تحدانَا أستاذُ الجراحةِ أن نُمسكَ ورقةً وقلماً، ونشرحَ كيفَ نعقدُ رباطَ حذاءٍ بطريقةٍ معينة. قدرتُنا اللغويةُ لم تسعفنا. ولو مرَّرنَا هذا الشَّرح لشخصٍ لم يربطْ حذاءَه من قبل، سيفشل. لأنَّ حدودَ معرفتِه ستكونُ ما كتبنَاه.
نحن نتعلمُ بالعين، وبالتجربة، وبالمعايشة، إنَّها تفاصيلُ أضخمُ كثيراً من قدرةِ اللّغةِ على النَّقل. كانَ هذا درساً لم أنسه أبداً.
أضاف الأستاذ: ما بالكم إن أردت شرحَ عمليةٍ جراحية؟
عند هذه النقطة ننتقل إلى دائرة معرفة أصعب، ومعها نواجه تحدياً إضافياً. في هذه الدائرة تراكمت معرفة إنسانية أضخم آلاف المرات من ربطة حذاء. إلى درجة أن فريقاً من المتخصصين قد يجتمع لاتخاذ قرار يخص حالة، ويخرج القرار قاصراً.
ربما لم يحيطوا علماً بطبيب باحث يجري تجربة على تقنية جديدة، أو بأفرع أخرى من الطب والهندسة الجينية. وربما راوغتهم تفصيلة صغيرة لم يلتفتوا إليها.
نسمع اليوم عن حالات نجح فيها الذكاء الاصطناعي في تشخيص مريض، أو اقتراح علاج لم يفكر فيه متخصصون. ليس لأنه يعرف أكثر، بل لأنه يربط المعلومات المتاحة ويستدعيها بطريقة أفضل.
أما الدائرة الثالثة فهي أصعب من ذلك كله. دائرة المعرفة المجهولة تماماً. ما لم نصل إليه من أساسه، ولا نعرف حتى بوجوده. هذه دائرة لازمت البشر عبر التاريخ.
علم أبقراط أقل من علم طبيب امتيازٍ معاصر. وقبل قرن واحد لم نكن نعرف المضادات الحيوية، ولا الأشعة المقطعية، ولا الرنين المغناطيسي.
إن اتفقنا على ما سبق، يمكننا إخراج الطب من المعادلة، وإدخال الاقتصاد، لكن بعد الإجابة عن سؤالين: كيف تصرف أسلافنا حين كانت معارفهم قاصرة عن تفسير ما يواجهونه؟ وهل التقدم في المعرفة تقدم أخلاقي بالضرورة؟
في الطب كما في غيره، ملأ البشر مساحة المجهول بطريقتين.
الحكيم قال إنه لا يعلم، وانشغل بملاحظة ما يفعله الأصحاء ليقي نفسه. عجزه عن التفسير لم يمنعه من الفعل السليم، لأنه استند إلى التجربة.
أما الأقل حكمةً فانحرف مسافة قصيرة في البداية، شاسعة في النهاية. أقر أيضاً بأن الأمر غيبي، وطرح حلولاً كتقديم قربان لإله البحر. لكن مكمن المشكلة أنه حوّل تفسيره إلى عقيدة تلاحق من يشكك فيها.
هذا السلوك لم يختف، بل تغيرت لافتته. انتقل من الدين إلى الأخلاق.
وهنا نصل إلى السؤال الثاني. هل التقدم المعرفي تقدم أخلاقي؟
الإجابة القديمة التي قدمها سقراط: الخير هو المعرفة. لا لأنها طاهرة، بل لأنها نافعة. في الطب تشفي المرضى، وفي الاقتصاد تحسن المعيشة، وتقلل الحرمان والتشرد والعسر. وهي أخلاقية بهذا المعنى، لأنها تحقق مقصد المهنة.
وبهذا المعنى أيضاً، يكون الاقتصاد الناجح أكثر أخلاقيةً من اقتصاد فاشل يفرض نفسه بشعارات أخلاقية.
استيعاب هذه الفكرة أسهل في الطب منه في الاقتصاد. السبب أن المسؤولية في الطب فردية. بوسعك اختيار علاج معاصر أو علاج من القرون الوسطى، وتحمل النتيجة وحدك.
الاقتصاد على العكس جماعي بالضرورة. حتى الضار منه قد يخدم فئات.
وهذا ما يجعل الاقتصاد مجالاً تلزم فيه الاستفادة من تجربة الأسلاف.
الحكيم يفسر فقط ما نعرفه، وينشغل بملاحظة العادات التي تقوي الاقتصاد ويمارسها. كما فعل آدم سميث. لم يدَّعِ الإحاطة بخوارزمية السوق، بل سمَّاها يد السوق الخفية، إقراراً منه بمحدودية معرفتنا بها.
أمَّا الأقل حكمةً، فيقدم تفسيراً يقينياً شاملاً. يتجاهل المجهول الذي لم ندركه، ولا يقر بما يخفى علينا من المعلوم، من عوامل نفسية واجتماعية وغريزية وجينية وثقافية تؤثر في الاقتصاد. ثم يحشر هذه المعرفة، التي لا تزيد نسبياً عن مساحة جمل في صحراء، في ثقب اللغة الأضيق.
فيصير ما كتبه الكاتب هو حدود المعرفة عند المتلقي. لتكتمل متوالية الصدى في دائرة المتعلمين، المتمحورة حول المكتوب، التي أفرزت لنا الماركسية ونسلها. محاولة فرض منطق لم يخضع للتجربة على واقع أعقد من أن يختزل، ثم تحصين هذا المنطق بمنظور معين للأخلاق. بينما الاقتصاد، كالفيزياء، يعمل سواء فهمناه أم لم نفهمه. جهلك بقوانين الجاذبية لا يمنعها من العمل وادعاءاتك الأخلاقية لا تعنيها.
