20 عاماً على اغتيال سمير قصير... صُور الحرّية غير المُكتملة

معرض فوتوغرافي يروي المصير اللبناني من ربيع 2005 إلى أزمات اليوم

مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
TT

20 عاماً على اغتيال سمير قصير... صُور الحرّية غير المُكتملة

مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)

مرَّت 20 سنة على اغتيال سمير قصير. 20 عاماً على محاولة إسكات قلم تمرَّد على الخوف وفتح أفقاً للحرّية. غير أنّ الحكاية لم تنتهِ في الثاني من يونيو (حزيران) 2005. تتردَّد أصداؤها في الأزقّة والساحات والوجوه. وحضور الصحافي والمفكر اللبناني لا يزال يتجلَّى في كلّ اعتراض على الكذب ومحوٍ للذاكرة. ولعلَّ معرض «20 عاماً من أجل الحرية... مسيرة لم تكتمل»، الذي استضافه غاليري «آرت أون 56» في الجمّيزة البيروتية، جاء ليؤكد أنّ اغتيال الجسد لم يوقف المسيرة، وأنّ الصورة قادرة على إعادة بناء السردية من تحت الركام.

كل صورة سؤال: ماذا سنفعل بما تبقّى من حرّية؟ (الشرق الأوسط)

8 مصوّرين صحافيين من أجيال مختلفة حملوا الكاميرا؛ كلٌّ منهم بطريقته، ليصنعوا أرشيفاً بصرياً يصعب تجاوزه. من خلال عدساتهم، نرى العقدين الأخيرين من تاريخ لبنان: لحظات النضال، انكسارات الناس، بقايا الأمل، الدموع التي سقطت على الأرصفة. صُورهم تتجاوز التوثيق البارد، لتغدو مراثي وبيانات احتجاج وصيحات حبّ في وجه النسيان.

اتّخذ النضال من أجل الحرية في لبنان وجوهاً متعدّدة: هدير الساحات في ربيع 2005 حين ارتفعت الأصوات مُطالبة بالسيادة، مواكب الشموع لأرواح ضحايا الاغتيال السياسي، مسيرات النساء الداعيات إلى المساواة والحق في الحضانة، المظاهرات ضدّ الفساد والإفقار والوصاية الطائفية. ثم كانت لحظة الخراب الأكبر، مع دمار بيروت بعد انفجار المرفأ، ومع حرائق الغابات تحت القصف، ومع الانهيار الاقتصادي الذي التهم أرواح الناس قبل أرزاقهم. في كلّ ذلك، كانت الكاميرا شاهداً، تُعيد للضحايا كرامتهم حين جرَّدهم السياسيون منها، وتمنح الذاكرة جسداً حين حاول الطغاة محوها.

وجهٌ واحد يكفي ليختصر هدير ساحة بأكملها (ربيع ياسين)

الصور في المعرض كانت صراعاً مع الواقع، وليست فقط انعكاساً له. فهي تُظهر ما يُخفيه الخطاب الرسمي: دمعة أمّ، صلابة مُتظاهر، وجهاً في حشد، جداراً صار ساحة، أو قبلة في زمن مقموع. إنها تُحوّل اللحظة العابرة إلى شهادة، والوجع الإنساني إلى صلابة في وجه الطمس. لذلك يبدو المعرض كأنه متحف للذاكرة الحيّة؛ يُذكّرنا بأنّ الأوطان تُبنى أيضاً بالصور، وبأنّ الفوتوغرافيا فعل نضال ضدّ العدم.

من بين المعروض، يطلُّ محمد ياسين بصورة تُوثّق حريق غابات الجنوب في أغسطس (آب) 2024، حين اجتاحت القنابل الإسرائيلية والفوسفور الأبيض الطبيعة، فأحرقت أشجار الصنوبر وخنقت الطيور والحيوانات. تتخطّى الصورة كونها تسجيلاً لحادثة، لتصبح شهادة على موت الطبيعة نفسها تحت القصف، كأنها تُذكّرنا أنّ الأرض أيضاً ضحية. وهو المصوّر ذاته الذي التقط صورة لمخيّم لاجئين في زحلة وقد ابتلعته النار، فلم يبقَ من حياة الناس سوى رماد.

غابة تحترق والسماء شاهدة على موت الطبيعة معنا (محمد ياسين)

أما كارمن يحشوشي، فتعود بنا إلى 5 أغسطس 2020، بعد أيام على جريمة المرفأ، حيث المظاهرة الكبرى التي ملأها الغضب والغاز المسيّل للدموع. التقطت لحظة الغليان كأنها تقول إنّ المدينة تصرخ. إلى جانبها، نسمع صوت تمارا سعادة التي تروي كيف كادت عيناها تعجزان عن الرؤية تحت الدخان، لكنّ إصبعها ظلَّ يضغط على زرّ الكاميرا بإصرار، لتُثبت أنّ الشهادة أحياناً أهم من الراحة، وفعل التصوير نفسه نوع من الشجاعة.

ويحضر حسين بيضون بصورة جندي يُراقب المتظاهرين من ثغرة ضيقة في جدار عازل خلال احتجاجات 2015 ضدّ تراكم النفايات. صورة تختصر المسافة بين دولة تحتمي بالأسوار وشعب يبحث عن هواء نظيف. في المقابل، يُقدّم ربيع ياسين صورة من ديسمبر (كانون الأول) 2020 لمواجهة عنيفة بين محتجّين وقوات الأمن، يصفها بأنها نقطة مفصلية للثورة، حين تَحوّل الحلم إلى صِدام مفتوح.

صورة تتجاوز التوثيق البارد لتغدو بيان احتجاج (مروان طحطح)

ولأنّ الحرية ليست مطلباً سياسياً فقط، يوقفنا حسن شعبان أمام صورة لقُبلة وسط مظاهرة تُطالب بالزواج المدني، وأخرى لنساء يهتفن ضدّ قوانين الحضانة المُجحفة وقد حُرمن من أطفالهن. هنا تصبح الصورة دعوة للحبّ بقدر ما هي دعوة للعدالة. أما جمال السعيدي، فيحفظ صورة لكشك صحف في شارع الحمراء، مثل مَن يوثّق مكان الكلمة المطبوعة في زمن الخفوت، فيما يُرينا مروان طحطح ريشة مُلقاة على الأسفلت؛ رمزية كئيبة للكتابة والصحافة وقد تُركت وحيدة، خفيفة، فوق أرض صلبة بلا رحمة.

ريشة على الإسفلت... كأنّ الكتابة نفسها سقطت جريحة (مروان طحطح)

صحف في شارع الحمراء مثل مَن يوثّق مكان الكلمة المطبوعة في زمن الخفوت (جمال السعيدي)

لا يُقدّم هذا المعرض ماضياً مؤطَّراً بقدر ما يفتح أبواب الحاضر على أسئلته. بالنسبة إلى «مؤسّسة سمير قصير»، هو فعل استمرارية أكثر منه تذكاراً. الرسالة ثابتة: الدفاع عن حرّية التعبير، عن مساحة تُقال فيها الحقيقة بلا خوف، وعن ذاكرة لا تُمحى بالتضليل. وكما يوضح مديرها التنفيذي أيمن مهنّا، فإنّ مسار الحرّية ليس خطّاً صاعداً. فكلّ مكسب يتعرَّض للانتقاص، وكلّ خطوة إلى الأمام تُواجه تهديداً بالتراجع. والتحدّيات اليوم، من انهيار اقتصادي إلى خطر الحرب وعودة الانقسام الطائفي، كلّها تُحذّر بأنّ الحرّية نضال يومي، وليست على الإطلاق حقاً مضموناً.

جندي يراقب من ثغرة ضيّقة صورة بلد يختنق (حسين بيضون)

يترك التجوّل بين الصور شعوراً مزدوجاً: فهي من جهة وثائق لزمن انقضى، ومن جهة أخرى أسئلة عن زمن يتشكَّل: ماذا سنفعل بالحرّية التي لا تزال في أيدينا؟ متى تكتمل المسيرة التي حلم بها سمير قصير؟ وهل يمكن لبلد يصرّ على التغاضي أن يكتب مستقبلاً مختلفاً؟

الصورة، في جوهرها، صرخة ضدّ النسيان. ذاكرة متجسّدة، وحصن يُعاند المحو. لذلك، يبدو المعرض كلّه كأنه نداء: الحرّية لا تُمنح مرة واحدة؛ هي تُستعاد مراراً. والذاكرة ليست خياراً؛ إنها شرطٌ للبقاء.


مقالات ذات صلة

السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

يوميات الشرق جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)

السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

لم يعد سؤال صنّاع السينما يدور حول عدد العناوين، بل حول أيّ الروايات تصلح لأن تُروى على الشاشة...

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق الرسومات الملونة على نوافذ المبنى القديم (الشرق الأوسط)

«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

«بوابة البوابات» معرض يُقام حاليا بجدة يقدم مشروع بصري من تصوير الفنان السعودي معاذ العوفي وتنسيق الكاتب فيليب كاردينال يستكشف مبنى «باب البنط» قبل إعادة تأهيله

عبير مشخص (جدة)
يوميات الشرق معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)

معرض «الرحيل»... حكاية حنين عميقة إلى الوطن بعدسة أنس خلف

تأخذ الجولة في المعرض الزائر إلى معالم دمشق المختلفة: المسجد الأموي، وأزقّتها وأحيائها القديمة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «سوق الجمال» لقطة الميدالية الذهبية (بينالي فياب للشباب)

مصور مصري يقتنص الميدالية الذهبية في «بينالي الشباب» بالبحرين

حصدت مصر الميدالية الذهبية في «بينالي الشباب للاتحاد الدولي للتصوير الفوتوغرافي» (FIAP)، لعام 2025، الذي أقيمت فعالياته في البحرين، بمشاركة فنانين من 40 دولة.

حمدي عابدين (القاهرة )
أوروبا أمير ويلز وزوجته الأميرة كيت في ويندسور (أ.ف.ب)

الأمير وليام يكسب دعوى قضائية ضد مجلة فرنسية بسبب صور عطلة خاصة

فاز الأمير البريطاني وليام وزوجته كيت في قضية خصوصية رفعها ضد مجلة «باري ماتش» الفرنسية بسبب نشرها صوراً التقطها مصوّرون محترفون لهما ولأطفالهما خلال عطلة خاصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فردوس عبد الحميد: «المسرح القومي» جزء من هويتي الفنية

فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
TT

فردوس عبد الحميد: «المسرح القومي» جزء من هويتي الفنية

فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)

أعربت الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد عن سعادتها الكبيرة بتكريمها في النسخة الحالية من مهرجان المسرح العربي في القاهرة، مؤكدة أن هذا التكريم يحمل لها معنى خاصاً؛ لأن المسرح هو بيتها الأول وبدايتها الحقيقية، منذ دراستها في أكاديمية الفنون، وكان بوابة دخولها إلى السينما والدراما.

وقالت فردوس عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إنها تعتز بمسيرتها المسرحية التي تركزت على خشبة «المسرح القومي» مع تقديمها كثيراً من الأعمال المهمة، على غرار «الجنس الثالث» للكاتب الراحل يوسف إدريس، و«الإسكافية العجيبة»، بالإضافة إلى «متلوف»، وكذلك «أنتيجون» التي اعتبرتها من التجارب الفارقة في مسيرتها: «حيث سافر العرض إلى فرنسا بدعوة رسمية، لتقديمه على المسرح الفرنسي، بعد أن شاهد الفرنسيون نسخة بلُغتهم، وأرادوا الاطلاع على الاختلاف في الرؤية والأداء»، على حد تعبيرها. وهو ما أسعدها كثيراً؛ خصوصاً مع الإشادة النقدية التي حظيت بها وقتها.

وأكدت أنها طوال حياتها تحب المسرح، وترى أن من يبدأ فناناً على خشبة المسرح يصبح فناناً حقيقياً؛ لأن الوقوف أمام الجمهور مباشرة يمنح الممثل ثقة كبيرة، مستعيدة ذكريات البدايات حين لم تكن الميكروفونات مستخدمة، وكان على صوت الممثل أن يصل إلى آخر مقعد في الصالة، وهو ما علَّمهم الكثير من الانضباط والالتزام وقوة الأداء.

وشددت على أنها لم تبتعد عن المسرح بإرادتها، موضحة: «طلبت العودة أكثر من مرة من إدارات (المسرح القومي) المتعاقبة في السنوات الماضية؛ لكني لم أجد استجابة، وما زلت متحمسة لتقديم مزيد من الأعمال المسرحية الجادة، إذا ما أتيحت الفرصة المناسبة».

واعتبرَتْ أن التجارب التي يقدمها المسرح الخاص -حتى مع تطوره- لا تناسبها بشكل كبير، باعتبار أن «غالبيتها تركز على الكوميديا، بجانب الارتجال في بعض المشاهد، على العكس من المدرسة المسرحية التي نشأتُ عليها في (المسرح القومي) المعتمدة على الانضباط والالتزام بالنص والرؤية الفنية»، وفق قولها.

وأشارت إلى أن النظرة السائدة باستمرار هي أن فناني مسارح الدولة لا يناسبون القطاع الخاص، بسبب اختلاف المنظور والأسلوب، وهو أمر استمر تاريخياً حتى الآن.

وتحدثت فردوس عبد الحميد عن وجود عدد كبير من العروض المسرحية المصورة التي لم تُعرض على الشاشات حتى الآن، مؤكدة أن هناك أيضاً تراثاً مسرحياً ضخماً جرى تصويره بالفعل لكثير من العروض التي شاركت فيها، ولكن النسخ المصورة لم تعد تُعرض على الشاشات؛ لأن معظمها أصبح بحاجة إلى ترميم؛ معربة عن أملها في أن يكون هناك اتجاه لترميمها، على غرار ما يحدث حالياً مع الأفلام القديمة.

خلال تسلُّم التكريم على خشبة المسرح (مهرجان المسرح العربي)

وأضافت فردوس عبد الحميد أن «الأعمال المصورة قُدمت على المسرح بشكل احترافي، وبجودة كبيرة، وبنجوم لهم تاريخ كبير، وإذا أتيح عرضها اليوم على المنصات أو الشاشات فستلقى ردود فعل إيجابية من الجمهور؛ الأمر الذي يتطلب نظرة من المسؤولين عن هذا الملف، لخروج هذه التجارب التي لا تزال يعاد تقديم بعضها من حين لآخر».

واستعادت الممثلة المصرية ذكريات عدة جمعتها مع نجوم المسرح المصري، منهم السيدة أمينة رزق؛ حيث تذكرت فردوس عبد الحميد المرة الأولى التي وقفت فيها إلى جوارها في عرض مسرحي، وشاهدتها قبل دخولها المسرح وهي ترتعش من شدة الرهبة، رغم أنها كانت فنانة كبيرة، ولكنها ما إن تصعد إلى الخشبة حتى تتحول إلى طاقة هائلة من العطاء، ويعلو صوتها في الصالة بشكل مبهر، لدرجة أن فردوس عبد الحميد كانت تنسى دورها أحياناً، وتجلس لتشاهدها من شدة الإعجاب؛ حسب تعبيرها.

وأوضحت فردوس عبد الحميد أن «الالتزام في المسرح يبدأ منذ لحظة الاستعداد للعرض؛ حيث كان الفنانون يحضرون قبل رفع الستار بثلاث ساعات على الأقل، للتحضير النفسي للدور؛ لأن الأداء على المسرح يتطلب انضباطاً صارماً»، مشيرة إلى أنهم تعلموا من كبار الفنانين أهمية الحفظ الدقيق للنص، وعدم السماح بالخطأ؛ لأن الفن بالنسبة لهم لم يكن مجرد مهنة؛ بل كان حياة كاملة.

الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد التي سبق أن قدمت فيلم «كوكب الشرق» وجسَّدت خلاله شخصية السيدة أم كلثوم، رفضت التعليق على تجربة فيلم «الست» الذي لعبت فيه منى زكي الدور نفسه أخيراً، مؤكدة أنها لا تُبدي رأياً في أعمال قدمها زملاؤها، ولا يمكن أن تنتقد فنانة أخرى، كما ترفض الدخول في أي سجالات أو نقاشات عن زملائها في الوسط الفني.

وكشفت فردوس عبد الحميد أنها اعتذرت عن عدم المشاركة في مسلسلين عُرضا عليها خلال موسم رمضان، مفضلة عدم الوجود إلا في أعمال تحبها، وترى نفسها فيها، وليس من أجل الوجود فحسب.


وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
TT

وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)

نفقت أنثى الشمبانزي المولودة في غرب أفريقيا، والتي كانت تستطيع التعرُّف إلى أكثر من 100 رمز صيني، إضافة إلى الأبجدية الإنجليزية، في اليابان عن 49 عاماً.

ووفق «الإندبندنت»، نفقت «آي»، التي تشتهر باسم «الشمبانزي العبقرية»، في 9 يناير (كانون الثاني) الحالي بسبب فشل في أعضاء عدّة نتيجة التقدُّم في العمر، وكان يحيط بها وقت النفوق فريق العمل الذي اعتنى بها طوال عقود، كما ذكر مركز أصول السلوك البشري التطوّري بجامعة كيوتو في بيان.

وأصبحت «آي»، التي وصلت إلى اليابان عام 1977، الشخصية الرئيسية فيما سيُطلق عليه لاحقاً اسم مشروع «آي»، وهو محاولة رائدة لفهم كيف تدرك قردة الشمبانزي وتتذكر وتفسّر العالم، وفق ما ذكره المركز. وبدأت مشاركتها عندما كانت في عمر السنة، وسرعان ما حوّلها فضولها الفطري إلى واحدة من الرئيسيات التي حظيت بأكبر قدر من الدراسة في التاريخ العلمي.

الشمبانزي التي كسرت حدود الذكاء الحيواني (أ.ف.ب)

وزوّد الباحثون «آي» بلوحة مفاتيح خاصة متّصلة بجهاز كمبيوتر عندما كان عمرها 18 شهراً، ممّا سمح لها بتسجيل الاختيارات والاستجابات في الاختبارات الإدراكية. وعندما أصبحت في الخامسة، باتت قدراتها بارزة وعجيبة. وكتب اختصاصي الرئيسيات في مشروع «آي»، تيستورو ماتسوزاوا، في ورقة بحثية عام 1985، أنّ «آي» قد «أجادت تسمية الأعداد من 1 إلى 6، وكانت تستطيع تسمية الأعداد والألوان والأشياء من 300 نوع من العينات».

كانت «آي» المُشاركة الأشهر في بحوث ماتسوزاوا، ويعني اسمها «الحب» في اللغة اليابانية. وبمرور الوقت، ازدادت مهاراتها بشكل كبير. وفي عام 2014 قال ماتسوزاوا إنها كانت تستطيع التعرُّف إلى الأعداد العربية من صفر حتى 9، و11 لوناً مختلفاً، وأكثر من 100 شخصية صينية، فضلاً عن الأبجدية الإنجليزية.

وكانت «آي» فنانة؛ إذ كثيراً ما ترسم أو تلوّن من دون تحفيزها بالطعام. وتصدَّرت عناوين الصحف الرئيسية يوماً ما عندما تمكّنت من فتح قفصها بمفتاح والهروب مع قرد آخر. وعام 2000 ولدت ذكراً سُمّي «أيومو» أصبح شهيراً لاحقاً لذاكرته الاستثنائية. وعام 2017 حُوِّلت إحدى لوحات «آي» إلى وشاح قُدِّم إلى جين غودال. ومن أشهر أعمالها الفنّية لوحة تعود إلى عام 2013 على ورقة من ورق الشيكيشي باللونين الأحمر والأسود، وأُهديت إلى الأستاذ كازو أويكي عندما أصبح عميد جامعة كيوتو للفنّ والتصميم.

ووفق مجلة «سميثسونيان»، روى ماتسوزاوا لقاءه الأول بـ«آي» وقال: «عندما نظرت إلى عينَي هذه الشمبانزي نظرتْ إليَّ. وقد أذهلني هذا، فالقردة التي عرفتها وعملت معها لم تنظر إلى عينيَّ أبداً». وتابع: «كنت أعتقد أنّ الشمبانزي قردة سوداء كبيرة، لكنها لم تكن مجرّد قردة، وإنما كائن غامض».


الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
TT

الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)

انخفضت خسائر الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم بشكل حاد إلى 224 مليار دولار في عام 2025، وفق ما أعلنت شركة إعادة التأمين «ميونيخ ري» التي حذَّرت مع ذلك من استمرار التوقعات «المقلقة» المرتبطة بالظواهر الجوية المتطرفة الناجمة -على الأرجح- عن تغير المناخ.

وتعكس هذه الأرقام انخفاضاً بنسبة 40 في المائة تقريباً مقارنة بالعام السابق، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم تعرض الولايات المتحدة لأي إعصار لأول مرة منذ سنوات.

مع ذلك، أشارت «ميونيخ ري» -وهي شركة ألمانية متخصصة في قطاع التأمين- إلى أن «الصورة العامة لا تزال مقلقة فيما يتعلق بالفيضانات والعواصف الشديدة وحرائق الغابات في عام 2025».

وذكرت «ميونيخ ري» في تقريرها السنوي عن الكوارث، أن حرائق لوس أنجليس في يناير (كانون الثاني) كانت الكارثة الأكثر تكلفة في العام؛ إذ بلغت الخسائر الإجمالية 53 مليار دولار، منها نحو 40 مليار دولار من الخسائر التي تغطِّيها شركات التأمين.

أطفال يلعبون في شارع غمرته المياه بجاكرتا (د.ب.أ)

وتوقفت الشركة عند عدد من الظواهر المتطرفة التي يُرجَّح أن يكون تغير المناخ قد أثر فيها عام 2025، مشيرة إلى أن إفلات العالم من خسائر أكبر كان من قبيل الصدفة البحتة.

وقال كبير علماء المناخ في شركة «ميونيخ ري» توبياس غريم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعاني كوكبنا من ارتفاع حاد في درجات الحرارة، ونتيجة لذلك نشهد سلسلة من الظواهر الجوية القاسية والعنيفة».

وفي الشهر الماضي، أعلنت «سويس ري»، وهي شركة رائدة أخرى في قطاع إعادة التأمين، عن انخفاض كبير في خسائرها عام 2025؛ إذ بلغت في المجمل 220 مليار دولار.

وحسب تقرير «ميونيخ ري»؛ بلغت الخسائر المؤمَّن عليها لعام 2025 نحو 108 مليارات دولار، في انخفاض حاد أيضاً مقارنة بالعام السابق.

منازل متفحمة وسيارات محترقة وسط أنقاض مبنى سكن دمره الحريق في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وأشار التقرير إلى أن نحو 17 ألف شخص ومائتين لقوا حتفهم جراء الكوارث الطبيعية حول العالم، وهو رقم أعلى بكثير من الرقم المسجل عام 2024 الذي ناهز 11 ألفاً، ولكنه أقل من المتوسط السنوي للعشر سنوات الماضية البالغ 17 ألفاً و800.

وقال غريم إن عام 2025 كان عاماً «ذا وجهين»، مضيفاً: «كان النصف الأول من العام هو الأكثر تكلفة في تاريخ قطاع التأمين من حيث الخسائر»، بينما شهد النصف الثاني أدنى الخسائر خلال عقد.

حرائق وزلازل

تُعدُّ التكاليف التراكمية للكوارث الصغيرة، كالفيضانات المحلية وحرائق الغابات، الأكثر تأثيراً حالياً.

وبلغت الخسائر الناجمة عن هذه الكوارث 166 مليار دولار العام الماضي، وفق «ميونيخ ري».

وبعد حرائق لوس أنجليس، كانت الكارثة الأكثر تكلفة هذا العام هي الزلزال المدمر الذي ضرب ميانمار في مارس (آذار)، والذي يُقدَّر أنه تسبب في خسائر بلغت 12 مليار دولار، لم يُغطَّ منها سوى جزء ضئيل.

وتسببت الأعاصير المدارية في خسائر تُقدَّر بنحو 37 مليار دولار.

وتعرضت جامايكا للإعصار «ميليسا»، أحد أقوى الأعاصير التي ضربت اليابسة على الإطلاق، مُخلِّفاً خسائر تُقدَّر بنحو 9.8 مليار دولار.

صورة جوية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب إعصار ميليسا بمنطقة ميدل كوارترز بجامايكا (أ.ف.ب)

وبلغت الخسائر الإجمالية في الولايات المتحدة، على مستوى المناطق، 118 مليار دولار، منها 88 مليار دولار مُغطَّاة بالتأمين، في مبلغ قريب من تقديرات منظمة «كلايمت سنترال» الأميركية غير الربحية للخسائر الإجمالية البالغة 115 مليار دولار.

وبلغت خسائر منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو 73 مليار دولار، ولكن لم يُغطَّ منها سوى 9 مليارات دولار، وفق التقرير.

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق مبنى سكني في منطقة ألتادينا بمقاطعة لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وشهدت أستراليا ثاني أسوأ الأعوام من حيث إجمالي الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية منذ عام 1980، وذلك بسبب سلسلة من العواصف الشديدة والفيضانات.

وبلغت خسائر أوروبا 11 مليار دولار. أما الكوارث الطبيعية في أفريقيا فقد تسببت في خسائر بقيمة 3 مليارات دولار، لم يُغطَّ منها سوى أقل من خُمسها.

لقطة عامة لمنطقة غمرتها الفيضانات في مقاطعة كلونكوري شمال غربي كوينزلاند بأستراليا (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التقرير في وقت يزداد به التشكيك في السياسات البيئية، ولا سيما منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة، والذي يصف مخاطر التغير المناخي بأنها «خدعة».

لكن غريم حذَّر من أن الأرض «لا تزال تشهد ارتفاعاً في درجة حرارتها».

وأشار إلى أن «ارتفاع درجة الحرارة يعني زيادة الرطوبة، وهطول أمطار غزيرة، وسرعة رياح أعلى، فالتغير المناخي يُسهم بالفعل في الظواهر الجوية المتطرفة».