مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز في تقريره عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً

لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
TT

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)
لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)

تساءل المحلل الأميركي الدكتور جيمس هولمز في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً. ويوضح أنه من خلال مطالعة الأخبار اليومية، من الصعب الهروب من الشعور بأن قانون الغاب؛ قانون القوة الغاشمة الذي حكم الشؤون الدولية من العصور القديمة حتى العصور الحديثة نسبياً، قد طغى على مبدأ عدم جواز تعديل الحدود الدولية بقوة السلاح.

وقال هولمز، وهو رئيس كرسي «جيه سي وايلي» للاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية، وزميل هيئة تدريس في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة جورجيا، إن عصبة الأمم، التي كانت قد تم تأسيسها بعد صدمة الحرب العالمية الأولى، قد سعت إلى تقديس ذلك المبدأ الأساسي في القانون الدولي، إلى جانب مبدأ تقرير المصير. وأضاف هولمز، في تحليل نشرته الوكالة الألمانية للأنباء، أن «تقرير المصير» هو فكرة أن الشعوب التي تحدد نفسها كأمم لها الحق في إنشاء دولها القومية الخاصة، وليس إجبارها على العيش تحت حكم شعوب غريبة.

ورغم تطلعاتها السامية، لم تتمكن عصبة الأمم قَطّ من حشد الإجماع أو القوة اللازمة للنضال من أجل مبادئها؛ ولذا اندلعت الحرب العالمية الثانية. وبعد هزيمة دول «المحور»، أسس المنتصرون الأمم المتحدة، وهي منظمة دولية من المفترض أن تكون أكثر حزماً وقوة لفرض مبدأ «الأمن الجماعي» الذي ينص على أن العدوان ضد أحد هو عدوان ضد الجميع، ويستوجب رداً مشتركاً من الجميع.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبِلاً نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تيانجين منذ أسبوع (د.ب.أ)

لماذا لم تعد الأمم المتحدة تقوم بدور فاعل؟

لقد عقدت الحرب الباردة الأمم المتحدة، وبصفة خاصة مجلس الأمن التابع لها والضامن الرئيسي للسلام والأمن الدوليين، في غضون سنوات قليلة بعد انطلاق أنشطة الهيئة الدولية في سان فرانسيسكو.

وتابع هولمز أن السبب وراء ذلك واضح؛ إذ تستطيع أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الصين وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، أن تمنع صدور أي قرار يقضي باستخدام القوة.

وبناء على ذلك، سوف تظل الأمم المتحدة دائماً تقريباً عاجزة عن التحرك في أوقات الخطر الجسيم. والأمر المثير للتعجب، هو أنه كانت هناك استثناءات لهذه القاعدة، وهي بصفة خاصة استثناءان؛ فقد تمكنت إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان من حشد هجوم مضاد مشترك من الولايات المتحدة والأمم المتحدة لصد الهجوم الكوري الشمالي على كوريا الجنوبية عام 1950، وإحباط تدخل مسلح من جانب الصين في وقت لاحق في ذلك الصراع. وقد أعادت هذه الحملة الحدود بين الكوريتين إلى ما كانت عليه، رغم أن الثمن البشري كان باهظاً.

وكانت «المهمة الشرطية» الكورية في الأساس هي محصلة جهود الأمم المتحدة لإنفاذ السلام حتى عام 1990، عندما شنّ معتدٍ شرير بشكل غير عادي؛ الرئيس العراقي صدام حسين، عدواناً صارخاً عبر الحدود ضد دولة مجاورة وعضو ذي سيادة في الأمم المتحدة، هي الكويت.

The 164th ordinary session of the Arab League Council at the ministerial level (Arab League)

وأظهرت تلك اللحظة الواضحة أنه من المحتمل القيام بعمل مشترك للمرة الثانية. ومن خلال تفويض واضح من الأمم المتحدة - ودون اعتراض من الاتحاد السوفياتي الذي كان آنذاك في طور الانهيار - أسست أميركا تحالفاً من 35 دولة، وطردت الجيش العراقي من الكويت في وقت قصير.

ومنذ تحرير الكويت في عام 1991، استأنفت الأمم المتحدة سجلها الباهت في دعم المبادئ الأساسية. وأوضحت اثنتان من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهما الصين وروسيا، نيتهما تعديل النظام العالمي الذي تساعدان في رئاسته من الناحية الظاهرية.

ويعد رئيسا القوتين العظميين الصين وروسيا، شي جينبينغ وفلاديمير بوتين، على التوالي، مفسدين داخل النظام. ويسود التقاعس عن اتخاذ أي إجراء حتى في الوقت الذي تتحرك فيه القوى العظمى ضد القوى الصغرى.

المشاركون في اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في كوبنهاغن الجمعة (أ.ف.ب)

وتتعرض أوكرانيا لضغوط شديدة، بعد أن خسرت نحو 20 في المائة من أراضيها لصالح الجيش الروسي. ويهدد كل يوم جيش التحرير الشعبي الصيني بالقضاء على نظام الحكم الذاتي الليبرالي في تايوان، وفي الوقت نفسه ينشر قوات بحرية نظامية وغير نظامية لانتزاع السيطرة على جزر قبالة السواحل ومياه بحرية من جيران الصين في جنوب شرقي آسيا.

والشيء الأسوأ من ذلك، هو أن روسيا والصين دولتان نوويتان كبيرتان، مما يزيد من تعقيد معضلة كيفية الدفاع عن ضحايا العدوان. ويميل عدد قليل من الدول إلى تحدي عدو يمتلك أسلحة نووية؛ ولذا يبدو أن عصر المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس قد عاد مرة أخرى.

لقد حذر المؤرخ الكبير للحرب البيلوبونيسية، وهي الصراع الذي دار في القرن الخامس قبل الميلاد بين تحالفين متنافسين بقيادة أثينا وإسبرطة، من أن القوة تتغلب على العدالة في الشؤون الدولية. فلا يمكن للمرء أن يتوقع العدالة إلا إذا امتلك القدرة - وتحديداً القوة العسكرية - للمطالبة بها.

وقد دفع تدمير الدولة المدينة ميلوس اليونانية (416 قبل الميلاد) على يد أثينا، إحدى القوى العظمى في العالم الإيجي بمنطقة بحر إيجه، ثيوسيديدس إلى التعبير عن هذه البديهية الصعبة في السياسة الدولية.

نائب المندوب الروسي ديميتري بوليانسكي متحدثاً في جلسة لمجلس الأمن بنيويورك (رويترز)

وسواء شاء المرء أو أبى، عادت الدبلوماسية لترتكز على القوة الخشنة. وكما في اليونان القديمة، لا تستطيع الدول الضعيفة التفاوض على اتفاق عادل عندما يملك خصمها المقاتل القوة المسلحة، وقوة الإرادة والإصرار على الإيذاء لفرض مطالبه بالقوة. وتجد هذه الدول نفسها في ورطة ميلوس، وينطبق تحذير ثيوسيديدس من الضعف العسكري بالمثل على المواجهات الحالية التي يشهدها البحر الأسود وغرب المحيط الهادئ.

وإذا لم يعد القانون الدولي يشكل في حد ذاته حاجزاً خاصاً به أمام العدوان عبر الحدود، فإنه سوف تكون هناك حاجة لتحالفات مسلحة تسليحاً جيداً للدفاع عنه، أو المخاطرة برؤية انهيار نظام عالمي مفيد.

واختتم المحلل تقريره بالقول: «إنه لا ينبغي لنا أن نترك أوكرانيا وتايوان وغيرهما من الدول المحاصرة لمصير مماثل لمصير الدولة المدينة ميلوس» التي خضعت لاحتلال أثينا لها.


مقالات ذات صلة

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)
يوميات الشرق «رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

«رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

عثر صبيان في العاشرة من عمرهما على كنز عاطفي نادر: رسالة حب مكتوبة بخط اليد، محفوظة داخل زجاجة، يعود تاريخها إلى عام 1959.

«الشرق الأوسط» (غدانسك )

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
TT

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)

تزايدت حدة القتال على خط المواجهة في شرق أوكرانيا في الأيام الأخيرة بين طرفَي النزاع في الحرب التي دخلت الشهر الماضي عامها الخامس، حسب هيئة الأركان العامة في كييف السبت، حيث يشير تقريرها إلى تصاعد حدة الهجمات الروسية بدءاً من يوم الثلاثاء الماضي. وتردد أن القتال يتركز مرة أخرى في بلدة بوكروفسك بمنطقة دونباس الصناعية، على الرغم من أنه لم ترد تقارير عن أي مكاسب إقليمية لأي من الجانبين، حسبما تناقلته وسائل إعلام دولية.

شخص يحمل طائرة اعتراضية من دون طيار في موقع غير معلن بأوكرانيا (رويترز)

ومن المقرر أن يجتمع المفاوضون الأوكرانيون والأميركيون في الولايات المتحدة، السبت، لمواصلة المحادثات بشأن خطة لوقف إطلاق النار، في ظلّ تعثّر المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بين الطرفين.

وأطلقت أوكرانيا 300 طائرة مسيّرة باتجاه روسيا ليل الجمعة - السبت، في رقم من بين الأعلى منذ بدء النزاع، وفقاً لما أفادت وزارة الدفاع الروسية. وحسب وكالة أنباء «ريا نوفوستي» الرسمية، جرى اعتراض الطائرات المسيّرة من دون تسجيل أي أضرار أو إصابات. وذكر حاكم مدينة روستوف يوري سليوسار أن نحو 90 مسيّرة منها استهدفت منطقة روستوف الحدودية. وأفاد حاكم منطقة ساراتوف في جنوب غربي روسيا بإصابة شخصين جراء هجوم بطائرة مسيّرة ألحق أضراراً بعدد من المنازل.

قوات الطوارئ الأوكرانية تعمل بعد تعرّض بناية سكنية لهجوم روسي في أوديسا الخميس (رويترز)

وأعلن الجيش الروسي، السبت، أنه تمكن من صد هجوم واسع النطاق شنته طائرات مسيرة أوكرانية ليل الجمعة - السبت، مشيراً إلى أنه اعترض 283 طائرة معادية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن منطقة روستوف الجنوبية كانت هدفاً رئيسياً للهجوم. ولم يتم التحقق من صحة هذه الادعاءات من مصادر مستقلة، لكنها تشير إلى حجم الهجوم.

وذكرت تقارير على قنوات «تلغرام» أنه تم استهداف مصنع للنيتروجين في مدينة تولياتي. وتردد أن مصافي النفط في المنطقة الغربية تم استهدافها أيضاً. وأكد مسؤولون وقوع غارة جوية على مبنى شاهق غير مأهول وتحت الإنشاء في مدينة أوفا، التي تبعد نحو 1600 كيلومتر عن الأراضي الأوكرانية. كما تسببت طائرات مسيرة أوكرانية في تعطيل حركة الطيران في عدة مطارات روسية، بما في ذلك مطار بموسكو.

قوت دفاع مدنية في بيلغورود الروسية تطيح بمسيرة أوكرانية قبل أيام (أ.ف.ب)

وفي أوكرانيا قال فياتشيسلاف تشاوس، حاكم منطقة تشرنيهيف بشمال البلاد، إن التيار الكهربائي انقطع عن معظم سكان المنطقة، السبت، عقب هجوم روسي بطائرات مسيّرة. وأضاف أن العمل جارٍ لإصلاح الأضرار. وقبل الحرب، كان عدد سكان المنطقة الواقعة على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا يبلغ قرابة مليون نسمة.

كما ذكر مسؤول أوكراني أن هجوماً روسياً بطائرة مسيّرة على مدينة زابوريجيا أسفر عن مقتل شخصَين على الأقل. وقال الحاكم الإقليمي لزابوريجيا، إيفان فيدوروف، إن رجلاً وامرأة قُتلا وأُصيب طفلان بجروح عندما هاجمت طائرة مسيرة روسية منزلاً خاصاً صباح السبت.

رجال إطفاء أوكرانيون يعملون في مبنى أُصيب بغارة جوية روسية بزابوريجيا الاثنين (رويترز)

وجاء الهجوم قبل محادثات متوقعة أميركية - أوكرانية. ويتوجه وفد من المفاوضين الأوكرانيين إلى الولايات المتحدة السبت، في إطار الاستعدادات لجولة جديدة من محادثات السلام مع روسيا. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، للصحافيين الجمعة، إن المباحثات المرتقبة ستتناول الاتفاقات الجاري العمل عليها بشأن الضمانات الأمنية الأميركية، إلى جانب خطة إعادة إعمار أوكرانيا التي مزقتها الحرب.

صحافية تصور شظايا مسيّرة روسية تحطمت في ساحة الاستقلال بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن تشمل المحادثات برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) لشراء الأسلحة المعروف باسم «بي يو آر إل»، ولا سيما مسألة تزويد كييف بصواريخ مضادة للطائرات من طراز «باتريوت» الأميركي. ومن المقرر أن يقتصر الاجتماع على الجانبَين الأوكراني والأميركي، دون حضور أي ممثلين عن روسيا.

ويقود الوفد الأوكراني أمين عام مجلس الأمن القومي رستم عمروف، ويضم كلاً من رئيس هيئة مكتب موظفي الرئاسة الأوكرانية كيريلو بودانوف، ورئيس الكتلة البرلمانية لحزب الرئيس دافيد أراخاميا، ونائب وزير الخارجية سيرجي كيسليتسيا. أما الجانب الأميركي فسيضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر.

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)

يُذكر أن جنيف استضافت في منتصف فبراير (شباط) الماضي محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية، بهدف إنهاء الحرب التي اندلعت في 24 فبراير (شباط) 2022.

وقد توقّفت المحادثات التي تقام برعاية الولايات المتحدة بسبب الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) إثر ضربات أميركية-إسرائيلية على إيران.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


دييغو غارسيا... قاعدة محورية في توازنات الحرب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
TT

دييغو غارسيا... قاعدة محورية في توازنات الحرب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)

أطلقت إيران صواريخ باتجاه جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، التي تحتضن قاعدة عسكرية استراتيجية مشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، في خطوة أثارت إدانات بريطانية وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن أهمية هذه القاعدة ودورها في الصراع المتصاعد.

وأدانت لندن «الهجمات الإيرانية المتهورة» عقب المحاولة غير الناجحة لاستهداف القاعدة، في وقت لا يزال فيه من غير الواضح مدى اقتراب الصواريخ من الجزيرة الواقعة على بُعد نحو 4 آلاف كيلومتر من الأراضي الإيرانية.

منصة أساسية للعمليات الأميركية

تُعدّ قاعدة «دييغو غارسيا» محوراً أساسياً للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، إذ تصفها واشنطن بأنها «منصة لا غنى عنها تقريباً» للأمن الإقليمي، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».

وتستضيف القاعدة نحو 2500 عنصر، معظمهم من القوات الأميركية، وقد لعبت دوراً محورياً في دعم العمليات العسكرية الأميركية منذ حرب فيتنام، مروراً بالعراق، وصولاً إلى أفغانستان. وفي عام 2008، أقرّت الولايات المتحدة باستخدامها أيضاً في عمليات نقل سرية لمشتبه بهم في قضايا الإرهاب.

وخلال العام الماضي، نشرت واشنطن قاذفات «بي - 2 سبيريت» القادرة على حمل أسلحة نووية في القاعدة، بالتزامن مع حملة جوية مكثفة استهدفت جماعة الحوثي في اليمن.

تردّد بريطاني ثم انخراط محدود

في بداية حرب إيران، رفضت بريطانيا السماح باستخدام القاعدة في ضربات أميركية - إسرائيلية ضد إيران. إلا أن تصاعد الهجمات الإيرانية على دول الجوار دفع لندن إلى تغيير موقفها، لتسمح لاحقاً باستخدام «دييغو غارسيا» وقاعدة بريطانية أخرى في إنجلترا لاستهداف مواقع صاروخية إيرانية، خصوصاً تلك المستخدمة في مهاجمة السفن في مضيق هرمز.

وتؤكد الحكومة البريطانية أن استخدام القواعد يقتصر على «عمليات دفاعية مُحدّدة ومحدودة». في المقابل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن سماح لندن باستخدام قواعدها «يعرّض حياة البريطانيين للخطر»، معتبراً ذلك «مشاركة في العدوان».

وتُحدّد إيران حالياً سقفاً ذاتياً لمدى صواريخها الباليستية عند نحو 2000 كيلومتر، ما يجعل «دييغو غارسيا» خارج هذا النطاق. غير أن مسؤولين أميركيين يشيرون منذ سنوات إلى أن البرنامج الفضائي الإيراني قد يتيح لطهران تطوير صواريخ عابرة للقارات.

أرخبيل متنازع عليه

تقع «دييغو غارسيا» ضمن أرخبيل «تشاغوس»، الذي يضُمّ أكثر من 60 جزيرة في وسط المحيط الهندي. وتخضع هذه الجزر للسيادة البريطانية منذ عام 1814 بعد تنازل فرنسا عنها.

وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي، قامت بريطانيا بتهجير ما يصل إلى 2000 من سكان الجزيرة لتمكين الولايات المتحدة من بناء القاعدة العسكرية، وهي خطوة لا تزال تثير انتقادات واسعة، وفق وكالة «أسوشييتد برس». ودعت الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بريطانيا، إلى إنهاء «إدارتها الاستعمارية» للأرخبيل ونقل السيادة إلى موريشيوس، في ظل تصاعد الضغوط الدولية بشأن هذه القضية.

وبعد مفاوضات طويلة، توصّلت لندن العام الماضي إلى اتفاق مع موريشيوس يقضي بنقل السيادة على الجزر، مقابل استئجار بريطانيا لقاعدة «دييغو غارسيا» لمدة لا تقل عن 99 عاماً.

وترى الحكومة البريطانية أن الاتفاق يضمن مستقبل القاعدة ويحميها من الطعون القانونية، إلا أنه واجه انتقادات داخلية من معارضين حذّروا من أنه قد يفتح الباب أمام تدخلات من قِبل الصين وروسيا. كما طعن بعض سكان «تشاغوس» المهجّرين في الاتفاق، معتبرين أنهم لم يُستشاروا، وأنه لا يضمن حقهم في العودة إلى موطنهم.

خلافات عبر الأطلسي

رغم الترحيب الأولي من الإدارة الأميركية بالاتفاق، غيّر الرئيس دونالد ترمب موقفه في يناير (كانون الثاني)، واصفاً الاتفاق بأنه «عمل غبي للغاية».

كما أثار تردد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في السماح باستخدام القاعدة لضرب إيران استياء ترمب، الذي انتقد لندن بشدة، قائلاً إن المملكة المتحدة «غير متعاونة» في هذا الملف. وفي ظل هذه الخلافات، تم تعليق تمرير الاتفاق بين بريطانيا وموريشيوس في البرلمان البريطاني إلى حين استعادة الدعم الأميركي له.


توجيه تهم إلى إيراني ورومانية حاولا دخول قاعدة غواصات نووية بريطانية

قاعدة «كلايد» البحرية الملكية تقع على ‌الساحل الغربي لاسكوتلندا (أرشيفية - رويترز)
قاعدة «كلايد» البحرية الملكية تقع على ‌الساحل الغربي لاسكوتلندا (أرشيفية - رويترز)
TT

توجيه تهم إلى إيراني ورومانية حاولا دخول قاعدة غواصات نووية بريطانية

قاعدة «كلايد» البحرية الملكية تقع على ‌الساحل الغربي لاسكوتلندا (أرشيفية - رويترز)
قاعدة «كلايد» البحرية الملكية تقع على ‌الساحل الغربي لاسكوتلندا (أرشيفية - رويترز)

ذكرت شرطة اسكوتلندا، اليوم (السبت)، أنه جرى ​توجيه تهم إلى رجل إيراني وامرأة رومانية بعد محاولتهما دخول قاعدة الغواصات النووية البريطانية في اسكوتلندا.

وتم القبض، أول من أمس، على ‌الشخصين، ​اللذين ‌وصفتهما ⁠وسائل ​إعلام بريطانية بأنهما ⁠جاسوسان إيرانيان مشتبه بهما.

يأتي ذلك بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. ورغم ⁠أن بريطانيا لم ‌تشارك ‌في الهجمات على ​طهران، فقد ‌أسقطت قواتها صواريخ ‌وطائرات مسيَّرة إيرانية في منطقة الخليج.

وتقع قاعدة «كلايد» البحرية الملكية على ‌الساحل الغربي لاسكوتلندا، وتعد ذات أهمية كبيرة لأمن ⁠بريطانيا، ⁠إذ تستضيف أسطول الغواصات النووية البريطاني، بالإضافة إلى الغواصات الهجومية.

وقالت شرطة اسكوتلندا إن الرجل الإيراني (34 عاماً) والمرأة الرومانية (31 عاماً)، من المقرر أن يمْثلا أمام ​محكمة ​في دمبارتون في 23 مارس (آذار).