مِنَ الكُتُبِ التِي سَكَّتْ مَعاييرَ الشّعر، وَحدَّدت مساراتِ جودتِه، كِتابُ ابنِ طَباطبَا العلوِي المُسمَّى: «عيار الشعر»، وفيه تحدث عن (الأشْعَارُ المُحكَمَةُ)، فقَالَ: «فَمِنَ الأشْعارِ المُحْكَمةِ، المُتْقَنَةِ، المُسْتَوفَاةِ المَعَاني، الحَسَنِة الوَصْفِ، السَّلِسَة الألفْاظِ، الَّتِي قد خَرَجَتْ خُروجَ النَّثْرِ سُهولةً وانْتظِامًا، فَلَا اسْتِكْرَاهَ فِي قَوافِيها، وَلَا تَكَلُّفَ فِي مَعَانيها، وَلَا عَي لأصْحَابِهَا فِيهَا...». وعدَّ ابنُ طباطبَا من شعرِ الحكمة، والأبيَاتِ المحكمةِ، قولَ زُهيْر بنِ أبِي سُلمَى، فِي أوَاخِرِ أبياتِ معلقتِه المِيميَّة:
1. سئمت تكاليَف الحَيَاةِ وَمن يَعِشْ ثَمانِينَ حَوْلًا لَا أبَالَكَ، يَسْأمِ
2. رأيْتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْواءَ من تُصِبْ تُمِتْهُ ومنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ
3. وأعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ
وَهذهِ التفاتةٌ ذكيَّةٌ مِنْ زُهير، إذ يُشيرُ إلى أنَّ النَّاسَ يرفعونَ العَالِمَ، وهوَ يكونُ عَالِماً بعلمِهِ بأحداثِ اليومِ وفوائدِهِ وَأحداثِ الأمَس، والتي أُراكِمُ بهَا التجاربَ وأزيدُ بها مَعلوماتِي، وأصْطفِي من الحَياةِ زُبدَها، ومن قصصِ الأممِ ملخصَاتِها ونتائجَ تعاملاتِهم ومنْ تصرفاتِهم أقفُ علَى الخطأ فأتجنبُه والصَّوابِ فأقصدُه. لكنَّنِي أعمَى عنْ عِلمِ مَا فِي الغَد، ومعَ عمَايَ عن المُستقبلِ، فإنَّ ذلك لا يُنقصُ من علمي ولَا من تقديرِ مَنزلتِي، لأَنَّ النَّاسَ يعلمون يقينًا أنَّ اللهَ تعالَى قد اختصَّ وحدَه سُبحانَه بعلمِ الغَيبِ، لَا يشاركُهُ فيهِ أحدٌ.
4. ومَنْ لَا يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثيرةٍ يُضَرَّس بأنْيَابٍ ويُوطَأ بِمَنْسِمِ
هنا ابتدأ الشَّاعرُ في استعراض خلاصاتِ تجاربه وزبدِ حكمتِه يختزلُها في هذه الأبياتِ الأخيرةِ من معلقتِه الشَّهيرة. وَالمُصانعةُ هي المُداراةُ والمُمالأة مع النَّاس، وألَّا يكونَ المرءُ ممَّن يقفُ عندَ الصَّغيرةِ والكبيرة، ويعترضُ علَى كلّ شيءٍ ولا يُرضيه شيءٌ. فَمنْ لا يُدارِي النَّاسَ ويتغافلُ عن كثيرٍ من الأمور، قَطَّعَهُ النَّاسُ بأنيابِهمْ وَمَضغُوهُ بِأضْراسِهمْ. ولعلَّ من أهمّ ما يميّز شعرَ زهير بنِ أبي سُلمَى بِالمُجمَل، ما يزيِّنُ به أبياتِه من شَواردِ الحكمةِ، وهذه المزيةُ كانتْ من حججِ وبَراهينِ الذين قَالُوا بأنَّ زهيراً أشعرُ الشُّعراءِ العَرَب.
وَقد اتَّفقُوا على تقديمِ ثلاثةِ شعراء، فجعلُوهمْ الطَّبقةَ الأولَى من فحولِ شعراءِ الجَاهلية، وهمْ إضافةً إلى زُهير: امرؤُ القيس، والنابغةُ الذبياني.
قالَ عبدُ الله بنُ عباس: قالَ لِي عمرُ (ابن الخطاب): أنشدْنِي لأشعرِ شُعرائِكم. قلتُ: منْ هوَ يَا أميرَ المؤمنين؟ قالَ: زُهير. قلتُ: وكانَ كذلك! قالَ: كانَ لا يُعاظِلُ بين الكلام، ولا يَتْبَعُ وَحْشِيَّهُ، ولا يمدحُ الرجلَ إِلا بما فيه.
(المعاضلةُ: تعقيدُ الكلامِ والتَّكلف في رصفِه والإتيانُ به، وموالاةُ بعضه فوقَ بعض، حتى يتداخل ويغمض. ووحشيُّ الكلامِ ويُقال له حوشيه، وهو غريبُه والنافرُ منه. وربَّما سُمّي الكلامُ الغريبُ وحشيًا لمَا يُنبتُ في النفوسِ من نفرةٍ وخوفٍ واضطراب، كالذي تفعلُه وحوشُ البَرية بالنَّاس.
نقل ابن سَلَّام الجُمَحِي في (طبقات فحول الشعراء)، عن قُدامَة بن موسى (إمام المسجد النبوي الشريف، وأحد ثقاة الرواة، ومن علماء المدينة) أَنَّهُ كان يُقدِّمُ زهيرَ بن أبي سُلمى على بقية فحولِ الطبقة الأولى.
قالَ أهلُ النَّظر: كانَ زهيرٌ أحصفَهم شعراً، وأبعدَهم من سُخف، وأَجمَعَهم لكثيرٍ من المعنَى في قليلِ من المنطق، وأشدَّهم مبالغةً في المَدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره.
5. ومَنْ يَجْعَل المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرضِهِ يَفَرْهُ، ومَنْ لَا يَتَّقي الشَّتْمَ يُشْتَم
المعروفُ: هو العملُ الطّيبُ والفعلُ الجميلُ الذي يرتضيه النَّاسُ ويستطيبونَه. فمن يفعلُ الأعمالَ الطّيبة، والفعالَ الحميدةَ فيقدمُها لمنْ يسبُّونَه ويعترضونَ عليه، فيسكتُهم عن الإساءةِ لهُ بالإحسانِ إليهم.
6. ومَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ
وَهذَا البيتُ فيه معنًى مناقضٌ لمعنَى البيتِ السَّابق، يتحدَّث الشَّاعرُ عن الميسورينَ مالياً الذين لا يؤدونَ واجبَ العطاءِ ويمنعُهم من الإنفاقِ بُخلُهم، مبيناً أنَّ مصيرَ هؤلاءِ أن يذمَّهم النَّاسُ ويستقبحونَ بخلَهم، كمَا أنَّ مَنِ احتاجَ إليهم سَيستغنِي عنهم بعطاءِ الكرامِ الذين سيُقبلُ عليهم ويُدبرُ عَنِ البُخَلَاء.
