سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5266350-%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%84%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9
سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»
في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)
في «مدارس الفلاح» بجدة التاريخية، حيث تعلّمت أجيال كتابة حروفها الأولى، تُكتب سيرة المدينة من جديد؛ هذه المرة بلغة الفن. هنا تفتتح الفنانة السعودية سارة العبدلي معرضها «مهد الأسطورة»، في تجربة تنبش طبقات جدة العميقة، وتعيد صياغتها بوصفها ذاكرةً حيّةً تتشكَّل بين ما يُروى وما يُعاش، بين الحكاية المتوارثة والتجربة الشخصية.
في هذا الفضاء المثقل بالذاكرة، لا يبدو المعرض استعادةً للمكان بقدر ما هو امتداد طبيعي لمسار فني طويل ظلَّ مشغولاً بسؤال الهوية. تنطلق العبدلي من علاقتها المتجذرة بالمدينة، حيث يتداخل الانتماء مع التجريد، وتتحوَّل جدة إلى مادة فنية تُقرأ وتُعاد كتابتها في آن. داخل هذا السياق، تتقاطع التجربة الذاتية مع السرديات الجمعية، لتظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحوُّل بأثر مَن عاشوه، ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.
في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)
داخل المعرض، تتنوع الأعمال بين الرسم والطباعة والنسيج، في تجربة بصرية تقوم على التكثيف والتجريد. غير أنَّ هذا التنوع لم يكن خالياً من التحديات، إذ تقول سارة العبدلي لـ«الشرق الأوسط»: «إن التحدي الأكبر هو دمج كل تلك العناصر المختلفة ضمن رؤية واحدة، في عملية تبدأ بتعدد الأفكار قبل أن تنحصر تدريجياً في مجموعة مختارة من الأعمال».
ولا ينفصل هذا الاشتغال عن المكان، حيث يكتسب موقع «مدارس الفلاح» حضوره بوصفه جزءاً من التجربة نفسها. فالمبنى، الذي يعدُّ من أقدم المدارس النظامية في جدة، شكَّل نقطة تحوُّل في تاريخ التعليم بالمدينة، وأسهم في صياغة وعيها الاجتماعي والثقافي، ليبقى حتى اليوم أحد أبرز رموز الذاكرة الجمعية. هذا البُعد التاريخي يفتح المعرض على طبقات إضافية من المعنى، حيث تتجاور الحكايات التعليمية مع السرديات الفنية في فضاء واحد.
الفنانة سارة العبدلي (حافظ غاليري)
وترى العبدلي أنَّ الموقع يتجاوز كونه مساحة عرض، قائلة: «مكانته الرمزية جزء من حوار عميق تفتعله الأعمال الفنية». وتضيف أنَّ «المعرض يستهل مفهوم الأسطورة عبر أعمال تتناول مرقد أمنا حواء، وسبب تسمية مدينة جدة، في استحضار لبدايات الحكاية التي لا تزال حاضرةً في الوعي الجمعي».
غير أنَّ «مهد الأسطورة» لا يكتفي بالعودة إلى الروايات المتوارثة، بل ينطلق أيضاً من تجربة شخصية شكَّلت نقطة تحوّل في نظرة الفنانة إلى المدينة. تقول العبدلي: «الذاكرة الشخصية هي وقود كل الأعمال»، مشيرة إلى أنَّ فقد والدها، وارتباطه بالدفن في موقع يُنسب إلى أمنا حواء، فتحا أمامها أسئلةً حول تاريخ الموت في جدة والحجاز، والطقوس المرتبطة به، والفارق بين الحقيقة التاريخية والأسطورة.
من هنا، بدأت جدة تظهر في أعمال العبدلي بوصفها أكثر من مكان؛ بوصفها مدينةً حاضنةً، وملاذاً للمرتحلين عبر الأزمنة. توضح: «دفعتني هذه التجربة لأن أرى جدة من منظور الأم الحاضنة، وأيضاً كتلك المدينة التي تمثّل مأوى للمرتحلين... فهي إما مقصد أو بوابة للعبور».
جدة تظهر في أعمال العبدلي بوصفها أكثر من مكان مدينةً حاضنةً وملاذاً للمرتحلين عبر الأزمنة (حافظ غاليري)
تنعكس هذه الرؤية في أعمال تحمل إشارات شخصية خفية، من بينها «صمود العنقاء» الذي يستعيد تفاصيل من منزل جدها، وما يرتبط به من إحساس بالفقد، إلى جانب مجموعة «احترق بيتي ولم يبق منه سوى أسطورة»، التي تعود إلى بدايات علاقتها بجدة التاريخية، وما شهدته من تحولات وغياب لبيوت كانت جزءاً من الذاكرة.
تتنوع الأعمال بين الرسم والطباعة والنسيج (حافظ غاليري)
ويمتد هذا الاشتغال إلى مستوى الحرفة، من خلال تعاونات مع حرفيِّين، من بينهم مختصون في فن الخيامية من القاهرة. تجربة تصفها بأنَّها «محفوفة بالمخاطر، ولكنها تكللت بالنجاح»، لما أتاحته من حوار بين خبرة الحرفي ورؤية الفنان، في تلاقٍ يعيد طرح الحرفة بوصفها حاملاً للذاكرة الثقافية.
ورغم كل هذه الطبقات، فإَّن العبدلي تختزل تجربة المعرض في شعور واحد، تختصره في كلمة واحدة، وهي «الانتماء». شعور يبدو حاضراً في كل تفصيلة، من اختيار المكان إلى طبيعة الأعمال، حيث تعود جدة لتُروَى من جديد، لا بوصفها حكايةً منتهيةً، بل بوصفها ذاكرةً مفتوحةً.
انتقلت باكستان إلى مرحلة متقدمة من استعداداتها وتحضيراتها لمعرض «إكسبو 2030 الرياض»، بعد توقيعها عقد مشاركتها رسمياً فيه، لتبدأ بتطوير جناحها وبرامجها وتجاربها.
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
توّج مهرجان البحرين السينمائي الفنانة المصرية يسرا بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» خلال حفل افتتاح دورته السادسة، الذي أقيم الخميس، بحضور وزير الإعلام البحريني الدكتور رمزان بن عبد الله النعيمي، وعدد من الشخصيات الفنية البحرينية ونجوم السينما العربية.
وظهرت الفنانة يسرا بإطلالة لافتة، وقالت خلال تسلمها الجائزة: «لقد مضى على حياتي الفنية 50 سنة من عمري وأنا أحب الفن وأقدره، والحب الذي بيني وبينكم وبين كل الناس في جميع أنحاء العالم كان وراءه الفن». وأضافت: «أشكركم لأنكم تمنحونني جائزة على مدى الحياة، وقد شرفت أنني تعاملت مع أهم المخرجين والفنانين في تاريخ الفن المصري والعربي، وحقيقة لم أشعر بمُضي هذه السنوات، لكنني أؤكد لكم أنني أعيش بمحبتكم ومساندتكم».
وعبّرت يسرا عن سعادتها بالتكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بسعادة كبيرة لهذا التكريم وتزداد سعادتي أن يحظى الفن في الوطن العربي بتقدير كبير، وأن تكون قيمته كبيرة لدى الجمهور، وأشكر مهرجان وجمهور البحرين، وأقدر كثيراً الرقي والذوق الذي يتعاملون به».
ويأتي تكريم «البحرين السينمائي» ليسرا، بحسب المهرجان، احتفاء بمسيرة فنية ممتدة رسّخت حضورها في السينما العربية، وجعلتها واحدة من أبرز نجمات الشاشة على مدى عقود، وتقديراً لأعمالها الفنية التي اتسمت بالتنوع والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، واستمراراً لحضورها الفني على مدى أجيال متعددة، وطرحها أفلاماً لامست قضايا المجتمع والإنسان.
كما شهد حفل الافتتاح تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي، ومنحه جائزة «الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية» تقديراً لدوره في تأسيس «نادي البحرين للسينما» قبل أكثر من نصف قرن، ما وفّر مساحة للحوار عبر أجيال تفاعلت مع الفن السابع، وهو النادي الذي يقيم مهرجان البحرين السينمائي سنوياً.
تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي (وكالة أنباء البحرين - بنا)
وتشهد الدورة السادسة التي تقام خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مشاركة نحو 90 فيلماً، تُعرض عبر عدد من المسابقات، تختص إحداها بالأفلام البحرينية، وأخرى بالأفلام الوثائقية، إلى جانب مسابقة أفلام الطلبة ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة التي تشهد مشاركات عربية، من بينها الفيلم المصري «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، والفيلم اللبناني «لآخر رقصة» للمخرجة نور عقيقي، والفلسطيني «منع أمني» للمخرج تامر شوامرة، والسوري «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، والمغربي «حدائق الجنة» للمخرجة صونيا الطراب.
وعَد الناقد السينمائي البحريني أسامة الماجد تكريم يسرا «هو تكريم لؤلؤة السينما العربية» وفق وصفه، مؤكداً أنها استحقت هذا الاحتفاء نظير ما قدّمته من أعمال خالدة وأدوار ما زالت عالقة في أذهان المشاهد العربي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هي فنانة تمتلك حضوراً خاصاً وقدرة على منح شخصياتها حياة تبقى معنا طويلاً، وتكريمها تقديراً لمسيرة ثرية بالعطاء والإبداع».
كا عَد تكريم البحريني نادر المسقطي وفاءً مستحقاً لأحد رموز الإبداع والثقافة السينمائية وأحد الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس الوعي بالفن السابع وترسيخ حضوره، عاداً أنه أمر مهم أن يحتفي المهرجان بمن وضعوا اللبنات الأولى لهذه المسيرة.
وأشار إلي أن «البحرين السينمائي» يواصل ترسيخ مكانته بخطوات واثقة، وأن كل دورة تحقق تقدماً ملموساً عن سابقتها، سواء في عدد الأفلام المشاركة وجودتها، أو في تنوع الفعاليات واتساع آفاق اللقاء بين المبدعين.
ويرى الماجد أن «الورش التي يقيمها المهرجان تمنحه قيمة معرفية مهمة، وتفتح أمام الشباب مجالاً للتعلم والحوار والاحتكاك بأصحاب الخبرة، وتجعله مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التجارب وتطوير أدوات صناعة الفيلم، وأن المهرجان يحضر بقوة على خريطة المهرجانات السينمائية العربية».
حضور عربي لافت في افتتاح «البحرين السينمائي» (وكالة أنباء البحرين - بنا)
فيما يرى الناقد المصري خالد محمود أن تكريم يسرا بمهرجان البحرين بمثابة حصاد لمشوار سينمائي قطعته بإصرار ونجاح، ومسيرة استثنائية لفنانة تركت أثراً في السينما المصرية والعربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «يسرا قدّمت أدواراً أثقلت تجربتها مع كبار مخرجي وفناني السينما المصرية بأعمال مهمة، على غرار أفلامها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، ومع الفنان الكبير عادل إمام، الذي شاركته البطولة في أفلام عديدة سياسية وكوميدية»، مؤكداً أنها «لا تزال تواصل حضورها الفني بنفس الإصرار والحماس».
وبدأت يسرا مسيرتها الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر أدوار البطولة في أفلام «فتاة تبحث عن الحب»، و«قصر في الهواء» و«شباب يرقص فوق النار»، ولقبت في ذلك الوقت بـ«نجمة أفلام العلب»، بعد أن ظلّت أفلامها حبيسة العلب بعد تصويرها لعدة سنوات، لتنطلق مسيرتها بعد ذلك بأدوار لافتة، من بينها «الإنسان يعيش مرة واحدة» أمام الفنان عادل إمام، وإخراج سيمون صالح، و«لا تسألني من أنا» أمام الفنانة الراحلة شادية وإخراج أشرف فهمي، و«الصعاليك» إخراج داوود عبد السيد، وتواصلت أفلامها مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر»، و«إسكندرية نيويورك».
فنان الخط العربي مصطفى خضير يترك فرشاته ويغادرhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5338368-%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%AE%D8%B6%D9%8A%D8%B1-%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D9%81%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D9%88%D9%8A%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%B1
رحل صباح الجمعة الخطاط والفنان المصري الدكتور مصطفى خضير البورسعيدي، عن عمر ناهز 77 عاماً، مخلفاً حالة من الحزن في الأوساط الثقافية والفنية، وبين محبي هذا الفن وأبناء المدينة التي حمل اسمها وارتبط بذاكرتها.
وترك الراحل وراءه تجربة فنية وتعليمية ثرية ارتبطت بفن الخط العربي، وامتدت من مدينته بورسعيد (شمال مصر) إلى منصات فنية وثقافية محلية ودولية.
وعلى امتداد مسيرته، تعامل خضير مع الحرف العربي بوصفه إرثاً حضارياً وجمالياً تتجاوز قيمته حدود الكتابة؛ فكرس موهبته لاستكشاف طاقاته التشكيلية، وإبراز ما يختزنه من جماليات، ونقل أسرار هذا الفن العريق إلى أجيال من التلاميذ ومحبيه، ليترك بصمة تجمع بين الإبداع الفني والعطاء التعليمي.
ويقول الفنان إبراهيم بدر مدير إدارة الخطوط بالتلفزيون المصري وصديق الفنان الراحل: «لم يكن مصطفى خضير اسماً عابراً في عائلة ارتبط تاريخها بالخط العربي، ولا مجرد امتداد لتجربة فنية عريقة؛ فقد استطاع أن يصوغ لنفسه حضوراً خاصاً، مستنداً إلى معرفة دقيقة بأصول الكتابة العربية، وموهبة في تطويع الحروف داخل تكوينات فنية تجمع بين جماليات الخط والزخرفة».
وولد مصطفى خضير في بورسعيد في الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1949، ونشأ في بيت تشكلت ملامحه حول الفن، وتعلم أصول الخط العربي على يد شقيقه الأكبر شيخ الخطاطين مسعد خضير، الذي يعد أحد أبرز رموز هذا الفن في مصر، وحصل على جائزة الدولة التقديرية، وأسهم في تأسيس مدارس خضير البورسعيدي التي امتدت أنشطتها إلى محافظات عدة.
و«كان انتماء مصطفى إلى هذه الأسرة الفنية مسؤولية بقدر ما كان امتداداً لتراثها؛ فقد حمل اسم (خضير) الذي يحظى بمكانة خاصة في بورسعيد، لكنه حرص على أن يضيف إلى تاريخ العائلة تجربته وإسهاماته، من خلال مسار جمع بين الممارسة الفنية والتعليم والمشاركة في المحافل المتخصصة» بحسب بدر.
من أعمال الفنان الراحل (الشرق الأوسط)
و تابع: «تضم الأسرة عدداً كبيراً من الفنانين الذين توارثوا الاهتمام بالخط والتشكيل والنحت عبر أجيال متعاقبة، وهو ما منح البيئة التي نشأ فيها الفنان خصوصية انعكست على تكوينه ورؤيته».
ويستعيد الفنان إبراهيم بدر ملامح هذه التجربة من زاويتين متداخلتين، فنية وإنسانية، قائلاً إن مصطفى خضير كان من الخطاطين الذين أتقنوا التعامل مع مختلف أنواع الخطوط، وامتلك قدرة لافتة على الانتقال بينها من دون أن يفقد خصوصية أسلوبه.
ويشير بدر إلى أن الراحل كان ينظر إلى الخط العربي باعتباره فناً مركزياً في الثقافة البصرية العربية، لما ارتبط به تاريخياً من زخرفة المساجد والقصور، وكتابة المخطوطات والكتب، ونسخ المصاحف.
وكان يؤمن بأن هذا الفن يستحق مكانة رفيعة بين الفنون، لما يجمعه من دقة تشكيلية وثراء روحي وتاريخي، وهي رؤية انعكست على أعماله التي تعامل فيها مع الحرف بوصفه عنصراً جمالياً قادراً على بناء لوحة متكاملة.
وفي أعماله برز اهتمام خاص بالخط الفارسي والديواني، إلى جانب خط الثلث، وهي أنماط تتطلب معرفة عميقة بتوازن الحروف والنسب والتكوينات، وقدرة على ابتكار علاقات بصرية لا تفقد النص وضوحه.
وكانت الزخارف الإسلامية والعربية والفارسية حاضرة في كثير من أعماله، تتداخل مع الكتابة وتحيط بها في تناغم لوني وتشكيل مدروس.
الخط العربي مساحة للتعبير عن الهوية والجمال (الشرق الأوسط)
واستخدم الفنان الراحل الأحبار والألوان الذهبية والجواش، مستفيداً من تنوع الخامات في إثراء السطح التشكيلي، مع ميل إلى الألوان الهادئة والمبهجة، ومن بينها درجات الأخضر والفيروزي والأبيض.
وقد منحت هذه الاختيارات أعماله طابعاً بصرياً يتسم بالصفاء، ويكشف عن حساسية في التعامل مع اللون لا تقل أهمية عن مهارته في رسم الحروف.
أما عن الجانب الإنساني فيشير إليه صديق الفنان الراحل قائلاً: «أطلقت عليه لقب حبيب الملايين؛ لأنه كان بالفعل قريباً من الناس، وفناناً كبيراً يستحق هذا اللقب. لقد فقدنا قيمة وقامة فنية مهمة في مصر والمنطقة العربية».
و لم يقتصر اهتمامه على الخط العربي بمعناه التقليدي، بل امتد إلى الموروث الشعبي للمدينة، وفي مقدمته دمية «اللمبي» التي ارتبطت بذاكرتها منذ عام 1917، بوصفها رمزاً للسخرية من الوجود البريطاني وممارساته الاستعمارية.
وبالتعاون مع شقيقه الفنان التشكيلي محسن خضير أسهم مصطفى في تطوير هذا التقليد، عبر ابتكار دمى تجسد شخصيات وأحداثاً وظواهر شغلت الرأي العام، وتقديمها في عروض ساخرة تحمل دلالات نقدية واجتماعية.
وعلى امتداد مسيرته، ظل التعليم أحد أهم المسارات التي منحها الراحل اهتماماً خاصاً؛ فقد عمل مدرساً للخط العربي في مدارس بورسعيد ودمياط، وشارك في تقديم المحاضرات والورش الفنية في عدد من المؤسسات التعليمية.
كما امتدت خبرته إلى المملكة العربية السعودية، حيث حاضر وقدم خبراته في مدارس ومؤسسات فنية بمكة المكرمة، ولم يكن يتعامل مع نقل المعرفة باعتباره واجباً مهنياً فحسب، بل كان يراه امتداداً طبيعياً لعلاقته بالفن، ووسيلة لضمان استمرار هذا التراث.
من أعمال مصطفى خضير في الخط العربي (الشرق الأوسط)
وشارك مصطفى خضير في عدد من المحافل الفنية المحلية والدولية، من بينها ملتقى مجمع الملك فهد لأشهر خطاطي المصحف الشريف عام 2011، ومهرجان تلمسان الدولي بالجزائر، وملتقى الشارقة للخط العربي. وأقام معارض في بورسعيد والإسماعيلية والشرقية والعريش والقاهرة، وقدم أعماله في دار الأوبرا المصرية، إلى جانب وجود مقتنيات فنية له في مؤسسات ثقافية بالمملكة العربية السعودية.
وحظيت تجربته بتقدير في الأوساط المعنية بالخط العربي في العالم العربي، وكان من أبرز محطات هذا التقدير تكريمه في احتفالية أقيمت بمكة المكرمة، وهي جائزة ظل يعتز بها، لارتباطها بالمكانة الروحية للمدينة المقدسة.
القسطنطينية وإسطنبول... مدينة واحدة وأوجه متعددة في معرض لندنيhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5338365-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B7%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D9%88%D8%AC%D9%87-%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86%D9%8A
القسطنطينية وإسطنبول... مدينة واحدة وأوجه متعددة في معرض لندني
جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
كيف يمكن أن تروي قصة تطور مدينة خلال 1000 عام، وتختصر محطات التاريخ في معرض محدود؟ هذا ما يحاول متحف «فيكتوريا وألبرت» في لندن فعله من خلال معرض «من القسطنطينية إلى إسطنبول: مدينة واحدة وإمبراطوريتان» الذي يفتح أبوابه للزوار السبت 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
المهمة صعبة وهي دمج التاريخ والفن والدين والسياسة والحياة الاجتماعية في مكان واحد. يحاول المعرض فعل ذلك، ويدعم العرض بقطع تاريخية نادرة بعضها لم يُعْرض من قبل، وأخرى مستعارة من مؤسسات أجنبية.
البداية
عند دخول المعرض، نقف أمام عرض غامر وحيّ لمدينة إسطنبول اليوم، ببناياتها المميزة وأمواج البسفور وأصوات حركة الشارع، اللقطة جميلة ومختارة بعناية لإدخال الزائر مباشرة في جو المدينة، وتعده لاستكشاف جوانبها المختلفة.
يغوص المعرض في التفاصيل التاريخية، ويبدأ منذ تأسيس المدينة وتغير اسمها على مر العصور من «روما الجديدة» وهو الاسم الذي أطلقه الإمبراطور قسطنطين الأول في عام 330 ميلادياً، سرعان ما أصبح الاسم المتداول للمدينة هو «القسطنطينية» أما اسم «إسطنبول» فكان مستخدَماً شعبياً لقرون طويلة إلى جانب أسماء أخرى قبل أن يصبح الاسم الرسمي للمدينة في عهد الجمهورية التركية عام 1930.
نمر من خلال رسومات تصور تفاصيل المدينة وأسوارها القديمة إلى ميدان سباق الخيل (الهيبودروم)، المركز الاجتماعي والسياسي للمدينة وما تبقى منه في هيئة تمثال إوزة برونزي، وهي من القطع القليلة الباقية من مضمار الخيل إلى جانب الأحصنة البرونزية الشهيرة المرتبطة بواجهة كاتدرائية القديس مرقس في البندقية والعمود الثعباني الموجود حالياً في أحد ميادين إسطنبول.
من السماء للأرض
لا يمكن الحديث عن تاريخ مدينة إسطنبول دون الحديث عن تأثير الدين على الثقافة والفن والمعمار، فنرى بعض الأيقونات ومجسم بديع من الكريستال الصخري يحتضن تمثالاً صغيراً للسيدة مريم العذراء، وغيرها من القطع. يستعرض المعرض التغييرات التي طالت الرسومات الدينية من التصويرية إلى الرمزية. ونرى ذلك في صور لآيا صوفيا، التي تحولت من كنيسة لمسجد بعد الفتح العثماني. بحسب العرض، احتفى العثمانيون بآيا صوفيا لمعمارها المتميز وتاريخها. في عام 1847 استعان السلطان عبد المجيد الأول بمعماريين من أوروبا هما غاسباري فوساتي وجوزيبي فوساتي لترميم المبنى، ومن خلال الرسومات التي أعدها الاخوان فوساتي تمكن الجمهور الغربي من رؤية آيا صوفيا من الداخل للمرة الأولى، وأسفرت أعمال الترميم عن الكشف عن عدد من الفسيفساء البيزنطية التي كانت مغطاة، من بينها صور للسيدة العذراء.
نرى آيا صوفيا هنا ليست فقط كمبنى أيقوني، بل أيضاً كمثال أثّر في التطوير المعماري للمباني المختلفة في المدينة خصوصاً المساجد.
لوحة تصور مسجد آيا صوفيا من الداخل تعود لعام 1852 (الشرق الأوسط)
في قسم «مدينة واحدة وأديان عدة» نرى عدد المخطوطات والمصاحف وقطعاً أخرى تتحدث عن مدينة احتضنت الأديان المختلفة. من القطع مصحف يعود للمدة ما بين عام 1650 إلى عام 1700 من مقتنيات المتحف إلى جانبه تعرض لوحة خزفية تصور الكعبة المشرفة والحرم المكي، وصندوق هائل الحجم من الخشب والعاج والصدف مصمم لحفظ مصحف من أجزاء عدة، نعرف أنه صنع تحديداً لصالح مكتبة السلطان محمود الأول في جامع آيا صوفيا.
لوحة من الخزف تصور الحرم المكي (الشرق الأوسط)
فخامة وثراء
جانب آخر من تاريخ المدينة يبرز في الثراء والفخامة التي ظهرت في الفنون والأزياء والمباني. في وسط هذا كله، يبرز دور الورش الإمبراطورية التي أنتجت قطعاً فاخرة استخدمت فيها الذهب والعاج والرخام والبرونز، ويبرز الحرير كأحد أهم منتجات المدينة المتميزة بالندرة والقيمة.
هنا، يخطو العرض نحو القصور والأزياء والمنسوجات ليقدم لنا لمحة من الفخامة والثراء، ويعبر من الحكم البيزنطي للحكم العثماني، ومن خزائن متحف ألتوب كابي والقصور المختلفة تبرز لنا قطع تبرهن على الصنعة والفخامة والثراء في تلك المرحلة.
تصوير أجواء الإمبراطورية يستلزم الدخول لتفاصيل الاستعراضات والمواكب الرسمية التي تؤكد على القوة والسيادة، ونرى هنا لفافة مرسومة تُصوّر موكباً إمبراطورياً عثمانياً بتفاصيل دقيقة. من المواكب الرسمية نعرج على المواكب الصغرى مثل «موكب عرض المهد» وهو تقليد حمْل مهد مرصع بالجواهر هدية من القصر السلطاني لمولود جديد في العائلة الحاكمة عبر شوارع المدينة، وهنا نرى نموذجاً لمهد مصنوع من خشب الجوز ومطّعم بالصدف من مقتنيات متحف ألتوب كابي بإسطنبول.
منسوجتان صُنعتا لإهدائهما للحرمين الشريفين واحدة باللون الأحمر للحرم المكي والثانية باللون الأخضر للحرم النبوي
تحمل الخزانات التالية نماذج للملابس الفاخرة التي صنعت للسلطان والسيدات في الحرملك، نرى قفطاناً من الحرير منسوجاً بخيوط الذهب، وقطع المنسوجات المختلفة منها غطاء حصان من المخمل وخيوط الفضة، كان جزءاً من زي فاخر لفرس استُخدم في موكب نحو عام 1600، وهو مُعار من متحف بيناكي.
في هذا القسم، نرى أيضاً منسوجات صُنعت لإهدائها للحرمين الشريفين، واحدة باللون الأحمر للحرم المكي، والثانية باللون الأخضر للحرم النبوي.
الدبلوماسية والأزياء
في بلاط الدبلوماسية، لعبت الأزياء دوراً هاماً، وهو ما نراه في لوحتين وُضعتا جنباً لجنب تمثلان مشهد تقديم السفير البريطاني في إسطنبول للسلطان، في اللوحة الأولى نرى السفير ومرافقيه وهم بملابسهم الغربية في لقاء مع كبير الوزراء، وفي ركن من القاعة نلمح كومة من القفاطين التي ستُمنح لهم، وفي الصورة الثانية نرى الجانب البريطاني وقد ارتدى اللباس العثماني في حضرة السلطان.
يضم المعرض صورة فريدة للسلطان محمد الثاني، رسمها الفنان الفينيسي جنتيلي بيليني عام 1479، مُعارة من «ناشيونال غاليري» في لندن، وحزاماً مرصعاً بالجواهر من العاج من ضريح السلطان سليم الثاني (توفي عام 1574)، وهو من القطع المهمة في سرد تاريخ الأزياء العثمانية.
الحياة في المدينة
ربما من أمتع الأقسام في العرض هو ذلك القسم الذي يستعرض تفاصيل الحياة في إسطنبول، ويقدم المدينة من زاوية مختلفة تعكس التنوع النابض بالحياة والتعايش الديني، وتنتقل الصورة هنا للمقاهي والحمامات العامة والموسيقى وتأثير الحضارة الغربية على الذوق العام، مثل تأثير الأنماط الباريسية على الموضة والتصميم في إسطنبول الحديثة. ومن جانب آخر، يعكس المعرض تأثير الفن البيزنطي والعثماني على أوروبا في القرن التاسع عشر، عبر نماذج تضم المنسوجات والفسيفساء وغيرهما من مجموعة المتحف.
لوحة الفنان التركي عثمان حمدي بيه (الشرق الأوسط)
تبرز هنا لوحة «نساء في نزهة» للفنان التركي عثمان حمدي بيه، حيث نرى مجموعة من النساء بأردية ملونة مختلفة يحملن المظلات الصغيرة وهن يتنزهن بالقرب من مسجد السلطان أحمد، تشي الفخامة البادية في أقمشة الأردية بالثراء، كما هي العادة في لوحات عثمان حمدي بيه تتخاطب الشخصيات مع الناظر، تنظر بعض السيدات مباشرة لنا، بينما تحجب سيدة وجهها بجانب من قماش ردائها، وفي جانب من اللوحة نرى بعض التجار وبضاعتهم المختلفة.
الأزياء النسائية غربية بلمحة تركية (الشرق الأوسط)
من الأزياء الملونة في اللوحة، تنتقل رحلتنا لخزانات مجاورة تعرض أردية نسائية منها قفطان أصفر اللون من الحرير نعرف أنه صُنع لسيدة من أقرباء الرسام عثمان حمدي بيه. العرض يقدم لنا نموذجين للباس داخل وخارج المنزل للسيدات، كما يشير لتأثير صيحات الموضة الباريسية على التصاميم المختلفة.
الحمامات والمقاهي
ينتهي العرض بالحديث عن جانب مهم من الحياة الاجتماعية في المدينة، وهو المقاهي والحمامات، وتعرض نماذج من خزف ملون من حمام عتيق في إسطنبول، ولوحة تصور أحد الحمامات العامة في المدينة، ومن عالم المقاهي واحدة من أقدم آلات الطنبور ذات العنق الطويل الباقية (نحو 1750)، والمزينة بالعاج، وصدفة السلحفاة، وعرق اللؤلؤ، ورقعة لعبة النرد من الخشب والصدف.
جانب من العرض يصور أدوات الترفيه (الشرق الأوسط)
يتدثر المعرض بعباءة الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوّق، ويلخّص تاريخ إحدى أكبر المدن الأوروبية وعاصمة إمبراطوريتين: الأولى مسيحية، والثانية إسلامية شكّلت عبر قرون نقطة التقاء بين الشرق والغرب.