لحسن حداد
كاتب مغربي وهو أستاذ جامعي في التدبير والتواصل والعلوم السياسية والجيواستراتيجيا وإدارة الأعمال. خبير دولي في التنمية والاقتصاد والدراسات الاستراتيجية والثقافية والاجتماعية. نائب رئيس «المنظمة الدولية للتنمية». وزير السياحة الأسبق في الحكومة المغربية. عضو في مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية في البرلمان). رئيس اللجنة المشتركة للبرلمانين الأوروبي والمغربي.
TT

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

استمع إلى المقالة

اعتادَ العالم أن ينظرَ إلى القوة من خلال الجيوش والعتادِ والمعارك والعقائد العسكرية. لكنَّ الأحداثَ الأخيرة، من إغلاق مضيق هرمز في خضم الحرب مع إيران، إلى السّباق المحموم على الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى التنافس المحتدم على المعادن النادرة، بدأت تكشف أنَّ موازينَ القوى العالمية تشهد تحولاً عميقاً نحو منظومة جديدة.

لم تعدِ الجغرافيا السياسية وحدَها هي التي تحرك العلاقاتِ الدولية، بل برزَ ما يمكن تسميته «الجغرافيا الاقتصادية»، بوصفها محدداً رئيسياً للتنافس والصراع. ولا يُقصد بذلك مجرد المصالح الاقتصادية التي كانت دائماً حاضرة، بصورة مباشرة أو ضمنية، في مختلف النزاعات، وإنَّما امتلاك مفاتيح مواقع جغرافية بعينها تكتسب أهمية اقتصادية عالمية، بحيث يصبح التحكم فيها أو في الموارد والبنى التي تحتضنها مصدر نفوذ استراتيجي لا يقل أهمية عن القوة العسكرية، بل قد يفوقها في كثير من الأحيان.

أي إن الجغرافيا لم تعد تُقاس بما تحتويه الأرض فقط، بل بما تعبره من تدفقات، وما تنتجه من تكنولوجيا، وما تتحكم فيه من سلاسل قيمة عالمية.

أصبحت السيطرةُ على التدفقات ذات أهمية قصوى، وربما أكثر من السيطرة على الأراضي. فقد انتقل مضيق هرمز من مجرد مضيق بحري إلى شريان حيوي للطاقة العالمية؛ نقطة عبور ضيقة أصبحت تؤثر في أسعار الطاقة، ومعدلات التضخم، وتسهم في تجدد التقلبات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة وغيرها. وأصبح التحكم في هذه العُقَد الاستراتيجية أكثر أهمية، في كثير من الأحيان، من احتلال الأراضي نفسها. فالقوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على المجال الجغرافي، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في تدفقات الطاقة، والتجارة، والبيانات، وأشباه الموصلات، والمعادن النادرة، وغيرها من الموارد الاستراتيجية.

أما المعركة الثانية فهي معركة الذكاء الاصطناعي والسيادة التكنولوجية. فالحرب الباردة الدائرة بين الصين والولايات المتحدة لم تعد مجرد تنافس اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى صراع على مفاتيح التكنولوجيا التي سترسم موازين القوة في العقود المقبلة. فقد أصبحت أشباه الموصلات، والبيانات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية؛ أصولاً ذات أهمية استراتيجية وجيوسياسية بالغة الحساسية. فمن يمتلك القدرة على إنتاج هذه الصناعات، وبناء هذه البنى التحتية، وامتلاك براءات اختراعها، والتحكم في سلاسل توريدها - وكلها عناصر تقع في صلب إشكالية الجغرافيا الاقتصادية - يتقدم في هذا السباق المحموم. وهذا ما يدفع أوروبا إلى السعي لتقليص اعتمادها على كل من الصين والولايات المتحدة في هذه المجالات. والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ثورة تقنية، بل أصبح يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي نفسه.

وفي السياق ذاته، أصبحت معادن مثل الليثيوم، والكوبالت، والمنغنيز، والعناصر الأرضية النادرة؛ تضاهي في أهميتها النفط في القرن العشرين. ولم يعد الصراع يدور حول امتلاك المواد الخام فحسب، بل حول القدرة على تكريرها، وتصنيعها، والتحكم في سلاسل توريدها، أي في جغرافيتها الاقتصادية وسلاسل قيمتها. وتتربع الصين اليوم على عرش هذه السلاسل، بينما تحتاج الولايات المتحدة، وفق تقديرات عديدة، إلى سنوات طويلة للحاق بها. وقد بدأ السباق على تأمين سلاسل التوريد منذ سنوات، وتسعى الدول الكبرى إلى ضمان وصولها إلى هذه المعادن الحيوية، التي أصبحت أساسية في الصناعات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والفضاء، والطيران، والتقنيات الرقمية، بعيداً عن أي تبعية استراتيجية للآخرين.

وفي المقابل، يتحول الشرق الأوسط تدريجياً من مجرد مصدر للطاقة إلى مركز عالمي للاستثمار، واللوجستيك، والذكاء الاصطناعي. ومن شأن هذا التحول أن يعزز دوره في تأمين سلاسل الإمداد العالمية التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. وبالموازاة مع ذلك، تشهد الواجهة الأطلسية الأفريقية صعوداً متسارعاً باعتبارها فضاءً واعداً للاستثمار في الطاقة، واللوجستيك، والمعادن الاستراتيجية، والصناعات التكنولوجية. ويؤدي المغرب دوراً ريادياً في هذا التحول، إلى جانب دول محورية مثل نيجيريا وكوت ديفوار في غرب أفريقيا، ومصر في شمالها، وكينيا في شرقها، وجنوب أفريقيا في جنوب القارة. ولم تعد هذه الدول مجرد مصدّرة للمواد الخام، بل بدأت تتحول إلى مراكز إقليمية قادرة على الإسهام في أمن الطاقة، وتعزيز سلاسل التوريد، وجذب الصناعات ذات القيمة المضافة. وهنا يتجلى أحد أهم التحولات في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة؛ فالقيمة لم تعد في امتلاك الموارد الطبيعية وحدها، بل في تحويلها إلى قوة صناعية ولوجستية وتكنولوجية.

ولعلَّ هذا هو التحول الأكبر في القرن الحادي والعشرين؛ فالجغرافيا لم تختفِ، لكنَّها غيّرت لغتها. لم تعد تتحدَّث بلغة الحدود، بل بلغة التدفقات، وسلاسل القيمة، والبيانات، والتكنولوجيا. ومن لا يدرك هذا التحول، فسيجد نفسه خارج مراكز صنع القوة في النظام الدولي الجديد.