السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

اتفاق لنقل «القبيلة التي تضحك ليلاً» من الكتاب إلى الشاشة الفضية

جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)
جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)
TT

السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)
جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)

حضرت السينما وصناعتها بشكل لافت في معرض جدة للكتاب، إذ لم يعد هذا الحدث مجرّد مساحة للعرض والاقتناء، بل بلغ مرحلة نضجه الثقافي، حين تحوَّل إلى منصة تلتقي فيها الحكاية الورقية بالصورة، ويمدّ فيها الأدب يده إلى مختلف مسارات الحياة، بما فيها السينما، من دون حواجز داخل أروقة معرض هذا العام.

فيلم «نورة» حاضر في معرض جدة الثقافي (الشرق الأوسط)

ولم يعد سؤال صنّاع السينما يدور حول عدد العناوين، بل حول أيّ الروايات تصلح لأن تُروى على الشاشة، وأيّ القصص تمتلك ما يكفي من العمق لتغادر الصفحة إلى الضوء. ويبدو أنّ المعرض أشبع شهية الباحثين عن الصناعة أو المتعة، من خلال ما يُعرض داخل صالاته من أفلام سعودية خالصة.

وضمن هذا السياق، شهد معرض جدة للكتاب 2025 توقيع اتفاقية بين المخرج والمنتج أسامة الخريجي، والروائي سالم الصقور، لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى عمل سينمائي، في خطوة تعكس اتساع اهتمام المنتجين والمخرجين بالاشتغال على السرد الأدبي السعودي، والبحث عن نصوص قادرة على العبور إلى لغة الصورة.

جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الاتفاقية ضمن توجّه أوسع يشهده المعرض هذا العام، يقوم على تعزيز التكامل بين الأدب والسينما، وتقديم السرد المحلّي عبر وسائط متعدّدة، بما يواكب التحوّلات التي يشهدها المشهد الثقافي والفنّي في المملكة، ويعكس نضج العلاقة بين الكاتب وصانع الصورة، وذلك في إطار سعي هيئة الأدب والنشر والترجمة إلى دعم الأفلام السعودية بأشكال مختلفة.

ومن المُنتظر أن يخضع المشروع خلال المرحلة المقبلة لعمليات التطوير والمعالجة والكتابة السينمائية، تمهيداً للانتقال إلى مراحل الإنتاج اللاحقة.

وقال الروائي سالم الصقور لـ«الشرق الأوسط» إنّ روايته «القبيلة التي تضحك ليلاً»، الصادرة مطلع عام 2024، تُمثّل تجربته الروائية الأولى، مشيراً إلى أنّ وصولها إلى السينما جاء عبر مسار لم يكن مُخطَّطاً له مسبقاً، بل تشكَّل نتيجة تقاطع الاهتمام والقراءة الجادّة للنص.

وأوضح أنّ المخرج والمنتج أسامة الخريجي اطّلع على الرواية قبل نحو 8 أشهر، من دون معرفة شخصية سابقة بين الطرفين، وأنه تواصل معه بعد قراءة العمل، وبدأت منذ ذلك الحين سلسلة من اللقاءات والنقاشات حول إمكان تحويل الرواية إلى فيلم، انتهت بتوقيع الاتفاقية أخيراً في معرض جدة للكتاب.

ندوة حول السينما وتأثيرها (الشرق الأوسط)

وبيَّن الصقور أنّ الرواية تدور أحداثها في يوم واحد فقط، تبدأ في مستشفى، حيث ينتظر بطل العمل مولوده الأول بعد 15 عاماً من محاولات الإنجاب، ليواجه صدمة ولادة طفل يعاني مشكلات صحية حرجة تتعلَّق بعدم اكتمال نمو بعض أعضائه. وخلال 24 ساعة، يخوض الأب صراعاً إنسانياً لإنقاذ ابنه، بينما تستعيد الرواية، عبر تقنية الاسترجاع، سنوات الانتظار الطويلة وما رافقها من ضغوط اجتماعية داخل مجتمع قبلي يتدخّل في خصوصيات الأفراد وحيواتهم الشخصية.

وأشار إلى أنّ تجربته مع السينما كانت محدودة، بوصفه مشاهداً فقط، مؤكداً أنّ النقاشات مع الخريجي أسهمت في توضيح آليات التحويل السينمائي، ومنها مفهوم «التحويل الحرّ»، الذي يتيح إعادة بناء العمل بصرياً من خلال إضافة أو حذف شخصيات وأحداث، مع الحفاظ على جوهر النصّ وروحه الإنسانية.

ندوة ناقشت الموسيقى التصويرية في معرض جدة للكتاب (الشرق الأوسط)

وأضاف أنّ ما طمأنه للمُضي في هذه التجربة هو وعي المخرج بالنصّ، وقدرته على التعامل معه على مستويات متعدّدة، مشيراً إلى أنّ الفهم العميق للرواية شكَّل عنصر الثقة الأساس في تحويلها إلى عمل سينمائي. وأكّد أن الجدول الزمني للمشروع بدأ مع توقيع الاتفاق الذي ينصّ على معالجة الرواية سينمائياً، إيذاناً بدخولها حيّز التنفيذ خلال المرحلة المقبلة.

منطقة مخصَّصة للأطفال تضم أكثر من 40 فعالية متنوّعة تُعزّز حبّ القراءة (الشرق الأوسط)

ولا يزال البحث جارياً عن أعمال يمكن تحويلها إلى أفلام سينمائية، وقد يشهد المعرض في أيامه الأخيرة الإعلان عن مزيد من الاتفاقات المشابهة، لا سيما أنّ نسخته الحالية ركّزت بشكل كبير على هذا الجانب في دعم الكتّاب السعوديين؛ إذ شهد مناقشات متعدّدة حول السينما وآليات التعامل معها، من بينها ندوات ناقشت توليد الأفكار الإبداعية في السينما، ومنها فعالية «استلهام الأفكار الإبداعية في السينما»، التي نظّمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، وتحدَّث فيها الدكتور مسفر الموسى، مُتناولاً مسار الفكرة من هاجس فردي إلى مشروع سينمائي متكامل، ودور البيئة الثقافية في احتضان الاختلاف وتشجيع التفكير الخلّاق.

وأشار الموسى إلى التحوّل الذي شهدته صناعة السينما في المملكة، من الجهد الفردي إلى العمل المؤسّسي، خصوصاً بعد إنشاء هيئة الأفلام عام 2018، موضحاً أنها تستهدف إنتاج 100 فيلم سينمائي طويل بحلول عام 2030، بما يُسهم في ترسيخ حضور السينما السعودية إقليمياً وعالمياً. كما تطرَّق إلى محدودية النصوص السينمائية المُستَمدّة من المنجز الروائي المحلّي، مشيراً إلى أنّ بعض الروائيين لا يزالون مُتحفّظين إزاء تحويل أعمالهم إلى أفلام.

حظيت دور النشر المُشاركة باهتمام لافت من الزائرين (الشرق الأوسط)

وفي امتداد لهذا التداخل بين الأدب والسينما، شهد المعرض عرض الفيلم السعودي «نورة» ضمن برنامجه السينمائي، بالتعاون بين هيئة الأدب والنشر والترجمة وهيئة الأفلام. وهو يأتي بوصفه عملاً روائياً طويلاً يشتغل على الحكاية الإنسانية بهدوء وتأمّل، بعيداً عن المباشرة؛ من كتابة توفيق الزايدي وإخراجه، وبطولة يعقوب الفرحان، وماريا بحراوي، وعبد الله السدحان.

يواصل المعرض استقبال زوّاره وتقديم برامجه الثقافية والمعرفية المتنوّعة (الشرق الأوسط)

ومع هذه الاتفاقات والحضور اللافت، يخرج معرض جدة للكتاب هذا العام من إطار الحدث الثقافي التقليدي، ليُقدّم نفسه مساحة تفاعلية نضجت فيها العلاقة بين الأدب والسينما، وبين الكاتب والمتلقّي، وبدأت الأفكار المطروحة تتحوَّل إلى شراكات فعلية تؤكّد أنّ الحكاية السعودية باتت قادرة على أن تُقرأ... وتُشاهَد.


مقالات ذات صلة

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمهور يتعلّم الخروج عن المألوف (متروبوليس)

«متروبوليس»... 20 عاماً من المشاكسة السينمائية

ما يبدو برنامجاً طبيعياً في إحدى السينماتيك الأوروبية، هو في بيروت حدث يستحقّ التوقّف عنده...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.