لقد قيل إن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، الذي يجسد النخبة العالمية الحاكمة، قد مات. لكن التقارير التي تتحدث عن زواله مبالغ فيها إلى حد كبير، أو على الأقل سابقة لأوانها.
تماماً مثل بقية النظام الدولي، يدخل «دافوس» لحظة انتقالية ستحدد ما إذا كان بإمكانه التكيف والحفاظ على أهميته. وسيكون الاجتماع السنوي لهذا العام، الذي بدأ يوم الاثنين، مؤشراً على مدى ما استفاده كل من «دافوس» والنظام العالمي للعمل مع الولايات المتحدة التي غيّرت بصفة جذرية من وجهة نظرها حول ما يعنيه التعاون.
لقد تطور «دافوس» بشكل ملحوظ منذ تأسيسه كـ«منتدى الإدارة الأوروبي»، الذي كان حينها ملتقى هادئاً نسبياً يركز على مشروع التكامل الأوروبي. أما التحول الحالي، الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى حد كبير، فهو أكثر سرعة ووضوحاً من أي فترة سابقة. فقد ولّى زمن التأكيد المستمر لسنوات على أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتنفيذ اتفاقيات باريس للمناخ، وكيفية اعتماد الحكومات على المنظمات المحلية لتنفيذ برامجها التنموية. ومن المرجح أيضاً أن تتراجع «رأسمالية أصحاب المصلحة» وأهداف الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات إلى المرتبة الثانية.
لقد مات «دافوس القديم»، وما زال «دافوس الجديد» في طور التشكل؛ حيث يسعى ترمب بقوة لصياغة مستقبله. ومن المتوقع أن يقود ترمب هذا العام أكبر وفد أميركي على الإطلاق يضم وزراء ومستشارين رفيعي المستوى لحضور الاجتماع السنوي. لطالما تجنب رؤساء أميركيون آخرون الذهاب إلى «دافوس»، جزئياً على الأقل للنأي بأنفسهم عن المشهد الذي يوحي بمداهنة النخبة العالمية بدلاً من التركيز على القضايا المعيشية التي تهم المواطن العادي في الداخل. وهذه هي الزيارة الثالثة لترمب إلى «دافوس»، وهو ثاني رئيس يمارس مهامه يقوم بهذه الرحلة إلى سويسرا؛ حيث كان الأول هو الرئيس بيل كلينتون عام 2000. وبينما حضر كلينتون في وقت كانت فيه الحماسة للعولمة في ذروتها، يحضر ترمب وهي في أدنى مستوياتها على الإطلاق — وهو وضع أسهم هو نفسه في خلقه والاحتفاء به.
أشار ترمب إلى أنه يعتزم استغلال هذه الفرصة للتحدث عن قضايا الإسكان والقدرة على تحمل التكاليف. وقد يستخدم المنتدى لتقديم مطالب جديدة للدول للتعاون مع الولايات المتحدة في مجالي التجارة والهجرة. لكن هدف الرئيس هذا العام يتجاوز مجرد السياسات؛ الأمر يتعلق بفرض الإيقاع العام. فهو لا يسافر إلى سويسرا في «جولة استماع»، وإنما يسافر تملؤه التوقعات بأن ينصت الجميع إليه وينصاعوا لنهجه.
لذا، سيكون اجتماع هذا العام اختباراً لقدرة بقية دول العالم على التكيف مع «عولمة بخصائص ترمبية». فعلى مدى العقود الخمسة الماضية، كانت الفرضية الأساسية لـ«دافوس» هي أن التعاون المتبادل المنفعة - بين الدول وعبر مختلف القطاعات - كان أمراً حاسماً لمواجهة التحديات العالمية مثل الأوبئة وتغير المناخ. ورغم أن التعاون لا يزال مدرجاً بقوة على جدول أعمال «دافوس»، فإنه اكتسب صبغة مختلفة؛ فبدلاً من السعي للتعاون مع بقية العالم، سيطالب ترمب بهذا التعاون فرضاً.
إن «دافوس» يوجد ضمن السياق الأوسع للنظام الدولي، لكنه لا يحدده؛ وهذا ما يجعل التكيف ضرورة وجودية للمنتدى. يمكن لـ«دافوس» أن يلعب دوراً مفيداً في استكشاف كيف ينبغي لنظام التجارة القائم على القواعد أن يتطور في عالم يلعب فيه أكبر اقتصادين؛ الولايات المتحدة والصين، وفقاً لقواعدهما الخاصة. كما يمكنه أن يعمل كمنصة لمعالجة قضايا تبني الذكاء الاصطناعي، وإصلاح المساعدات التنموية، والتوفيق بين المواقف تجاه الهجرة العالمية. سيبقى «دافوس» ويزدهر إذا أثبت أنه يتمتع بمرونة كافية لصياغة وقيادة النقاشات الأكثر حيوية.
لماذا ينبغي لنا أن نقدّر «دافوس»؟ أياً كانت أجندته الرسمية، تكمن قيمة «دافوس» في كونه مكاناً يشعر فيه قادة العالم من القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني بضرورة الوجود، واللقاء مع بعضهم، وبناء الشراكات وإبرام الصفقات. ففي عام 1988، وقّعت اليونان وتركيا «إعلان دافوس» هناك. لذا، لا ينبغي الاستهانة بدور «دافوس» بوصفه مركز ثقل لصناع القرار، حتى مع تطور الموضوعات النظرية للمناقشة.
والآن، ومع توافد ترمب والعديد من كبار معاونيه على «دافوس»، أظن أن حضور القادة الحكوميين ورجال الأعمال وقادة المجتمع المدني الآخرين سيزداد؛ حيث سيتوق هؤلاء لعقد لقاء جانبي ولو لمدة 30 ثانية مع الرئيس ترمب.
تاريخياً، كان بإمكان المرء استشعار «روح دافوس» بمجرد السير في شارع المدينة الرئيسي المكسو بالجليد. في بعض السنوات، كانت تهيمن عليه دولة أو أخرى تسعى لتسويق نفسها: مثل روسيا أو الصين أو الهند. كما تقاسم المنتدى الأضواء مع الهواجس التكنولوجية الرائدة في تلك اللحظة؛ من العملات المشفرة إلى «الميتافيرس»، ومؤخراً، شركات أو مبادرات الذكاء الاصطناعي. وهذا العام، سيشغل «بيت الولايات المتحدة» الفاخر - المدعوم من كبريات الشركات الأميركية - مبنى كنيسة، وللمرة الأولى ستعترف به وزارة الخارجية رسمياً مقراً رئيسياً للولايات المتحدة في هذا الحدث.
بغرسه علمه في «دافوس»، يشير ترمب إلى أنه ليس انعزالياً، وإنما مستعد للتفاعل مع بقية بلدان العالم وإعادة تشكيل النظام الدولي، قطعة تلو أخرى. و«دافوس» ليس بمنأى عن نظراته؛ ففي الواقع، وسواء حاز جائزة نوبل للسلام من عدمه، يمكن لترمب أن يزعم أنه قد نال لقباً يحظى بتقدير موازٍ تقريباً. إن ترمب هو «رجل دافوس» الحقيقي، لكن «دافوس» قد لا يعود أبداً كما كان.
* خدمة «نيويورك تايمز»
