإضافة إلى تعزيز القدرات النوويّة، كما التقليديّة في أوروبا، عبر اعتماد استراتيجيّة العمليات العميقة (Deep Ops). بعد آيزنهاور، اعتمد الرئيس الأميركي جون كينيدي استراتيجية «الردّ المرن» (Flexible Response)، بمعنى توفير وسائل عسكرية متعدّدة، إلى جانب السلاح النوويّ، لتأمين كثير من الخيارات بدل الذهاب مباشرة إلى التدمير المُتبادل (MAD). وتُعدّ القوات الخاصة إحدى أهمّ هذه الوسائل خصوصاً لدى الأميركيّين، بوصفها ردّاً مباشراً على الحركات الثوريّة. ألا يتذكّر العالم «القبعات الخضراء» الأميركيّة، (Green Berets) التي استعملتها الولايات المتحدة الأميركيّة هذه؛ بدءاً من فيتنام وصولاً إلى أميركا اللاتينيّة؟

مسلحون من «العمال الكردستاني» يحملون رشاشات كلاشنيكوف في شمال العراق (أرشيفية - رويترز)

على كلّ، وفي هذا الإطار يقول الجنرال الفرنسي، فنسان ديبورت، في كتابه حول الاستراتيجيّة: «لا شكّ أن العدو هو الذي يصنع استراتيجيّتنا، والعكس صحيح». وعليه، قد يمكن القول إن عملية الوصول إلى التوازن في الصراعات كما الحروب، لا تحصل إلا إذا بدأت عملية التناضح (osmosis) بين المتقاتلين، خصوصاً أن عملية التأقلم خلال المعركة هي عملية مستمرّة ومُستدامة، تعتمد أصلاً على الفعل وردّ الفعل؛ إذ يقترب بعض المتقاتلين في أسلوب قتالهم من بعض، عبر التقليد (Mime) القسري للتكتيكات في ساحة المعركة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يُقاتل الجيش الإسرائيليّ اليوم تنظيم «حزب الله» في جنوب لبنان بأسلوب قتالي هجين، يجمع بين طريقة قتال حرب العصابات عبر تقليد طريقة قتال الحزب، وذلك بالإضافة إلى طريقة القتال التقليديّ حسب عقيدته العسكريّة.

الكاتب الأميركي سي.جي. شيفرز، اعتبر في كتابه عن «البندقيّة»، (The Gun) أن بندقيّة الكلاشنيكوف غيّرت السياسة العالميّة خلال الحرب الباردة، كما غيّرت الثورات وحركات المقاومة، وكذلك خصائص الحروب. وقد يمكن مقارنة هذا التغيير إلى حدّ ما، بدخول المسيّرة على الحروب في القرن الحادي والعشرين، لكن بطريقة مختلفة. ظهر فعل البندقية الروسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان القتال في تلك المرحلة يُخاض عن قُرب وبوتيرة سريعة جدّاً. أمّن هذا السلاح تنفيذ المهمة من دون توقّف بسبب بساطة تركيبة هذا السلاح، وسهولة الاستعمال، وعدم الحاجة إلى التعهّد المُستدام، كذلك الأمر القدرة على الإنتاج الكميّ.

وحسب الكاتب أيضاً، هو سلاح لمن ليس لديه سلاح، وهو قاعدة ناريّة لمن ليست لديه قاعدة. وبسبب طبيعة الصراع الجيوسياسيّ بين الجبارين خلال الحرب الباردة، انتشر هذا السلاح على مدار الكرة الأرضيّة؛ من آسيا إلى أوروبا، إلى أفريقيا وغيرها من المناطق؛ فحيث وُجد هذا السلاح كانت هناك حركات ثوريّة، فهو قد أصبح رمزاً لها؛ ليس فقط عسكريّاً، لا بل أصبح رمزاً جيوسياسيّاً، يُصنّف من يحمله على أنه معادٍ للرأسماليّة والاستعمار.

وعليه، قد يمكن القول إن هذه البندقيّة قد أسهمت إلى حدّ بعيد في تعزيز دول اللاعب الثوريّ اللادولتيّ (NSA)؛ فهي زاوجت الوسيلة مع الآيديولوجيا. أعطت البندقية القوة الناريّة لمن ليست لديه القاعدة الناريّة. أمّنت قدراً من التكافؤ (Parity) بين الجندي المُستعمر أو الجندي الذي يخدم نظاماً رأسمالياً والمناضل الثوريّ، هذا إذا أمّن الثائر بالطبع ظروفاً ميدانيّة تناسب طريقة قتال حرب العصابات. ولأن لكل عصر حربه الخاصة، التي لها خصائص مختلفة، أتت المُسيّرة لتكون سلاح الجو لمن ليس لديه سلاح جو. هي تقاتل عن بُعد وليس كما بندقية الكلاشنيكوف. لها وظائف مختلفة؛ فهي تراقب، وتجمع المعلومات عن أرض المعركة، وتُصحّح رمايات المدفعيّة. وهي أيضاً انتحارية بدأت تأخذ من مدفعيّة الميدان دورها الأساسيّ. وتستعمل المسيّرة الذكاء الاصطناعيّ، بعكس البندقيّة، حتى لو بدأت بعض الشركات سعيها لتركيب آلة على منظار البندقيّة تستعمل الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين دقّة الرماية.

نظام الهجوم بالطائرات المسيرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

كشفت المسيّرة حقل المعركة (Transparency) كما ألغت خطوط التماس، وبدأت بتهميش دور المدرّعات. لا ينافس الكلاشنيكوف المسيّرة في هذه المجالات؛ فهو سلاح القتال عن قرب ومن المسافة صفر، ويُشغّل من قبل حامله. أما المسيّرة فتُشغّل عن مسافات بعيدة، وتبحث عن الهدف حتى لو كان متحرّكاً. تستعمل الجيوش البندقيّة، كما حركات المقاومة. وتستعمل الجيوش المسيّرات كما اللاعب اللادولتيّ. كان للكلاشنيكوف تأثير عالميّ، أيضاً للمسيّرة تأثير عالميّ؛ هو من نتاج الثورة الصناعيّة والمسيّرة من نتاج الثورة الصناعيّة، لكن مع إضافات كثيرة من الثورة التكنولوجيّة: تُسهم المسيّرة في ربط أبعاد مسرح العمليات من ضمن الفقاعة (Bubble)، وهي تسهم في الحرب متعدّدة الأبعاد (Multi Domain) عبر ربط سلاح البرّ بالبحر بالجو. الفضاء كما السايبر.

وفي هذا الإطار، يبدو الكلاشنيكوف متواضعاً جدّاً، فهو لا يزال مرتبطاً بالقتال الفرديّ. وكان انتشار الكلاشنيكوف عاماً وشاملاً على كل وحدات الجيش، وفي كل الاختصاصات. حتى الآن، لا تزال المسيّرات حكراً على قطاع متخصص في الجيوش، خصوصاً أن تركيبة المُسيّرة وكي تُنفّذ المهمة، وجب توفّر من يُصنّع (Industrial)، كما توفّر من يعمل على البرمجة (Software)، هذا بالإضافة إلى من يُشغّل (Operator). هذه الأبعاد ليست ضرورية في الكلاشنيكوف.

رفع الكلاشنيكوف تكلفة الاحتلال، كما ترفع المسيّرة تكلفته. صُنّع الكلاشنيكوف في مصانع الدولة-الأمة، فيما تُصنّع المسيّرة في القطاع الخاص، كما تُعدل للأهداف الحربيّة من قبل مستعملها. المشترك بين الاثنين قد يكون السعر. تكلفة الكلاشنيكوف تتراوح بين500 و1200$، أما سعر المسيّرة فهو متعلّق مباشرة بالمهمّة والمدى والتجهيزات الحديثة، وأين مكانها في الصورة الكبرى للمعركة. اعتمد الكلاشنيكوف على عدد الجنود (Mass)، في حين تمنع المسيّرة حالياً الحشد، إن كان في الآليات أو الجنود.

وفي الختام، قد يمكن القول إن الكلاشنيكوف قد أسهم في دعم حركات المقاومة والتحرّر، وهو سلاح لمن ليس لديه سلاح. لكن المسيّرة غيّرت أبعاد الحرب، وأعطت سلاحاً جوّياً لمن ليس لديه سلاح جوّي. وإذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين، لا يزال في بداياته. ولأن الإنسان يستعمل قمة ذكائه من أجل القتل في الحروب، فإن غداً لناظره قريب.


مقالات ذات صلة

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

أوروبا جنود روس يقفون على أهبة الاستعداد للمشاركة ببروفة العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في موسكو (أ.ب)

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

قطعت روسيا خدمات الإنترنت عبر الهاتف الجوال عن كثير من المشتركين في موسكو، اليوم (الثلاثاء)، قبل العرض العسكري السنوي المقرَّر في التاسع من مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

احتسى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ الشاي في البيت الأبيض، الجمعة، وزارا الأرشيف الوطني، ليختتما بذلك قمة استمرت ثلاثة أيام طغت فيها الدبلوماسية الشخصية على الإنجازات الكبيرة في العلاقات الاقتصادية.

وأشاد الزعيمان ببعضهما في تعليقات أدليا بها في أثناء احتساء الشاي في «الغرفة الحمراء» بالبيت الأبيض. وقال ترمب إن القمة بين أكبر اقتصادين في العالم أنجزت أموراً كبيرة، مضيفاً: «أعتقد أن مزارعينا سيكونون سعداء»، لكنه لم يقدم تفاصيل.

وأوضح: «أميركا سعيدة جداً بهذه الزيارة، وأنا متأكد من أن الصين سعيدة للغاية أيضاً».

وقال شي إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تطورت لتصبح علاقة بناءة تتميز «بالاستقرار الاستراتيجي على أساس الاحترام والعدل والمعاملة بالمثل».

وأضاف شي أنه وترمب ستسنح لهما فرصتان أخريان للقاء هذا العام، خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك) في الصين وقمة مجموعة العشرين في ميامي. وقال: «أرحب بزيارتكم للصين، سيادة الرئيس والسيدة الأولى».

العلاقات التجارية

واتسمت القمة بالفخامة وتضمنت استعراضات جوية وجولات ومأدبة عشاء رسمية فاخرة، لكنها كانت مبهرة شكلاً وفقيرة مضموناً، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومع ذلك، سلّط ترمب الضوء على التقدم المحرز في إطار آلية التجارة الثنائية، مشيراً إلى ما وصفه بزيادة فرص الوصول إلى الأسواق أمام المزارعين ومربي الماشية الأميركيين، في حين حدد الزعيمان الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً للتعاون.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير لشبكة «سي. إن. بي. سي»، الجمعة، إن تفاصيل الاتفاقات المحدودة التي توصل إليها الجانبان بشأن علاقاتهما التجارية المتوترة ستُنشر يوم الاثنين.

وأضاف: «نحن في وضع تجاري يخضع للتنظيم... لقد أحرزنا تقدماً، وأعتقد أننا سنعلن، يوم الاثنين، المزيد من التفاصيل حول ما أنجزناه خلال الأسابيع القليلة الماضية في المفاوضات مع الصينيين».

ومضى غرير قائلاً إن الولايات المتحدة اتفقت مع الصين على استثناء بعض السلع الأساسية من النزاعات التجارية، بما في ذلك الصادرات المتجهة إلى الصين من المنتجات الزراعية والأجهزة الطبية، وواردات السلع الاستهلاكية والسلع غير الحساسة.

جولة في الأرشيف الوطني

اختُتِمَت القمة في الأرشيف الوطني الأميركي، وبدا ترمب وشي وهما يستعرضان إعلان الاستقلال الأميركي والدستور ووثيقة الحقوق.

وقال ترمب في كلمة ألقاها، الخميس، للترحيب بشي إنهما سيشاهدان أيضاً «قطعاً أثرية تشهد على العلاقة الطويلة والعزيزة» بين الصين والولايات المتحدة و«التبادلات الثقافية» بينهما.

وقال ترمب: «مثلما تواصل أسلافنا عبر المحيط منذ قرون للتجارة والتعلم وبناء عالم أفضل، فإن بلدينا يفعلان الشيء نفسه بالفعل، ونحن فخورون جداً بذلك وبالعلاقة بيننا».

ولم تعلّق الصين على زيارة الأرشيف، لكن محللين يقولون إن شي ربما كان حريصاً على الاطلاع على السجلات المتعلقة بتحويل الولايات المتحدة اعترافها من تايوان إلى الصين الشيوعية في عام 1979.

ورداً على سؤال، قال ترمب إنه ناقش مع شي موضوع إيران، مضيفاً: «أعتقد أننا سنحقق نتائج رائعة»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وتنفي بكين مزاعم الولايات المتحدة بمساعدة قادة إيران في الصراع الذي بدأه ترمب في فبراير (شباط).

الصين تضغط بشأن تايوان

تعتبر الصين أن تايوان، التي تتمتع بنظام حكم ديمقراطي، جزء من أراضيها، وسعى شي منذ فترة طويلة إلى إقناع ترمب بإعلان أن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، بدلاً من الاكتفاء بالقول إنها لا تدعم الاستقلال، وهو الموقف الرسمي لواشنطن منذ عشرات السنين.

كما يحرص على حمل الولايات المتحدة على وقف مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.

وكما كان متوقعاً، ضغط شي على ترمب بشأن تايوان، الخميس، قائلاً إنه يأمل أن «تتعامل الولايات المتحدة مع قضية تايوان بحكمة». وأوردت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن شي «يأمل في أن يلتزم الجانب الأميركي بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة (استقلال تايوان)».

ورغم أن الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم الدول، لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، فإن واشنطن تُعد أهم داعم دولي لها، وهي ملزمة، بموجب القانون الأميركي، بتزويدها بالوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها.

وسيراقب حلفاء واشنطن في آسيا من كثب كيف سيتحدث ترمب عن تايوان بعد زيارة شي.

وبعد قمة مع شي في مايو (أيار)، قال ترمب، الذي وافقت إدارته في ديسمبر (كانون الأول) على صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، إنه علق صفقة ثانية، بقيمة نحو 14 مليار دولار، ووصفها بأنها «ورقة تفاوضية جيدة للغاية».

أساس جديد

وقال كريغ سينغلتون من مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» إن بكين ربما تعتقد أنها أرست أساساً جديداً بشأن تايوان مع ترمب.

وأضاف أن استخدام شي لكلمة «الالتزام» كان كاشفاً لأنه «يشير إلى أن بكين تعتقد أن واشنطن تتصرف بالفعل بالطريقة التي تريدها».

ومضى قائلاً: «مع التوقف الحالي عن مبيعات الأسلحة لتايوان، قد تنظر الصين بشكل متزايد إلى هذا الأمر على أنه أساس جديد وليس مجرد توقف مؤقت».

وأوضح: «هدف بكين هو حمل ترمب على إدراج الخطوط الحمراء الصينية في تعريفه الخاص للعلاقة المستقرة».

وانتقد الديمقراطيون بمجلس الشيوخ القمة، الخميس، قائلين إن ترمب فشل في الحصول على تنازلات مهمة من بكين بشأن التجارة والأمن والذكاء الاصطناعي أو حقوق الإنسان.

كما انتقدوا ترمب لعدم تطرقه علناً للضغوط العسكرية الصينية على تايوان، ودعوا إلى التسليم الفوري للمساعدات العسكرية التي تمت المصادقة عليها ومبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.


ترمب يصف زيارة شي بـ«الإيجابية جداً»... ويبحث معه «حرب إيران»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

ترمب يصف زيارة شي بـ«الإيجابية جداً»... ويبحث معه «حرب إيران»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إنه ونظيره الصيني شي جينبينغ أحرزا تقدماً يصب في مصلحة الولايات المتحدة والصين، وذلك في ختام زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني لواشنطن.

وأعلن ترمب أنه ناقش الحرب على إيران مع نظيره الصيني، وقال: «لقد فعلنا ذلك. لقد فعلنا ذلك»، رداً على سؤال بهذا الشأن الإيراني، وذلك في أثناء اصطحابه الرئيس الصيني في جولة داخل مبنى الأرشيف الوطني في واشنطن خلال اليوم الأخير من الزيارة التي يقوم بها شي.

ورداً على سؤال آخر عما إذا كان يتوقع إحراز تقدم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، أجاب ترمب: «أعتقد أننا سنحقق نتائج ممتازة».

ووفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، صرّح ترمب للصحافيين: «أعتقد أننا قطعنا أشواطاً هائلة، وقمنا بخطوات كبيرة، وهو أمر إيجابي جداً لكلا البلدَين»، وذلك في أثناء تناوله الشاي في البيت الأبيض بحضور زوجته ميلانيا والرئيس شي وزوجته.

وأشار ترمب إلى أن الجانبين «سيُجريان محادثات مكثفة».

بدوره، أشار الرئيس الصيني إلى إمكان عقد اجتماعَين إضافيين مع ترمب هذا العام. وقال شي عبر مترجم في أثناء تناوله الشاي: «بالنسبة إلى ما تبقى من هذا العام، ستكون هناك فرصتان أخريان للقاء: الأولى خلال اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، والأخرى خلال قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة»، مضيفاً: «أرحب بزيارتكما للصين، سيدي الرئيس والسيدة الأولى».

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، الجمعة، إن من المتوقع أن تعلن الولايات المتحدة تفاصيل ما خلصت إليه المفاوضات التجارية مع الصين يوم الاثنين.

واستقبل ترمب شي في البيت الأبيض، الخميس، وقال: «نحن في وضع تجاري مُدار... أحرزنا تقدماً، وأعتقد أننا سنكشف يوم الاثنين عن المزيد من التفاصيل حول ما أنجزناه خلال الأسابيع القليلة الماضية في المفاوضات مع الصينيين».

وأضاف أن الولايات المتحدة اتفقت مع الصين على استثناء بعض السلع الرئيسية من الخلافات التجارية. وأشار إلى أن واشنطن ستصدّر منتجات زراعية وأجهزة طبية، «وسنستقبل منهم سلعاً استهلاكية وأشياء أخرى غير حساسة».

وقال غرير إن المحادثات الحالية لم تتطرق إلى فئة محدودة من الرقائق الإلكترونية عالية الجودة التي تصنعها الولايات المتحدة وتتطلب تراخيص خاصة.

وأضاف: «هذه الرقائق (أثمن) ما أنتجته التكنولوجيا الأميركية. فهي الوسيلة التي نحافظ بها على تفوقنا في سباق الذكاء الاصطناعي الفائق، ولذا فإن هذه المسائل... لا تُناقش فعلياً في إطار هذه المفاوضات».


زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي دونالد ترمب الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو في الجهود الدبلوماسية لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا الجاري منذ 4 سنوات ونصف السنة.

ووفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس»، قال زيلينسكي للصحافيين إنه لم يتلقَّ رداً من البيت الأبيض بشأن محادثات ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، ولكنه يتوقع أن يعرف النتيجة.

كان زيلينسكي، الذي يتوق لحشد المزيد من الدعم الدولي لأوكرانيا، موجوداً في الولايات المتحدة، الأسبوع الحالي، في زيارة تزامنت مع الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد التقى ترمب، الثلاثاء الماضي.

ووصفت دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) الصين بأنها أحد «العوامل المساعدة الحاسمة» في الغزو الروسي.

وشارك زيلينسكي المزيد من التفاصيل عن رحلته للولايات المتحدة في رسائل صوتية لمجموعة من الصحافيين.