بعض الأحداث تثير اهتمام العالم، وتختلط فيها الحقيقة والمبالغات بشكل واضح، بل وتصدقها غالبية الناس. ومما يزيد الأمر سوءاً، أنها تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتصدر تصريحات مضللة حولها من بعض كبار المسؤولين مثل رؤساء الدول، أو الوزراء.
هذا هو بالضبط ما حصل بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو من قبل القوات الأميركية في أول أسبوع من السنة الجديدة، وحديث إدارة الرئيس دونالد ترمب بأن حكومته سوف تدير الثروات النفطية الفنزويلية من الاستثمار والتصنيع إلى التسويق، وتستخدم عوائدها حسبما تراه مناسباً.
ولعلّ من أطرف المبالغات التي لا تستند إلى أي حقيقة هو قول المعارضة الفنزويلية ماريا مكتاشو، الحائزة جائزة نوبل، إنه بعد الآن لن تحتاج أميركا ولا الغرب إلى بترول السعودية ودول الخليج، حيث سيحصلون على احتياجهم من فنزويلا، وكذلك قول أحد رؤساء الدول الأوروبية، إن هذه الأحداث وزيادة الإنتاج الفنزويلي سوف تؤدي إلى انخفاض الأسعار قريباً بما يخدم المواطنين في بلده. كما ادعى البعض أن السوق البترولية العالمية سوف يتم إغراقها من البترول الفنزويلي!
ولكن ما الحقيقة في خضم هذه التصريحات وغيرها المبالغ فيها، أو الكاذبة؟ الحقيقة تظهر بنظرة متأنية وواقعية ومدروسة تأخذ في الاعتبار التطورات التاريخية، وليست انفعالية أو لأسباب سياسية لوضع البترول في فنزويلا ومستقبله ودوره العالمي على المديين القصير والطويل.
ولا شك أن فنزويلا تعدّ واحدة من أهم الدول المنتجة والمصدرة للبترول خلال المائة عام المنصرمة، ومن المتوقع أن تكون كذلك في المستقبل إذا حصل الاستقرار السياسي والأمني وحُسن الإدارة، مع توفر الاستثمارات المطلوبة.
ففي عام 1922 بدأ الإنتاج، وفي عام 1935 أصبحت فنزويلا أكبر دولة مصدرة للنفط، واستمرت دولةً مهمة في السوق البترولية خلال السنوات والعقود التالية، على الرغم من بروز دول منتجة عدة حول العالم أصبحت أكثر أهمية منها، مثل إيران والعراق والسعودية. وكانت فنزويلا الدولة الثانية مع السعودية التي أنشأت منظمة «أوبك» في عام 1960، كما أممت صناعتها النفطية في عام 1976.
وفي عقد التسعينات من القرن الماضي وما بعده، مرت الصناعة والسياسة النفطية (الداخلية والخارجية) بتقلبات كثيرة نتيجة للتطورات السياسية الداخلية، حيث انقسم الساسة إلى فريقين: الأول بقيادة لويس غوستي رئيس شركة البترول الوطنية (بادافيسا) التي ترى فتح قطاع البترول للاستثمارات الأجنبية، ومضاعفة الإنتاج دون اهتمام بتطورات الأسعار (إمكانية انخفاضها) والالتزامات مع منظمة «أوبك» (بل إن البعض كان يرى أن الخروج من «أوبك» هو الأفضل).
أما الفريق الثاني، فكان اليسار الفنزويلي - بقيادة هوغو شافيز وعلي رودريغز الذي أصبح وزيراً للبترول فيما بعد - الذي يرى العكس من ذلك تماماً.
وقد ساهمت سياسة لويس غوستي، وخاصة بعد اجتماع «أوبك» بجاكرتا عام 1997، في انهيار الأسعار في السنتين التاليتين، ما ساهم في سقوط حكومة اليمين التي ينتمي لها وفوز اليسار بقيادة شافيز في عام 1999، إلا أن القوى اليمينية وقفت بشدة ضد حكومة شافيز، ونظمت إضراباً عام 2002 شمل جميع القطاعات الاقتصادية، من أهمها شركة البترول الوطنية. وكانت ردة فعل الحكومة قوية، وتوقف الإنتاج، وانهارت الشركة، وفقدت أهم كفاءاتها الهندسية الذين انتقلوا للعمل في دول متعددة، ومن الصعب تعويضهم.
والطاقة البشرية المتميزة هي عصب الصناعة النفطية، وليس من السهل تعويضها في سنوات قليلة، ولا سيما الوطنية منها... وقد أخذت السعودية عشرات السنين لبناء طاقة بشرية نفطية متميزة في تخصصات مثل مهندسي النفط... وبالطبع فإن بعض الشركات تلجأ إلى الطاقات البشرية الأجنبية، إلا أن هذا ليس متوفراً بسهولة، وإنْ توفر فإن تكلفته عالية جداً.
والجانب الثاني هو البنية النفطية التحتية ابتداءً من المسح الجيولوجي، ثم الحفر والإنتاج، ثم فصل البترول عن الغاز في محطات خاصة ومحطات الضخ، ثم نقله خلال الأنابيب إلى مستودعات التصدير. وهذه أيضاً تحتاج إلى سنوات لبنائها أو إعادة تأهيلها بشكل جيد.
وبالنسبة للاستثمار في إنتاج النفط الفنزويلي، فإن هنالك جانبين بالغي الأهمية؛ الأول، هو الاستقرار السياسي والقانوني الذي يعطي المستثمرين الثقة من أجل إنفاق مليارات الدولارات، وهذا بالنسبة لفنزويلا غير معروف في الأوضاع الحالية، وقد يحتاج إلى أكثر من سنة ليتضح بشكل تفصيلي، كما يحتاج إلى الاستقرار الأمني وعدم وجود فراغ سياسي يؤثر سلباً على الاستثمار. أما الجانب الثاني، وهو المهم، والمهم جداً، فهو نوعية النفط الفنزويلي. فالعالم يتحدث بأن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهذه نقطة تحتاج إلى توقف. فالنفط المستخرج من الأرض هو عدة أنواع قد تصل إلى عشرة، تشمل مثلاً المكثفات والخفيف والمتوسط والثقيل، والثقيل جداً، وغير السائل طبيعياً. ولكل نوع تكلفة إنتاجية وسعر في السوق، وقد يصل الفارق بين هذا وذاك إلى عشرات الدولارات للبرميل. وهنا مربط الفرس، كما يقول العرب، فأغلبية النفط المذكور في أرقام الاحتياطي الفنزويلي هو من النوع غير السائل القابل للنقل إلا بمعالجات خاصة ومكلفة، وهو أقرب إلى الفحم من النفط بحسب أغلب التعريفات السائدة منذ ثلاثين عاماً، ولم يكن هذا النوع آنذاك يعدّ بترولاً بحسب تعريف معهد البترول الأميركي والمنظمات الدولية مثل «أوبك»، ولا يستخدم إلا في توليد الطاقة الكهربائية مثل الفحم الحجري.
ومن هنا يأتي السؤال عن مدى تأثير إنتاج النفط الفنزويلي على سوق الطاقة العالمية، بما في ذلك الأسعار والأوبك. والجواب باختصار أنه لن يكون له أي تأثير على الإطلاق على المدى القريب (سنة إلى ثلاث سنوات). أما على المدى المتوسط (ثلاث إلى ست سنوات) فإن إنتاج فنزويلا قد يعود في أحسن الأحوال إلى 3.5 مليون برميل يومياً، كما كان قبل خمسة وعشرين عاماً، وهذه الكمية من النفط، التي تأتي تدريجياً، سوف تستوعبها السوق النفطية العالمية، كما استوعبت عودة الإنتاج من دول عدة مثل الكويت والعراق وروسيا وأميركا وغيرها، وما يسهل ذلك هو استمرار الطلب العالمي على النفط في السنوات والعقود المقبلة، المقدر بنحو 1.5 مليون برميل يومياً سنوياً.
