حين حاول المفكر الأميركي جوزيف ناي أن يوضح فكرته عن الدور الكبير للإعلام خلال الحروب، قال مقولته الشهيرة: «إن الكاسب في الحرب هو ذلك الذي تربح قصته في الإعلام»، وعندما سعى خبراء استراتيجيون إلى تحليل مجريات الحروب المعاصرة، رأوا أن «المعارك اليوم تُحسم في شاشات الهواتف قبل أرض الميدان».
وفي الحرب الإيرانية الجارية، تتجلّى هذه المقولة في أوضح صورها؛ إذ تحوّلت المنصّات الرقمية إلى ساحات موازية تقاتل فيها الأطراف المتحاربة عبر فيديوهات لا تتجاوز الدقائق، متنافسةً على عقول جيل كامل نشأ على لغة الصورة السريعة والمؤثرات الصاخبة.
وعند تحليل المقاربات الاتصالية المواكبة للمعارك الدائرة راهناً، سنجد أن البيت الأبيض انتهج أسلوباً ثورياً في التسويق الإعلامي للحرب، اعتماداً على قوالب «تيك توك» الجذابة، بينما ظلت كل من إيران وإسرائيل أسيرتين لنماذج تقليدية، أضحت عاجزة عن مجاراة تحوّلات ساحة التواصل المعاصرة.
النهج الذي اقتحم به البيت الأبيض ساحة الإعلام الحربي يمثل قطيعة جذرية مع التقاليد الدبلوماسية الراسخة. فبالتدقيق في أكثر من مئة مقطع فيديو نشرتها المنصّات الرسمية الأميركية منذ بدء العمليات العسكرية، يتبين أن الإدارة الأميركية لم تكتفِ بنقل مجريات المعركة، بل أعادت صياغتها بلغة ثقافة الشباب ذاتها: مشاهد الضربات الجوية تختلط بمقاطع من ألعاب الفيديو الشهيرة، وموسيقى تصويرية من أفلام «الأكشن»، ومؤثرات بصرية مقتبسة من أحدث الإصدارات السينمائية. هذا التوليف المتعمَّد بين الواقع والخيال السينمائي حقق انتشاراً هائلاً، إذ تجاوزت مشاهدات تلك الفيديوهات مئات الملايين، وهو ما أكده مسؤول في البيت الأبيض بتصريح صارخ عن صناعة «الترافيك» بأسلوب «الميمات القوية». إنها استراتيجية تستهدف بوضوح شريحة عمرية لا تستهلك الأخبار عبر القنوات التقليدية، بل عبر خوارزميات «تيك توك» التي تفضل الصورة على النص، والإثارة على التحليل، والصخب على الرصانة.
غير أن ما يُقدَّم على أنه حداثة تسويقية يثير إشكاليات أخلاقية عميقة. فالنقاد والمحاربون القدامى، على حدٍّ سواء، يندّدون بتحويل ويلات الحرب إلى محتوى قابل للاستهلاك الترفيهي، حيث تُختزل معاناة المدنيين ودمار المدن في لقطات سريعة مُعززة بموسيقى مثيرة. إنها مقاربة تعيد إنتاج منطق المنصّات في أخطر ما يتعرض له البشر، حيث تتحول المأساة الإنسانية إلى مجرد مادة قابلة للتفاعل والمشاركة، ويصبح القتلى أرقاماً في عداد المشاهدات.
وفي الطرف المقابل، تبدو إيران كأنها تقدم أنموذجاً كلاسيكياً لإدارة الأزمات العسكرية إعلامياً، وهو أنموذج يعتمد على أدوات الدولة التقليدية في عصر السيولة الرقمية. فمنذ اللحظات الأولى للحرب، انتهجت طهران سياسة التعتيم شبه الكامل، عبر قطع «الإنترنت»، وتشديد الرقابة على وسائل الإعلام المحلية والأجنبية. ولجأت وسائل الإعلام الرسمية إلى تضخيم الإنجازات العسكرية والادعاء بتحقيق انتصارات.
لكن اللافت أن إيران، رغم التعتيم، لم تتخلَّ عن أدوات التعبئة التقليدية الأكثر بدائية؛ مثل رسائل الطمأنة للجمهور، والتهديد للمتظاهرين، والتزييف المتعمّد، بشكل يعكس عقلية أمنية ترى أن التحكم في المعلومات أولى من الإقناع بها، وهو ما ينسجم مع تصنيف إيران ضمن أكثر دول العالم قمعاً لحرية الصحافة، وفقاً لمنظمة «مراسلون بلا حدود». والنتيجة أن المواطن الإيراني بات يعيش في حالة احتجاز مزدوج: القصف من الخارج، والتعتيم والتضليل من الداخل.
أما إسرائيل، فتبدو كأنها عالقة في منطقة رمادية بين النموذجين. فرغم أن واشنطن تشاركها المسرح العسكري والإعلامي، فإن الدولة العبرية لا تزال تعتمد على عقيدة «الحاصبارا» التقليدية القائمة على «الشرح» و«التبرير»، وهو ما ينتقده خبراء إسرائيليون بشدة معتبرين أن هذه العقيدة تنتمي إلى حقبة سابقة ولم تعد تصلح لمواجهة ما يسمّونها «الحرب النفسية والمعلوماتية» المتعددة الجبهات.
عند تقييم هذه الاستراتيجيات المباينة، يبدو أن البيت الأبيض نجح في تحقيق أهدافه التكتيكية من حيث الوصول إلى جمهور الشباب وإحداث ضجة إعلامية هائلة، لكنه دفع ثمناً باهظاً في جانب المصداقية والأخلاقيات. فتحويل الحرب إلى محتوى ترفيهي قد يحقق تفاعلاً لحظياً، لكنه يقوّض الأسس التي تقوم عليها شرعية أي عمل عسكري، ويجعل الجمهور في موقع المستهلك لا المواطن الواعي.
في المقابل، تُثبت إيران أن التضييق الإعلامي وحده لا يكفي لضمان السيطرة على السرد، بل يخلق فراغاً معلوماتياً يدفع المواطنين إلى البحث عن مصادر بديلة، مما يعمِّق الانقسام الداخلي ويزيد من نفور الأجيال الشابة من الخطاب الرسمي. أما إسرائيل، فتظهر حاجتها الملحة إلى إعادة ابتكار أدواتها الإعلامية لتواكب تحولات المشهد.
إن إدارة الإعلام في مواكبة الحروب المعاصرة لم تعد ترفاً بل هي جزء أصيل من العمليات العسكرية. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد امتلاك أدوات رقمية متطورة، بل في القدرة على الموازنة بين متطلبات الوصول إلى الجمهور الواسع والحفاظ على المصداقية والمسؤولية الأخلاقية.
