الحوثيون يوسّعون اقتصاد الجباية والاستيلاء على الأصول

اتهامات للجماعة باستغلال المؤسسات لمصلحة قادتها

عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون اقتصاد الجباية والاستيلاء على الأصول

عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن، تمضي الجماعة الحوثية في توسيع أدواتها المالية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر استحداث رسوم وإتاوات جديدة تستهدف المواطنين والقطاعات الإنتاجية، والثاني في إعادة توظيف الممتلكات العامة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية تدر عوائد لصالح شبكات اقتصادية مرتبطة بقيادات نافذة في الجماعة.

ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس تحولاً في آليات تمويل الجماعة، إذ لم تعد تكتفي بالجبايات التقليدية المفروضة على التجار ووسائل النقل والأسواق، بل اتجهت إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأنشطة الريفية والزراعية، بالتوازي مع الاستحواذ على أصول الدولة وتحويلها إلى مصادر دخل دائمة، في ظل غياب الرقابة والمؤسسات الرسمية.

وفي أحدث حلقات الجبايات، شرعت الجهات التابعة لما يسمى الهيئة العامة لحماية البيئة الخاضعة للحوثيين في محافظتي ريمة وإب بفرض إجراءات ورسوم جديدة على مربي المواشي وأصحاب الحظائر، تحت مبرر تنظيم النشاط الحيواني وحماية البيئة.

تعميم حوثي يلزم مربي المواشي في ريمة بدفع جبايات (فيسبوك)

وذكرت مصادر محلية أن فروع الهيئة أصدرت إشعارات رسمية لعدد من المربين في مديريات السلفية بمحافظة ريمة، ومذيخرة والعدين بمحافظة إب، طالبتهم بالحضور إلى مقارها لاستكمال إجراءات الحصول على تصاريح ودفع رسوم مالية، مع التلويح باتخاذ إجراءات عقابية بحق من يرفض الامتثال.

وتداول ناشطون وثيقة رسمية صادرة عن فرع الهيئة في ريمة تلزم أصحاب المواشي والحظائر بالحصول على تصاريح مسبقة مقابل رسوم مالية، في خطوة وصفها السكان بأنها امتداد لسياسة الجبايات التي تطول مختلف الأنشطة الاقتصادية.

ويرى سكان أن الإجراءات الجديدة لا تستند إلى أساس قانوني واضح، وإنما تأتي ضمن سلسلة من التدابير التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، بعد أن ضمت خلال السنوات الماضية التجار والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة ووسائل النقل والأسواق والخدمات.

عبء جديد

أثارت الرسوم الجديدة موجة استياء واسعة في أوساط مربي المواشي، الذين أكدوا أنها تضيف أعباء مالية جديدة إلى قطاع يعاني أصلاً من ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب على المنتجات الحيوانية.

وقال أحد مربي المواشي في مديرية السلفية بمحافظة ريمة لـ«الشرق الأوسط» إن الجهات الحوثية بدأت بإلزامهم بدفع مبالغ مالية تحت اسم الرسوم البيئية، رغم غياب أي خدمات فعلية تتعلق بحماية البيئة أو دعم الثروة الحيوانية.

وأضاف أن هذه الرسوم تمثل شكلاً جديداً من الإتاوات التي تُفرض بالقوة، محذراً من أن استمرارها سيهدد مصدر رزق آلاف الأسر التي تعتمد بصورة رئيسية على تربية المواشي.

وفي محافظة إب، أبدى سكان مخاوف من أن تمتد هذه الرسوم الحوثية إلى قطاعات وأنشطة أخرى، مؤكدين أن الجبايات المتكررة أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات لتأمين احتياجاتها اليومية.

الحوثيون أرغموا المزارعين على التبرع بالمواشي للجبهات (إعلام حوثي)

وقال «حميد»، وهو اسم مستعار لمزارع من عزلة السارة في مديرية العدين، إن غالبية الأسر في المنطقة تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، وإن فرض رسوم إضافية بالقوة يهدد قدرتها على الاستمرار في العمل الزراعي وتربية المواشي.

كما ناشد مزارع من مديرية مذيخرة بإيقاف هذه الإجراءات، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تكون لدعم القطاعات الإنتاجية وتحسين الظروف الاقتصادية، لا استحداث رسوم جديدة تزيد من معاناة المواطنين.

ويرى اقتصاديون أن استهداف مربي المواشي والمزارعين يعكس انتقال الجماعة إلى مرحلة جديدة من توسيع مصادر الإيرادات، بعد أن أصبحت معظم القطاعات الاقتصادية خاضعة لرسوم وإتاوات متعددة.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار فرض أعباء إضافية على الأنشطة الزراعية والحيوانية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض حجم المعروض من المنتجات، بما ينعكس على أسعار الغذاء والأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعتمد ملايين سكانه على الإنتاج الريفي المحدود.

استثمار المرافق العامة

بالتوازي مع توسيع الجبايات، كشفت مصادر مطلعة في صنعاء عن شروع الجماعة الحوثية في تحويل مساحات تابعة لمرافق ومؤسسات عسكرية إلى مجمعات وأسواق تجارية يديرها مقربون من قيادات نافذة في الجماعة.

وأكدت المصادر أن الجماعة استحدثت خلال الفترة الأخيرة منشآت تجارية داخل محيط عدد من المرافق العسكرية والأمنية، من بينها نادي ضباط الشرطة ومعسكر حرس الشرف، بعد تغيير طبيعة استخدام تلك المواقع.

وقالت المصادر إن هذه الخطوة تمثل امتداداً لعمليات الاستحواذ على ممتلكات الدولة وإعادة توظيفها لتحقيق عوائد مالية تصب في مصلحة قيادات الجماعة.

مقر نادي ضباط الشرطة في صنعاء بعد تأجيره لقيادات حوثية (إكس)

ويمثل تحويل باحة نادي ضباط الشرطة في مديرية الوحدة بصنعاء إلى سوق تجارية أحدث حلقات هذا المسار، إذ أفاد شهود عيان بأن الجماعة بدأت إقامة مبانٍ مسقوفة بألواح الزنك والحديد داخل أجزاء من باحة النادي، تمهيداً لتشغيل سوق تجارية تتبع أحد القيادات النافذة المنحدرة من محافظة صعدة.

كما تحدثت مصادر عن استيلاء أحد النافذين على مساحة أرض كانت تتبع كلية الشرطة، واستُخدمت سنوات طويلة بوصفها مواقف للسيارات، قبل تحويلها إلى استثمار خاص.

وكانت الجماعة قد أقدمت في وقت سابق على تأجير أجزاء من نادي ضباط الشرطة لأحد قادتها، الذي حولها إلى مطاعم ومقاهٍ خاصة، الأمر الذي أثار حينها انتقادات واسعة بوصف ذلك استغلالاً لمرفق حكومي لمصلحة أفراد.

ولا تعد هذه الممارسات الأولى من نوعها، إذ سبق للجماعة أن استولت على أجزاء من معسكر التشريفات، أو ما يعرف بحرس الشرف، الكائن في شارع الزبيري وسط صنعاء، وحولت أجزاء من باحته إلى محلات تجارية.

كما كشفت تقارير سابقة عن اقتطاع أجزاء من دار الرئاسة جنوب العاصمة وتحويلها إلى مشروع تجاري خاص، بعد منح الأرض لما يسمى «الشركة القابضة» التي يشرف عليها المسؤول المالي للجماعة.

وتؤكد مصادر تجارية أن المشروع أُقيم بسرية خلف أسوار المجمع الرئاسي، قبل التخطيط لإزالة السور بعد اكتمال الأعمال، في خطوة هدفت إلى تجنب ردود الفعل الشعبية، خصوصاً أن تلك الأراضي كانت قد خُصصت للمصلحة العامة عند ضمها إلى المجمع الرئاسي.

امتيازات حصرية

وفق مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الجماعة الانقلابية، فإن المشاريع الاستثمارية الجديدة تُمنح لشخصيات مقربة من قيادات حوثية نافذة، وتحصل على امتيازات حصرية بعيداً عن أي منافسة أو إجراءات قانونية.

وأضافت المصادر أن الهدف من تحويل المرافق الحكومية إلى مشاريع تجارية يتمثل في توفير موارد مالية مستمرة لشبكات الجماعة الاقتصادية، عبر السيطرة على الأصول العامة وتغيير طبيعة استخدامها.

ويرى مراقبون أن هذه السياسة تعكس اتجاهاً لتعزيز النفوذ الاقتصادي للجماعة، من خلال السيطرة على المؤسسات الحكومية وتحويلها إلى أدوات استثمارية، بدلاً من استمرارها في أداء وظائفها الأصلية.

شارع فرعي أغلقه الحوثيون بعد السطو عليه في صنعاء (فيسبوك)

ويحذر اقتصاديون من أن جمع الحوثيين بين توسيع الجبايات والاستحواذ على الممتلكات العامة ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وإضعاف ثقة المستثمرين، وتآكل دور مؤسسات الدولة، فضلاً عن حرمانها من أصول كان يفترض أن تبقى مخصصة للخدمة العامة.

كما يرون أن استمرار هذه السياسات يعمق الفجوة الاقتصادية، ويزيد من الضغوط على المواطنين، خصوصاً في ظل استمرار تراجع الدخول وارتفاع معدلات الفقر، واعتماد شريحة واسعة من السكان على الزراعة والرعي والأنشطة الصغيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية.


مقالات ذات صلة

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

حذرت وزير الخارجية اليمنية خلال تحركات من باريس من خطر التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

حذرت منظمة دولية من ألغام وعبوات حوثية مموهة تهدد النازحين في اليمن، مؤكدة تسجيل نحو ثلثي حوادث المتفجرات في تعز، وامتداد المخاطر إلى الطرق الساحلية

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

فرض الحوثيون صناديق تبرعات بالقوة داخل مئات المنشآت التجارية في صنعاء، مع خطة لتوزيع 4 آلاف صندوق إضافي، لانتزاع الأموال من التجار والمواطنين وتمويل أنشطتهم

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
رياضة عربية فرحة لاعبي «الشباب» العماني بالفوز على «شعب حضرموت» (نادي الشباب)

«أبطال الخليج»: «الشباب» العماني يهزم «شعب حضرموت»... و«الزوراء» يتعادل مع «الرفاع»

حقق «الشباب» العماني فوزاً عريضاً على «شعب حضرموت» اليمني بنتيجة 4 / 0، الثلاثاء، ضِمن منافسات الجولة الثالثة بمرحلة المجموعات في «دوري أبطال الخليج».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

أدانت وزارة الخارجية اليمنية بشدة استمرار التدخلات العسكرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في الشؤون الداخلية لليمن، ودورهما في دعم الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (عدن)

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
TT

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)

كثفت الحكومة اليمنية من تحركها الدبلوماسي لمواجهة التصعيد الحوثي، محذرة من تداعيات التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لحصار الجماعة وخاصة في تعز.

وضمن هذه التحركات عرضت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، في العاصمة الفرنسية باريس، على ممثلي وسائل إعلام دولية ووكالات أنباء، وعلى السفراء العرب المعتمدين لدى فرنسا، مستجدات الأوضاع في اليمن، مشيرة إلى تصاعد في الدعم العسكري الخارجي للجماعة الحوثية، إلى جانب الانتهاكات التي تطول المدنيين والبنية التحتية.

وجاءت تحذيرات الوزيرة غداة إعلان وزارة الداخلية اليمنية تحديد هويات 21 خبيراً أجنبياً يعملون مع الحوثيين، بينهم 14 من الحرس الثوري الإيراني و7 من «حزب الله» اللبناني، في اتهام حكومي بمشاركة هذه العناصر في التخطيط وإدارة العمليات العسكرية وتعزيز القدرات القتالية للجماعة.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن وجود هذه العناصر يكشف حجم التدخل الخارجي في القرار العسكري الحوثي، مشيرة إلى أن أدوارها في التخطيط وإدارة العمليات وبناء القدرات العسكرية أسهمت في تصعيد الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، وتهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

تحذيرات إنسانية وأمنية

على الصعيد الإنساني، سلطت الوزيرة الضوء على الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، وما يترتب عليه من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، خصوصاً مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وإغلاق منشآت صحية ورفض فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين والمرضى.

وحذرت من أن استمرار هذه الممارسات يهدد حياة النساء والأطفال والمصابين بالأمراض الخطيرة والمستعصية، ويضاعف معاناة السكان المحاصرين، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين، وفق تقديرات الحكومة، ربع مليون شخص خلال جولة التصعيد الأخيرة.

كما أثارت الزوبة ملف الانتهاكات الحوثية المرتبطة بتجنيد الأطفال وزراعة الألغام المضادة للأفراد بصورة عشوائية ومكثفة، إلى جانب استمرار اختطاف عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي، وما يتعرضون له من انتهاكات بدنية ونفسية قالت إنها أودت بحياة عدد منهم.

وفيما يتعلق بالأمن الإقليمي، قالت الوزيرة إن اعتداءات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتنسيقهم مع تنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، يمثلان تهديداً يتجاوز حدود اليمن إلى الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى حشد التوافق لإدراج الجماعة الحوثية على قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة شبكاتها ومصادر تمويلها ومنابرها التحريضية، واتخاذ خطوات حازمة لوقف تدفق الأسلحة والتقنيات والخبراء إليها.


الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
TT

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

حذرت منظمة دولية متخصصة في نزع الألغام والمتفجرات من تصاعد المخاطر التي تهدد حياة المدنيين في اليمن من جراء العبوات الناسفة والألغام التي تُخفيها الجماعة الحوثية بوسائل تمويه تجعلها تبدو كأغراض يومية، بينها الصخور وقطع الطوب وأوعية حفظ مياه الشرب، مؤكدة أن محافظة تعز سجلت نحو ثلثي حوادث زرع الألغام والمتفجرات الموثقة.

وقالت منظمة «هالو تراست»، في بيان، إن العبوات الناسفة التي تُدفن تحت التربة أو توضع داخل حقائب على جوانب الطرق، أو تُموّه على هيئة أغراض مألوفة، باتت تشكل تهديداً متزايداً للمدنيين، خصوصاً مع تصاعد المواجهات العسكرية وتغير خطوط القتال، وما رافق ذلك من موجات نزوح واسعة من مناطق الاشتباكات.

وأوضحت المنظمة أن التصعيد العسكري الأخير للحوثيين أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت تشير فيه التقارير الإعلامية والبيانات المتاحة إلى بدء عمليات جديدة لزرع الألغام، إلى جانب انتشار الذخائر غير المنفجرة على امتداد طرق النقل الحيوية وممرات وصول المساعدات الإنسانية.

موجات النزوح من جراء العدوان الحوثي دفعت مئات الآلاف من اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم (إعلام محلي)

وقال أندرو مور، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن تغير خطوط المواجهة واضطرار المدنيين إلى مغادرة منازلهم باتجاه مناطق لا يعرفون تضاريسها وطرقها يجعلانهم أكثر عرضة للتفجيرات الناجمة عن المتفجرات المخفية.

وشدد مور على أهمية مواكبة عمليات المسح وإزالة الألغام للتطورات الميدانية، محذراً من أن تأخر التعامل مع هذه المخاطر يضاعف احتمالات سقوط ضحايا بين المدنيين الفارين من القتال.

تعز في الصدارة

وفقاً للبيانات التي أوردتها المنظمة، يتركز نحو ثلثي حوادث زرع الألغام المسجلة في محافظة تعز، التي تشهد مواجهات متواصلة على جبهاتها، بالتزامن مع الحصار المفروض على عاصمتها والقيود التي تطول حركة السكان والإمدادات.

وأشارت التقارير إلى العثور على ألغام مضادة للأفراد وأخرى للمركبات على طرق حيوية يستخدمها السكان في مديرية جبل حبشي، فضلاً عن بلاغات بشأن عبوات ناسفة متنوعة وأخرى مموهة في منطقة التربة، ما يهدد سلامة المدنيين الذين يعتمدون على هذه الطرق للتنقل والفرار من مناطق المواجهات.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع اتساع حركة النزوح في المحافظة، التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من القتال، بينما أدت الاشتباكات وقطع الطرق الرئيسية إلى عرقلة وصول المواد الغذائية والخدمات الطبية، فضلاً عن تضرر منشآت المياه والبنية التحتية الحيوية.

وبحسب الأمم المتحدة، اضطر أكثر من 300 ألف يمني إلى مغادرة منازلهم منذ أغسطس (آب) الماضي، ويقيم أكثر من نصفهم في محافظة تعز، التي تقع مناطق واسعة منها على خطوط المواجهة. ويواجه النازحون مخاطر إضافية خلال انتقالهم عبر طرق وممرات قد تكون مزروعة بالألغام أو ملوثة بمخلفات الحرب.

العبوات الناسفة الحوثية المموهة تهدد المدنيين الفارين من مناطق القتال (إعلام محلي)

ولا تقتصر المخاوف على تعز، إذ تتزايد معدلات النزوح في جنوب اليمن وغربه، حيث تجاوز عدد الفارين من القتال 42 ألف شخص، وفق البيانات التي أوردتها المنظمة.

وأثارت تقارير عن زرع ألغام أرضية على امتداد ممرات النقل الساحلية في منطقة باب المندب والساحل الغربي مخاوف من اتساع نطاق التهديد، خصوصاً أن هذه الطرق تمثل مسارات حيوية لحركة المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وتتداخل هذه المخاطر مع حركة الهجرة القادمة من القرن الأفريقي؛ إذ وصل أكثر من 134 ألف شخص إلى اليمن خلال سبتمبر (أيلول) 2026، وفق البيان، وكان كثير منهم يسعون إلى الوصول إلى دول الخليج، الأمر الذي يعرّض أعداداً إضافية من الأشخاص لمخاطر المتفجرات عند سلوك طرق غير مألوفة.

وتأتي هذه التطورات في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، إذ تقدر خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 18.3 مليون يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.

إزالة الألغام

في سياق جهودها، قالت «هالو تراست» إنها تعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود على إزالة الألغام والمتفجرات ومساعدة المجتمعات المتضررة من النزاعات على استعادة حياتها، مشيرة إلى أن انتهاء المعارك لا يعني زوال مخاطر الحرب، إذ تظل الأراضي الملوثة بالمتفجرات عائقاً أمام عودة السكان وممارسة أنشطتهم اليومية.

نحو ثلثي حوادث الألغام والمتفجرات المسجلة تركزت في محافظة تعز (إعلام محلي)

وأضافت أن وجود الألغام يحرم العائلات من زراعة أراضيها ورعي مواشيها، ويجعل أنشطة أساسية، مثل الذهاب إلى المدارس وجلب المياه، محفوفة بالمخاطر، مؤكدة أن استعادة الأمان في المناطق المتضررة شرط أساسي لعودة الحياة الطبيعية.

وأوضحت المنظمة أنها تعتمد على توظيف وتدريب رجال ونساء من المجتمعات المحلية للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، بما يوفر لهم دخلاً يساعدهم على إعادة بناء حياتهم، من خلال شراء الماشية وزراعة المحاصيل وإطلاق مشروعات صغيرة.

وتحذر المنظمة من أن استمرار زراعة الألغام وانتشار الذخائر غير المنفجرة، بالتزامن مع موجات النزوح وتغير خطوط المواجهة، يوسع دائرة الخطر على المدنيين، ويجعل الطرق التي يسلكونها بحثاً عن الأمان مصدراً جديداً للتهديد.


صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
TT

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

حوّلت الجماعة الحوثية الأسواق والمنشآت التجارية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء إلى منافذ جديدة لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر حملة جباية وإكراه تستهدف مئات الشركات والمؤسسات والمتاجر والمطاعم والمراكز التجارية، بإجبار أصحابها على وضع صناديق تبرعات داخل منشآتهم، وانتزاع الأموال من التجار والمواطنين تحت لافتة دعم «المجهود الحربي» وأسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها في الجبهات، وفق مصادر محلية وتجارية.

وتكشف الحملة، التي انطلقت مطلع الأسبوع، عن مساعٍ حوثية لتوسيع مصادر التمويل القسري وتعويض الخسائر البشرية والعسكرية، من خلال تحميل القطاع الخاص والسكان أعباء استمرار الحرب، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المعيشية وتتراجع قدرة المؤسسات التجارية على مواصلة أنشطتها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة ومشرفيها استهدفوا منشآت تجارية في عدد من مديريات صنعاء، وأجبروا أصحابها، تحت الضغط والتهديد، على استقبال صناديق مخصصة لجمع الأموال، بالتزامن مع تحركات ميدانية لحث التجار والزبائن على إيداع مبالغ مالية فيها.

جانب من إطلاق الحوثيين حملة تبرع سابقة لدعم المجهود الحربي (إعلام حوثي)

وأضافت أن الجماعة ألزمت عناصرها بالمرور يومياً على المحال والمنشآت لجمع الأموال المودعة في الصناديق، قبل نقلها إلى حسابات مصرفية خاصة بكبار قادتها، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الحملة لا تقتصر على جمع التبرعات، بل تتضمن فرض التزامات مالية وممارسة ضغوط مباشرة على أصحاب الأنشطة التجارية.

320 صندوقاً في يومين

في مؤشر على اتساع الحملة، وزعت الجماعة الحوثية أكثر من 320 صندوق تبرع على مؤسسات القطاع الخاص في عدد من المديريات خلال اليومين الأولين، مشيراً إلى أنها تعتزم توزيع نحو 4 آلاف صندوق إضافي خلال الأيام المقبلة، لتشمل بقية مناطق العاصمة وضواحيها.

وتزامن ذلك مع شكاوى تجار من اقتحام مشرفين وعناصر حوثية متاجرهم حاملين صناديق التبرعات، وإجبارهم تحت تهديد السلاح على وضعها داخل محالهم، من دون استئذان أو الحصول على موافقتهم.

وقال تجار إن الجماعة لم تكتفِ بفرض الصناديق، بل ألزمت أصحاب المنشآت والعاملين فيها بدعوة الزبائن إلى التبرع، محذرة من اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحال التي تُفتح صناديقها وتظهر خالية من الأموال، في مسعى لتحويل التجار إلى أدوات لتحصيل الجبايات من المواطنين.

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد شوارع صنعاء (فيسبوك)

ويقول «رمزي»، وهو اسم مستعار لمالك متجر في أحد أحياء صنعاء، إن مشرفين حوثيين أجبروه على وضع صندوق داخل محله تحت ذريعة دعم الجبهات وأسر قتلى الجماعة وجرحاها، موضحاً أن عناصرها يمرون بصورة متكررة لجمع الأموال، من دون أن يكون له حق الاعتراض أو رفض وجود الصندوق.

ويضيف أن تهديدات المشرفين ومراقبتهم المستمرة تدفعانه أحياناً إلى وضع مبالغ مالية من ماله الخاص داخل الصندوق، تفادياً لتحميله مسؤولية عزوف الزبائن عن التبرع أو إخضاعه لإجراءات عقابية، إذ بات خلو الصندوق من الأموال سبباً كافياً للمساءلة والضغط عليه.

الجماعة الحوثية تطلب التبرع بالأموال رغم اتساع رقعة المجاعة (الشرق الأوسط)

وفي ضواحي صنعاء، يشكو صاحب مطعم، طلب عدم نشر اسمه، من تحول الحملة إلى وسيلة إضافية لابتزاز أصحاب المنشآت، قائلاً إن المشرفين الحوثيين لا يكتفون بفرض الصناديق، وإنما يمارسون ضغوطاً على أصحاب المطاعم والعاملين فيها لدفع مبالغ إضافية، رغم تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.

أما «سعيد»، وهو أحد سكان صنعاء، فيرى أن الجماعة تسعى إلى تحويل ما تبقى من الأسواق والمتاجر إلى منافذ دائمة لتحصيل الأموال من المواطنين، مشيراً إلى أن السكان باتوا محاصرين بحملات التبرع والجبايات المتلاحقة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.