بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)

بينما يواصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مهامه بصورة طبيعية رغم أن حكومته تحولت إلى «حكومة تصريف أعمال» بعد إعلان نتائج الانتخابات وتصدر قرارات ذات طبيعة إلزامية لمؤسسات الدولة، ينشغل البيتان الكردي والشيعي في كيفية حسم اختيار رئيس جمهورية «كردي» ورئيس وزراء «شيعي»، طبقاً للمدد الدستورية.

وبما أنه لم يتبقَّ من المدة الدستورية اللازمة لذلك سوى نحو أسبوعين، فإن العاصمة العراقية بغداد تترقب بقلق بالغ كيفية التغلب على الخلافات داخل البيتين الكردي والشيعي. كما أنها تراقب بقلق أكبر الزيارة المرتقبة والوشيكة للمبعوث الرئاسي الأميركي مارك سافايا إلى العراق.

وبات سافايا يتنقل بين وزارتي الخزانة والحرب بالتزامن مع الحركة المكوكية للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الذي التقى معظم المسؤولين والقيادات العراقية مؤخراً. وطبقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن سافايا في واشنطن وعن هاريس في بغداد، فإن في جعبة الرجلين قضية واحدة محددة، وهي عدم إشراك القوى والفصائل المسلحة في الحكومة العراقية القادمة رغم أن تلك القوى تملك نحو ثلث البرلمان العراقي، فضلاً عن إيقاف كل منابع التمويل بالعملة الصعبة لها ولإيران.

السوداني والمالكي

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

ومع أن سافايا لم يعلن بعد الوقت المناسب لزيارته إلى العراق، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الزيارة أصبحت وشيكة بعد أن مهد لها القائم بالأعمال الأميركي جيداً. وفي الأثناء، لا يزال الجدل قائماً داخل الإطار التنسيقي الشيعي بشأن ما إذا كان مرشحه غير الرسمي حتى الآن نوري المالكي سوف يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.

من جهة أخرى، أثار تنازل السوداني قلقاً مزدوجاً داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم أنه يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي والفائز الأول في الانتخابات. ففي الوقت الذي وجدت بعض قوى الإطار التنسيقي أن السوداني لا المالكي هو رجل المرحلة المقبلة نظراً لعلاقته الجيدة مع أطراف مهمة في الإدارة الأميركية بمن فيهم المبعوث الرئاسي سافايا، فإن أطرافاً أخرى داخل الإطار التنسيقي وجدت أن ترشيح المالكي للمنصب قد يضيف المزيد من الأعباء أمامها، لا سيما في حال إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ كل مطالبها، وفي مقدمتها عدم مشاركة قوى السلاح في الحكومة المقبلة وتجفيف كل منابع تمويل إيران عبر الدولار.

المالكي من جهته يحاول تقديم تطمينات للإدارة الأميركية بأنه سيكون قادراً على التعامل مع الملفات الشائكة. وطبقاً للبيان الصادر عن مكتبه بعد لقائه القائم بالأعمال الأميركي، فقد وصف العلاقة بين العراق والولايات المتحدة بأنها «علاقة صداقة»، بينما قوى السلاح في العراق تعد الوجود الأميركي في العراق «احتلالاً».

وعود سافايا وأجندته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

كثف المبعوث الأميركي مارك سافايا خلال اليومين الماضيين لقاءاته في واشنطن مع وزارتي الخزانة والحرب في سياق جهوده الخاصة للتعامل مع الملف العراقي، من زاوية تبدو شديدة التعقيد على القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فضلاً عن بعض قيادات الإطار التنسيقي.

وأكد سافايا، في بيان يوم الجمعة، أنه عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع كلٍّ من وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، ومدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وبحث معهما الزيارة التي سيجريها إلى العراق. وقال في البيان: «اتفقنا على أن القضايا التي جرى بحثها سيتم تناولها خلال زيارتي المقبلة إلى العراق، حيث سأتواصل مع أصحاب القرار المناسبين لمواجهة الوضع على الأرض لما فيه مصلحة الشعب العراقي».

وكان سافايا أعلن يوم الخميس عما سماه إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فضلاً عن مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوّض النزاهة المالية وتموّل الأنشطة الإرهابية.

المعاملات المالية المشبوهة

الحكومة والبنك المركزي يسعيان لإقناع العراقيين بوضع أموالهم في البنوك (البنك المركزي العراقي)

وأضاف في البيان أنه التقى مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود ومشاريع «احتيالية» تموّل الأنشطة الإرهابية. وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات «الخبيثة» التي تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة. وأكد مبعوث الرئيس الأميركي أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب.


مقالات ذات صلة

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

المشرق العربي ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

خسر العراق نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط والتراجع الحاد في إيراداته النفطية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وفق الخارجية العراقية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

يستكمل العراق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي عبر تفاهمات تشمل ملء الحقائب الوزارية الشاغرة واستحداث وزارات جديدة، إلى جانب تسمية أربعة نواب لرئيس الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية ضُبطت في قضية الموقوف عدنان الجميلي

وكيل «النفط العراقية» شاهداً في أولى محاكمات الفساد

حدد القضاء العراقي الأسبوع المقبل موعداً لمحاكمة زعيم «تحالف عزم» في البرلمان، على خلفية تهم فساد، في حين ظهر اسم وكيل وزارة النفط، عدنان الجميلي، شاهداً.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

خسر العراق نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط والتراجع الحاد في إيراداته النفطية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، حسب ما قال وزير الخارجية فؤاد حسين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعاني العراق أزمة اقتصادية منذ نشوب الحرب في فبراير (شباط)، إذ تراجعت بشكل حادّ ولعدّة أشهر صادراته النفطية التي تؤمّن 90 في المائة من إيراداته، ما اضطرّ الحكومة إلى الاقتراض الداخلي. وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية، وتدنّت احتياطات العملات الأجنبية بنحو 20 مليار دولار.

وفي اجتماع في روما مع نظيره الإيطالي، مساء الخميس، أشار حسين إلى أن «العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية»، حسب بيان صدر عن مكتبه.

وكان العراق، وهو عضو في منظمة «أوبك»، يُنتج قبل الحرب نحو أربعة ملايين برميل من النفط يومياً، ويصدّر منها نحو 3.5 ملايين معظمها من جنوب البلاد عبر مضيق هرمز.

شاحنات نفط قادمة من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية في سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

لكن منذ بدء الحرب، قيّدت إيران حركة الملاحة في الممرّ الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما اضطرّ العراق إلى وقف الإنتاج في معظم حقوله بعدما امتلأت الخزانات، واللجوء إلى التصدير بكميات محدودة عبر سوريا من خلال شاحنات الصهاريج، وتركيا عبر خط أنابيب.

وبعد تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية، عادت لترتفع مؤخراً لتصل إلى 2.6 مليون برميل يومياً في الفترة بين 1 و21 سبتمبر (أيلول)، بحسب وزارة النفط.

ولفت صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع إلى أن العراق من الدول الأكثر تضرراً من الاضطرابات التي طالت حركة النقل جرّاء الحرب.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، رفع البنك المركزي العراقي، الأسبوع الماضي، السعر الرسمي لصرف الدولار لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

أوراق نقدية عراقية وأميركية في محل صرافة بدهوك بإقليم كردستان العراق - 7 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

ويعتمد العراق إلى حدّ كبير على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط، لتمويل الواردات وتحقيق استقرار الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان الذين يزيد عددهم عن 46 مليوناً.

ويسعى العراق إلى تنويع موارده الاقتصادية ورفع الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المائة بحلول العام 2037، بحسب السلطات.


بيئة «حزب الله» مستاءة من تعويضات «لا تكفي إيجار ستة أشهر»

جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان يوم 21 يونيو 2026 (رويترز)
جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان يوم 21 يونيو 2026 (رويترز)
TT

بيئة «حزب الله» مستاءة من تعويضات «لا تكفي إيجار ستة أشهر»

جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان يوم 21 يونيو 2026 (رويترز)
جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان يوم 21 يونيو 2026 (رويترز)

أشعلت المبالغ المالية التي أعلن «حزب الله» عن استعداده لصرفها للنازحين من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت أزمة داخلية ضمن البيئة الجنوبية، باعتبار تلك المبالغ «زهيدة» و«لا تكفي لدفع بدلات الإيجار لستة أشهر»، فضلاً عن أنها «غير عادلة وتكرس التمييز بين سكان الضاحية والجنوب»، حسب ما قال بعضهم.

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكان رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله»، علي دعموش، قد أعلن الثلاثاء برنامج الإيواء للنازحين أو الذين دُمّرت منازلهم أو تضرّرت بصورة كبيرة ولم تعد صالحة للسكن، محدّداً السقف الأعلى للمساعدات بقيمة 14 ألف دولار للوحدات السكنية في بيروت العاصمة والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار للوحدات السكنية خارج بيروت والضاحية. وقال إن المبالغ ستكون مقسطة على أربع دفعات، تتضمن كل دفعة 3500 دولار للنازحين في الضاحية الجنوبية وبيروت، و3000 دولار في بقية المناطق.

بدلات إيجار لا تكفي

وما أن أعلن دعموش عن الدفعات حتى انتشر امتعاض في أوساط جنوبيين اعتبروا أن هذه المبالغ المالية «غير منصفة». وقال مصدر محلي في النبطية لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأموال «بالكاد تكفي دفع بدلات الإيجار الشهري لمدة ستة أشهر». وأوضح: «بدل الإيجار الشهري في أدنى التقديرات، يبلغ 500 دولار شهرياً للمنزل خارج المدينة، ومن أراد الاستئجار في المدينة سيدفع 800 دولار.. هل هذا المبلغ يكفي بدلات الإيجار؟».

وتابع: «انتظرنا ستة أشهر. الدولة لم تدفع، ولم تنظر إلينا، أما الحزب فأعلن عن دفع مبالغ زهيدة لا يمكن بها شراء سرير أو ثلاجة»، عادّاً أن المبلغ المعلن عنه «لزوم ما لا يلزم».

بائع خضار أمام أبنية مهدمة في مدينة صور (أرشيفية - رويترز)

ويقدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية الوحدات السكنية المدمرة بشكل كامل في جنوب لبنان نحو 17900 وحدة سكنية، أما المباني المتضررة جراء الحرب، فيناهز 5200 وحدة.

خسائر كبيرة

وقال المصدر نفسه في النبطية إن خسائر الحرب «كبيرة جداً، وتمتد من الأبنية المدمرة وتكلفة الايجارات والأشغال التي توقفت، فضلاً عن مرور ستة أشهر دفع خلالها الناس بدلات إيجار من جيوبهم من غير أن يلتفت أحد لهم». وأضاف المصدر مشترطاً عدم كشف اسمه: «المبادرة التي قام بها (حزب الله) لا يمكن التعويل عليها، لأن الرقم صغير جداً، ولا يلحظ معاناة الناس واحتياجاتهم».

امرأة تتجول في شقتها المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان يوم 17 يونيو 2026 (أ.ب)

وينسحب الاستياء على سكان في مدينة صور ممن نزحوا إليها من القرى الحدودية المحتلة والمدمرة وخصوصاً الناقورة وعيتا الشعب ومروحين وأم التوت وطير حرفا. ويقول نازح إلى صور لـ«الشرق الأوسط» إنهم يدفعون بدلات إيجار منذ نحو ثلاث سنوات، و«الآن ستأتي دفعة لا تكفي لبدل إيجار ثلاثة أشهر في المدينة» حيث يبلغ متوسط إيجارات المنازل 700 دولار. وسأل: «الحزب يتعامل مع النازحين بمكيالين. نحن نعيش في مدينة، وسكان الضاحية يعيشون في مدينة أيضاً. لماذا صرف لهم 3500 دولار، بينما يُصرف لأهالي الجنوب 3000 دولار؟». ورأى أن المبالغ المعدة للصرف «زهيدة، وتبدو على أنها تنصّل من المسؤولية، وترويج لمساعدة لا تكفي حاجات الناس المتزايدة».

حجب تعويضات الترميم

ويعاني «حزب الله» ضائقة مادية نتيجة الحصار المفروض على حركة الأموال من إيران، لكن مؤيدين له يقولون إنه «يقوم بما يستطيع فعله في الظروف الحالية»، مشيرين إلى أن ما سيُصرف الآن «هو دفعة أولى، وستليها دفعات أخرى». لكن ذلك لم يبدد الاستياء الذي تتكرر عباراته على ألسنة الجنوبيين النازحين. ولا يقتصر الاستياء على المبالغ المتواضعة، ولا على «التمييز بين الجنوب والضاحية»، بل يشمل آلاف المتضررين من الحرب الذين لن يصرف لهم الحزب أي مبالغ لترميم منازلهم.

لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان يوم 5 يوليو 2026 (رويترز)

ويقول مصدر ينحدر من إحدى قرى مدينة صور لـ«الشرق الأوسط»: «على مدى أربعة أشهر، أبقيت أغلفة النايلون على النوافذ، على أمل أن يدفع (حزب الله) بدل ترميم لتثبيت نوافذ زجاجية، لكن هذا الأمر لم يحدث. سأضطر على أبواب الشتاء لاستدانة ألف دولار، وتركيب نوافذ زجاجية بدل تلك التي تحطمت بفعل الحرب». وتابع: «يبدو أن لـ(حزب الله) أولويات، ونحن المتضررون من الحرب، في أسفل قائمة أولوياته»، مضيفاً: «طالما أن هناك أموالاً تُصرف على المهجّرين من منازلهم، لماذا لا توجد أموال تُصرف على المتضررة منازلهم؟».

امتعاض في الضاحية أيضاً

ورغم هذا الامتعاض في الجنوب، لا يبدو أن سكان الضاحية راضون أيضاً، بالنظر إلى أن هناك نسبة أضرار عالية في المباني المحيطة بالمباني المهدمة، ولن يصرف «حزب الله» اي مبلغ مالي لهؤلاء المتضررين، خلافاً لما كان عليه الأمر بعد حرب عام 2024. ويقول سكان في الضاحية إن الحزب لم يصرف أي مبالغ، مما حال دون عودة مئات العائلات إلى منازلها المتضررة، فيما اضطرت عائلات أخرى لدفع نفقات الترميم من جيوبها، واختار بعضهم تثبيت أغلفة نايلون على النوافذ، وإصلاح المنازل «بالحد الأدنى بما يسمح بعودتنا إليها».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وفي دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، وبالتعاون مع الجيش اللبناني وإدارة السلامة والأمن في الأمم المتحدة، تبين أن هناك 146 مبنى مدمراً بشكل كامل في محافظتي بيروت وجبل لبنان، وفيما بلغ عدد المباني المتضررة بشكل جزئي 264. وعلى مستوى الوحدات السكنية، تم تسجيل تدمير 3168 وحدة سكنية بالكامل، فيما تضررت 4437 وحدة سكنية بشكل جزئي.


تعزيزات للمدفعية... هل تلوّح إسرائيل بتوسيع احتلالها جنوب لبنان؟

جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)
TT

تعزيزات للمدفعية... هل تلوّح إسرائيل بتوسيع احتلالها جنوب لبنان؟

جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

رفعت إسرائيل سقف تهديداتها بتوسيع احتلالها في جنوب لبنان، مع تلويح وزير دفاعها، يسرائيل كاتس، بإضافة منطقتَي النبطية والليطاني إلى ما وصفها بـ«المنطقة الأمنية الدائمة»، في حال انخرط «حزب الله» في مواجهة محتملة بين إسرائيل وإيران. وأثارت هذه التهديدات تساؤلات بشأن المواقع التي قد تسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة عليها، ومدى استعدادها لتنفيذ عملية برية أوسع، وسط تحركات عسكرية متواصلة واقتراب انتخابات الكنيست في الدولة العبرية.

وكان كاتس قد هدَّد بإجلاء سكان مناطق واسعة في الجنوب وصولاً إلى نهرَي الزهراني والأولي، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، متحدثاً عن نزوح أكثر من مليون شخص، ومؤكداً استعداد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ مناورة برية.

وتأتي التهديدات بعدما وسَّعت القوات الإسرائيلية انتشارها باتجاه مرتفعات استراتيجية، أبرزها قلعة الشقيف وعلي الطاهر قرب النبطية، بينما تعرَّضت مرتفعات الريحان وسجد وجبل الرفيع لغارات إسرائيلية، ما يطرح تساؤلات بشأن احتمال توسيع السيطرة على المرتفعات والممرات الجغرافية.

عمليات هدم وتدمير ممنهجة تقوم بها القوات الإسرائيلية بالمناطق التي تسيطر عليها جنوب الليطاني بقضاء بنت جبيل في 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل تسعى إلى حواجز جغرافية طبيعية

رأى العميد المتقاعد فادي داود أن التهديدات الإسرائيلية تتجاوز استهداف «حزب الله» وتفكيك بنيته العسكرية، وترتبط بأهداف سياسية وجغرافية أخرى. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»: «إن المواقع العسكرية والعمليات البرية، مهما كان حجمها أو عمقها، يجب أن تخدم فكرة المناورة العسكرية على الأرض، وهذه المناورة بدورها تخدم هدفاً سياسياً كبيراً»، موضحاً أن «الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على ضرب مراكز (حزب الله) وتفكيك بنيته العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى أهداف مرتبطة بالجغرافيا والسيطرة على الأرض».

ولفت إلى أن «قراءة التَّحرُّكات الإسرائيلية في جنوب لبنان تستدعي النظر إلى ما يجري في جنوب سوريا، وتحديداً في ريف القنيطرة ومنطقة جبل الشيخ، حيث يظهر أن المسارين مترابطان ومتلازمان ضمن توجه إسرائيلي يقوم على استخدام الجغرافيا لإنشاء مناطق أمنية».

وأكد داود أن «قراءة النوايا الإسرائيلية يجب أن تنطلق من الوقائع الميدانية، وليس من التصريحات وحدها»، مشيراً إلى أن «إسرائيل لم تصل بعد إلى خط المرحلة الذي تسعى إلى بلوغه، وأن أي تقدم عسكري يجري وفق مراحل متتابعة، مهما كانت المسافة المطلوب التقدم إليها».

وشرح: «أي عمل عسكري، حتى لو كان التَّقدُّم المطلوب لا يتجاوز 100 متر، يُقسّم إلى مراحل، تبدأ بالتحضير الناري وتأمين الأجنحة، ثم الانطلاق في الهجوم وتثبيت المواقع»، لافتاً إلى أن «خطوط المراحل العسكرية تستند عادة إلى حواجز جغرافية طبيعية، تسمح للقوات المهاجِمة بتثبيت انتشارها وتنظيم دفاعاتها».

مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمُدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي يوم 23 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وشدَّد على أن «العبرة ليست بما تقوله إسرائيل، بل بما تفعله على الأرض وبالمواقع التي تسعى إلى الوصول إليها»، موضحاً أن «القوات الإسرائيلية تسعى إلى الوقوف عند خط جغرافي واضح، ولا يمكنها أن تتوقف في منتصف منطقة من دون الاستناد إلى حاجز جغرافي يتيح لها تثبيت وجودها».

وطرح داود احتمال امتداد الطموحات العسكرية الإسرائيلية إلى نهر الأولي، شمال صيدا، عادّاً أن «وصول القوات الإسرائيلية إلى خط نهر الأولي والسيطرة عليه يعنيان توسيع الحزام الأمني إلى عمق كبير داخل الأراضي اللبنانية، وأن السيطرة على هذا الخط ستنعكس على كامل المناطق الواقعة إلى جنوبه، بما فيها إقليم التفاح والقرى المحيطة به».

تصعيد مرتبط بإيران

بدوره، ربط العميد المتقاعد، ناجي ملاعب، التهديدات الإسرائيلية بالتحضيرات العسكرية واحتمالات المواجهة مع إيران، في ظلِّ اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «إن حديث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن إمكان الوصول إلى نهر الأولي يعني أن التهديدات لم تعد محصورة بقضاء النبطية أو منطقة الليطاني، بل باتت تشمل نطاقاً جغرافياً أوسع يمتد إلى صيدا ومحيطها»، لافتاً إلى أن «التهديدات لم تقتصر على الجنوب، بل شملت أيضاً الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما يعكس تصعيداً كبيراً في الخطاب الإسرائيلي على أبواب الانتخابات».

وأوضح أن «هذه التهديدات تترافق مع تحرك عسكري إسرائيلي مهم على الأرض، يتمثَّل في انتهاء لواء المدفعية 282 من تدريبات واسعة شملت كيفية التعامل مع المسيّرات التي يستخدمها حزب الله، فضلاً عن عمليات الإخلاء في أثناء المعارك»، مشيراً إلى أن «اللواء انتقل مباشرة بعد انتهاء تدريباته إلى جنوب لبنان، ما يعني أن إسرائيل باتت تمتلك قوة مدفعية إضافية، إلى جانب القوات الموجودة أصلاً، وجاهزة للتحرك إذا صدرت الأوامر العسكرية بذلك».

وشدَّد ملاعب على أن «احتمال توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية لا يرتبط بمواقع جغرافية محددة بقدر ما يرتبط بطبيعة القرار الإسرائيلي، ومدى تدخل (حزب الله) في أي مواجهة جديدة قد تحصل بين إسرائيل وإيران»، موضحاً أن «التطورات قد تتخذ مسارات مختلفة، سواء إذا قررت إيران استغلال فترة الانتخابات الإسرائيلية لتنفيذ هجمات أو التأثير في مسارها، أو إذا اتجهت إسرائيل إلى توسيع الحرب ضد إيران قبل الانتخابات أو خلالها».

وأشار إلى أن «احتمال توسيع المواجهة مع إيران كان موضع نقاش بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظلِّ التحفظات التي أبداها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير حيال تداعيات الدخول في مواجهة قد تكون انعكاساتها صعبة على إسرائيل، خصوصاً إذا لم تكن مستعدة لها عسكرياً، وفي ظلِّ اقتراب الاستحقاق الانتخابي».

وفيما يتعلق باستعدادات «حزب الله»، عدّ ملاعب أن «ضبط (قوات الأمن اللبنانية) شاحنة واحدة (محملة بالمتفجرات) مرتبطة بالحزب لا يعني بالضرورة أنها الوحيدة التي عبرت، إذ من الممكن أن تكون شاحنات أخرى قد مرَّت من دون ضبطها»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يطرح احتمال أن يكون الحزب في طور الاستعداد لتحرك عسكري ما، في حال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة»، مؤكداً أن «السؤال الأساسي اليوم ليس أي المواقع قد تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليها، بل ما إذا كان القرار السياسي والعسكري بتوسيع العمليات سيتخذ».

تطورات ميدانية

ميدانياً، شنَّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارةً عنيفةً على كفرتبنيت في قضاء النبطية، بالتزامن مع تصعيد جوي ومدفعي في قضاءَي صور وبنت جبيل، شمل 3 غارات على المنصوري ورابعة على وادي زبقين. وطال القصف المدفعي برعشيت وحدّاثا وأطراف حاريص ومحيط زبقين وشقرا، ثم المنصوري ومجدل زون فجراً. ونفَّذت الطائرات الحربية غارات وهمية فوق صور والقرى المحيطة، وألقت قنابل مضيئة فوق المنصوري وبيوت السياد. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية إصابة شخصين، أحدهما طفل يبلغ 4 سنوات، بغارة على حداثا. وفي كفرشوبا، منعت قوة إسرائيلية مزارعين لبنانيِّين من دخول منطقتَي عزرائيل وبسطرة لقطاف الزيتون، وسط استمرار صعوبات وصول سكان القرى الحدودية إلى أراضيهم الزراعية.