مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز في تقريره عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً

لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
TT

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)

تساءل المحلل الأميركي الدكتور جيمس هولمز في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً. ويوضح أنه من خلال مطالعة الأخبار اليومية، من الصعب الهروب من الشعور بأن قانون الغاب؛ قانون القوة الغاشمة الذي حكم الشؤون الدولية من العصور القديمة حتى العصور الحديثة نسبياً، قد طغى على مبدأ عدم جواز تعديل الحدود الدولية بقوة السلاح.

وقال هولمز، وهو رئيس كرسي «جيه سي وايلي» للاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية، وزميل هيئة تدريس في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة جورجيا، إن عصبة الأمم، التي كانت قد تم تأسيسها بعد صدمة الحرب العالمية الأولى، قد سعت إلى تقديس ذلك المبدأ الأساسي في القانون الدولي، إلى جانب مبدأ تقرير المصير. وأضاف هولمز، في تحليل نشرته الوكالة الألمانية للأنباء، أن «تقرير المصير» هو فكرة أن الشعوب التي تحدد نفسها كأمم لها الحق في إنشاء دولها القومية الخاصة، وليس إجبارها على العيش تحت حكم شعوب غريبة.

ورغم تطلعاتها السامية، لم تتمكن عصبة الأمم قَطّ من حشد الإجماع أو القوة اللازمة للنضال من أجل مبادئها؛ ولذا اندلعت الحرب العالمية الثانية. وبعد هزيمة دول «المحور»، أسس المنتصرون الأمم المتحدة، وهي منظمة دولية من المفترض أن تكون أكثر حزماً وقوة لفرض مبدأ «الأمن الجماعي» الذي ينص على أن العدوان ضد أحد هو عدوان ضد الجميع، ويستوجب رداً مشتركاً من الجميع.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبِلاً نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تيانجين منذ أسبوع (د.ب.أ)

لماذا لم تعد الأمم المتحدة تقوم بدور فاعل؟

لقد عقدت الحرب الباردة الأمم المتحدة، وبصفة خاصة مجلس الأمن التابع لها والضامن الرئيسي للسلام والأمن الدوليين، في غضون سنوات قليلة بعد انطلاق أنشطة الهيئة الدولية في سان فرانسيسكو.

وتابع هولمز أن السبب وراء ذلك واضح؛ إذ تستطيع أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الصين وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، أن تمنع صدور أي قرار يقضي باستخدام القوة.

وبناء على ذلك، سوف تظل الأمم المتحدة دائماً تقريباً عاجزة عن التحرك في أوقات الخطر الجسيم. والأمر المثير للتعجب، هو أنه كانت هناك استثناءات لهذه القاعدة، وهي بصفة خاصة استثناءان؛ فقد تمكنت إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان من حشد هجوم مضاد مشترك من الولايات المتحدة والأمم المتحدة لصد الهجوم الكوري الشمالي على كوريا الجنوبية عام 1950، وإحباط تدخل مسلح من جانب الصين في وقت لاحق في ذلك الصراع. وقد أعادت هذه الحملة الحدود بين الكوريتين إلى ما كانت عليه، رغم أن الثمن البشري كان باهظاً.

وكانت «المهمة الشرطية» الكورية في الأساس هي محصلة جهود الأمم المتحدة لإنفاذ السلام حتى عام 1990، عندما شنّ معتدٍ شرير بشكل غير عادي؛ الرئيس العراقي صدام حسين، عدواناً صارخاً عبر الحدود ضد دولة مجاورة وعضو ذي سيادة في الأمم المتحدة، هي الكويت.

The 164th ordinary session of the Arab League Council at the ministerial level (Arab League)

وأظهرت تلك اللحظة الواضحة أنه من المحتمل القيام بعمل مشترك للمرة الثانية. ومن خلال تفويض واضح من الأمم المتحدة - ودون اعتراض من الاتحاد السوفياتي الذي كان آنذاك في طور الانهيار - أسست أميركا تحالفاً من 35 دولة، وطردت الجيش العراقي من الكويت في وقت قصير.

ومنذ تحرير الكويت في عام 1991، استأنفت الأمم المتحدة سجلها الباهت في دعم المبادئ الأساسية. وأوضحت اثنتان من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهما الصين وروسيا، نيتهما تعديل النظام العالمي الذي تساعدان في رئاسته من الناحية الظاهرية.

ويعد رئيسا القوتين العظميين الصين وروسيا، شي جينبينغ وفلاديمير بوتين، على التوالي، مفسدين داخل النظام. ويسود التقاعس عن اتخاذ أي إجراء حتى في الوقت الذي تتحرك فيه القوى العظمى ضد القوى الصغرى.

المشاركون في اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في كوبنهاغن الجمعة (أ.ف.ب)

وتتعرض أوكرانيا لضغوط شديدة، بعد أن خسرت نحو 20 في المائة من أراضيها لصالح الجيش الروسي. ويهدد كل يوم جيش التحرير الشعبي الصيني بالقضاء على نظام الحكم الذاتي الليبرالي في تايوان، وفي الوقت نفسه ينشر قوات بحرية نظامية وغير نظامية لانتزاع السيطرة على جزر قبالة السواحل ومياه بحرية من جيران الصين في جنوب شرقي آسيا.

والشيء الأسوأ من ذلك، هو أن روسيا والصين دولتان نوويتان كبيرتان، مما يزيد من تعقيد معضلة كيفية الدفاع عن ضحايا العدوان. ويميل عدد قليل من الدول إلى تحدي عدو يمتلك أسلحة نووية؛ ولذا يبدو أن عصر المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس قد عاد مرة أخرى.

لقد حذر المؤرخ الكبير للحرب البيلوبونيسية، وهي الصراع الذي دار في القرن الخامس قبل الميلاد بين تحالفين متنافسين بقيادة أثينا وإسبرطة، من أن القوة تتغلب على العدالة في الشؤون الدولية. فلا يمكن للمرء أن يتوقع العدالة إلا إذا امتلك القدرة - وتحديداً القوة العسكرية - للمطالبة بها.

وقد دفع تدمير الدولة المدينة ميلوس اليونانية (416 قبل الميلاد) على يد أثينا، إحدى القوى العظمى في العالم الإيجي بمنطقة بحر إيجه، ثيوسيديدس إلى التعبير عن هذه البديهية الصعبة في السياسة الدولية.

نائب المندوب الروسي ديميتري بوليانسكي متحدثاً في جلسة لمجلس الأمن بنيويورك (رويترز)

وسواء شاء المرء أو أبى، عادت الدبلوماسية لترتكز على القوة الخشنة. وكما في اليونان القديمة، لا تستطيع الدول الضعيفة التفاوض على اتفاق عادل عندما يملك خصمها المقاتل القوة المسلحة، وقوة الإرادة والإصرار على الإيذاء لفرض مطالبه بالقوة. وتجد هذه الدول نفسها في ورطة ميلوس، وينطبق تحذير ثيوسيديدس من الضعف العسكري بالمثل على المواجهات الحالية التي يشهدها البحر الأسود وغرب المحيط الهادئ.

وإذا لم يعد القانون الدولي يشكل في حد ذاته حاجزاً خاصاً به أمام العدوان عبر الحدود، فإنه سوف تكون هناك حاجة لتحالفات مسلحة تسليحاً جيداً للدفاع عنه، أو المخاطرة برؤية انهيار نظام عالمي مفيد.

واختتم المحلل تقريره بالقول: «إنه لا ينبغي لنا أن نترك أوكرانيا وتايوان وغيرهما من الدول المحاصرة لمصير مماثل لمصير الدولة المدينة ميلوس» التي خضعت لاحتلال أثينا لها.


مقالات ذات صلة

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

تحليل إخباري مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

إذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين لا يزال في بداياته.

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا جنود روس يقفون على أهبة الاستعداد للمشاركة ببروفة العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في موسكو (أ.ب)

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

قطعت روسيا خدمات الإنترنت عبر الهاتف الجوال عن كثير من المشتركين في موسكو، اليوم (الثلاثاء)، قبل العرض العسكري السنوي المقرَّر في التاسع من مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
TT

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، السبت، في الأمم المتحدة على أن موسكو ستحقق أهدافها العسكرية في أوكرانيا «مهما كانت الظروف».

وقال لافروف من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: «سيتم تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة، والقضاء على التهديد الذي يواجه الأمن الروسي، مع عودة الحياة الهادئة. وسيحدث ذلك مهما كانت الظروف».

واتهم وزير الخارجية الروسي الدول الأوروبية، السبت، بأنها «تبذل كل ما في وسعها» لعرقلة المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع بين موسكو وكييف.

وقال: «تبذل أوروبا كل ما في وسعها لعرقلة محادثات السلام التي ترعاها إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)

كما دعا لافروف الولايات المتحدة إلى رفع «الحصار» المفروض على كوبا، وكذلك القيود المفروضة على التجارة مع أكبر جزيرة في منطقة البحر الكاريبي.

وقال لافروف إن على الولايات المتحدة رفع اسم كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وشنت الولايات المتحدة حملة ضغوط على كوبا أدت إلى حد كبير لمنع وصول النفط إلى الجزيرة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء على نطاق واسع.

فاديفول يلتقي لافروف

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال لقائه نظيره الروسي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، السبت، موسكو إلى «التخلّي عن نهج التصعيد الخطير» الذي تتبنّاه، وفق ما أفاد به دبلوماسي ألماني.

وجرت المحادثات، وهي الأولى من نوعها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، على وقع تصاعد التوتر بين برلين وموسكو في الأسابيع الأخيرة، إذ حمّلت ألمانيا روسيا مسؤولية محاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت مطار لايبزيغ. وعلى الأثر، أمر كل من البلدين بإغلاق قنصلية البلد الآخر.

وقال الدبلوماسي الألماني إن فاديفول «دعا روسيا الاتحادية إلى التخلّي عن نهجها الخطير المتمثّل في التصعيد تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي».

وأوضح فاديفول، بحسب ما نقل عنه الدبلوماسي، أن «حوادث مثل محاولة الهجوم الأخيرة في لايبزيغ أو غيرها من الهجمات المتعدّدة الوسائل لن تزعزع عزم ألمانيا على دعم أوكرانيا التي تتعرّض لهجوم».

وتُعد ألمانيا من أبرز داعمي أوكرانيا، فيما اتهمها لافروف أخيراً بأنها «تريد الحرب مجدداً»، رافضاً اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن هجوم مطار لايبزيغ الشهر الماضي.


البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
TT

البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

عبَر البابا ليو الرابع عشر جادة الشانزليزيه، السبت، على وقع هتافات حشود غفيرة، قبل أن يترأس قداساً ضخماً هو أبرز فعاليات اليوم الثاني من زيارته لفرنسا. وعلى متن سيارته «بابا موبيلي»، حيَّا الحبر الأعظم مبتسماً الأطفال ورحَّب بحشود المصلِّين الذين وصل كثير منهم قبل ساعات لرؤيته وهو يتَّجه نحو ساحة الكونكورد؛ حيث أُقيم مذبح أبيض يعلوه صليب بارتفاع عدة أمتار.

وبدأ القداس بُعَيد الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، مع اصطفاف نحو 700 ألف شخص -حسب الفاتيكان- على امتداد أكثر من كيلومترين وصولاً إلى شارع الجيش الكبير، خلف قوس النصر؛ حيث أمكنهم متابعة القداس الذي استمر ساعة ونصف ساعة عبر شاشات عملاقة.

وقالت ماري هيلين، التي قدمت من ضواحي باريس: «قد لا أرى شيئاً، ولكن لا يهم، المهم هو وجودنا بهذا العدد الكبير، ومشاركتنا في القداس».

شعبية واسعة

وفي ساحة الكونكورد؛ حيث كان الواصلون ينتظرون بصبر ويتناولون طعامهم، صرَّحت فيرجيني كورتو الآتية من نانتير مع عائلتها، والبالغة 51 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن «البابا هو النجم!». وأضافت: «إنه يخاطب جمهوراً يتجاوز الديانة الكاثوليكية، إنه البابا الذي نحتاج إليه في هذا العصر، البابا الذي يُضفي عمقاً وتأملاً».

وفي الشوارع المجاورة للشانزليزيه، ومع إغلاق عشرات محطات المترو، حملت عشرات الحافلات المصلِّين من مناطق عدة طوال الصباح، وغالباً ما كانت مجهزة بمقاعد قابلة للطي، استعداداً لانتظار وصول البابا.

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

وأوردت أبرشية باريس أن كثيراً من السياسيين حضروا للمشاركة في القداس؛ بينهم المرشحون للرئاسة: إدوارد فيليب، وغابرييل أتال، ومارين لوبان التي رافقها رئيس حزبها «التجمع الوطني» جوردان بارديلا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، والرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيسَي مجلسَي البرلمان، يائيل براون بيفيت، وجيرار لارشيه.

وغاب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استقبل البابا ليو الجمعة لدى وصوله إلى المطار، ثم في قصر الإليزيه، ومثَّلته زوجته بريجيت.

وتحاط هذه الزيارة البابوية الأولى منذ زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2008، والتي تنتهي الاثنين في ميتز، بعد محطة في لورد بدءاً من مساء السبت، بتدابير أمنية بالغة الشدة. وتشهد تعبئة 17 ألف متطوع، و15 ألف عنصر من الشرطة والدرك، و2500 صحافي معتمَد، وخُصصت لها ميزانية هائلة قدرها 27 مليون يورو.

«كرامة وسلام»

وبدأ ليو الرابع عشر -وهو نفسه ابن مهاجرين- يومه الثاني في فرنسا بزيارة «دار باخيتا» وهي جمعية أبرشية لاستقبال المهاجرين أسسها البابا فرنسيس عام 2017، وتحمل اسم القديسة جوزفين باخيتا، وهي راهبة سودانية عانت من العبودية في صغرها قبل أن تتحرر وتصبح رمزاً عالمياً لمكافحة الاتجار بالبشر.

وشدد البابا خلال لقائه عدداً من المغتربين والمهاجرين المسلمين والمسيحيين من جنسيات مختلفة، على أهمية «الالتقاء والعيش معاً بكرامة وسلام». وقال إن «تاريخ الكنيسة والبشرية... لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة؛ بل الذين يُفسحون المجال لغيرهم، ويُوجدون آليات سلام، ويبعثون الثقة، ويشجعون الحياة». ودعا إلى «الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة».

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود في جادة الشانزليزيه يوم 26 سبتمبر (أ.ف.ب)

وتبعث هذه الزيارة للدار -حسب مسؤوليها- «رسالة» قبل أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، يتوقع أن تعود فيها مسألة الهجرة إلى الواجهة. ودعا البابا على الدوام منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025 إلى الحفاظ على كرامة المهاجرين واللاجئين. ولم يتردد البابا الأميركي في انتقاد سياسة الرئيس دونالد ترمب بهذا الصدد.

وزار البابا بعد ذلك المعهد الكاثوليكي في باريس؛ حيث التقى بمُعَمَّدين جدد ومقبلين، ما يشهد على حيوية الكنيسة لدى شريحة من الشباب. وقال البابا خلال اللقاء في المقر التاريخي للمعهد: «قد يبدو من المستغرب أن نشهد هذه الظاهرة في إطار مجتمع كالمجتمع الفرنسي (...) مطبوع بثقافة شديدة العلمانية». وكان قد تطرق الجمعة إلى العلمانية في كلمته بقصر الإليزيه، معتبراً أن «العلمانية السليمة لا تعني استبعاد الدين من الفضاء العام».

وتلقى زيارة البابا اهتماماً شعبياً لافتاً منذ يومها الأول؛ إذ اصطف 300 ألف شخص -حسب الفاتيكان- الجمعة للترحيب به لدى عبوره في السيارة البابوية بوسط باريس، قبل أن يستقبله 80 ألف شاب استقبال النجوم مساء الجمعة، في ملعب «استاد دو فرنس».


ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
TT

ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)

دعت ألمانيا إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود (فرونتكس)، لمساعدة الدول في حال حدوث «ضغط» مفاجئ للهجرة عند الحدود الخارجية للاتحاد، على غرار ما حدث في جيب سبتة الإسباني هذا الصيف.

وصرّح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، خلال مؤتمر صحافي السبت في ميونيخ، بأن على أوروبا إرساء «آلية دعم جديدة للبلدان التي تواجه ضغطاً كهذا عند حدودها الخارجية».

وأضاف الوزير المحافظ قبيل اجتماع مع 16 من نظرائه في الاتحاد الأوروبي والمفوض الأوروبي ماغنوس برينر لمناقشة ملفات الهجرة، قائلاً: «بعبارة أخرى، قوة تدخل سريع تابعة لوكالة (فرونتكس)، تكون قادرة على تقديم الدعم اللازم للدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في غضون 24 ساعة».

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

من جهته، أشار برينر إلى أن المفوضية الأوروبية ستقدم «في المستقبل القريب» تفويضاً «معزّزاً» لوكالة «فرونتكس»، لتكون قادرة على «التحرك بسرعة، ومرونة أكبر، قبل أن تتحول الأحداث إلى أزمات حقيقية».

وأكد دوبريندت أن الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس التي جعلت من تشديد سياسة الهجرة أولوية لكبح صعود اليمين المتطرف «على قناعة بإمكان الاستعانة بشكل أكبر بوكالة (فرونتكس) في إجراءات إعادة المهاجرين»، ولا سيما عبر الدول الثالثة التي يمرون بها، وكذلك في إطار «اتفاقية دبلن» داخل الاتحاد الأوروبي التي تحدد الدولة المسؤولة عن البتّ في طلب اللجوء.

واعتبر المفوض برينر أن على وكالة «فرونتكس» أن تؤدي «دوراً أكثر أهمية وكثافة في عمليات الإعادة».

تعمل ألمانيا حالياً، بالتعاون مع الدنمارك وهولندا والنمسا واليونان، على إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين (مراكز ترحيل) في دولة خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم.

وتمسّك دوبريندت بالهدف الذي أعلنته هذه الدول الخمس، والمتمثل في تقديم اتفاقات أولية مع دول من خارج التكتل «بحلول نهاية العام».

من جانبها، نددت لجنة الإنقاذ الدولية، الخميس، بمراكز الإعادة، واصفة إياها بأنها «نهج قاسٍ، ومكلف، ويجرّد الأشخاص من كرامتهم، وحقوقهم الأساسية».