«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
TT

«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)

«بوابة البوابات» معرض يُقام حالياً بجدة يقدم مشروعاً بصرياً من تصوير الفنان السعودي معاذ العوفي وتنسيق الكاتب فيليب كاردينال يستكشف مبنى «باب البنط»، قبل إعادة تأهيله وتجديده وتحويله إلى متحف للبحر الأحمر.

«باب البنط» هو اسم المبنى الواقع في جدة القديمة، تميز المبنى بمعمار اعتمد على الأقواس الخرسانية، وظل عبر السنين محافظاً على طرازه المعماري الفريد مقاوماً حركة البنيان الحديثة. يحمل المبنى من التاريخ الكثير، نستشف بعضه من خلال الصور القديمة الأرشيفية التي يقدمها المتحف عن تاريخه كمكان لاستقبال سفن الحجاج والزوار القادمين لجدة في طريقهم لمكة والمدينة.

تظهر الصور والأفلام الأرشيفية المبنى ببنائه المتميز، ولكنها لا تأخذنا لحاضر المبنى؛ فما تُظهِره الصور القديمة أنه كان مبنى متراميَ الأطراف بواجهة بحرية تستقبل أقواسه المميزة وفود الزوار لتوزعهم داخل أروقته، حيث كانت تتم إجراءات دخولهم والتأكد من حالتهم الصحية. هناك القليل من أهل جدة ممَّن يتذكر المبنى اليوم. البعض يحكي عن ذكرياته البسيطة عن المبنى بوصفه ميناءً، ولكن الزمن غيَّر كثيراً من معالم المدينة التاريخية، وتراجعت مكانة باب البنط في القرن العشرين والسنوات التالية حتى أصبح مبنى مهجوراً تتناثر في جنباته بقايا متعلقات شخصية ورسومات على الحوائط شهدت على مرور شخصيات من دون أسماء عاشت به أو مرَّت مرور الكرام.

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)

توثيق باب البنط

ذلك ما وجده الفنان السعودي معاذ العوفي في مبنى باب البنط في عام 2020، حين أوكِلَت إليه مهمة توثيق المبنى بالصور ضمن عملية أرشفة للحفاظ على تاريخ المبنى قبل عملية تجديده ليصبح متحفاً حديثاً للبحر الأحمر.

معاذ العوفي عُرِف بتوثيقه المصوَّر للمباني المهجورة، وعرفت عدسته بيوتاً ومساجد قديمة خلت من الناس وبقيت آثارهم التي التقطتها عدسة الكاميرا لتسجل حضور وغياب سكان تلك المباني.

في «بوابة البوابات» تأخذنا عدسة العوفي في أرجاء المبنى القديم لتقدم، عبر أربعة أقسام، صوراً فوتوغرافية لم تكتفِ بكشف الجوانب المعمارية للمبنى، بل اصطحبتنا عبر لقطات مرهفة لآثار أناس مروا على المبنى خلال أعوام كان فيها تابعاً للبلدية وأوقات أخرى.

الجوانب المعمارية للمبنى وتفاصيل البناء وقتها (تصوير غازي مهدي)

جولة مع المصور

أثناء جولة في المعرض، يتحدث العوفي عن الجوانب المختلفة التي التقطها مع فريقه، ويركز بعين المصور على جوانب قد تغيب عن العين العادية، ولكن عند العوفي كانت لها معانٍ وإيحاءات مختلفة.

في بداية الجولة، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» ويقول إنه كان يرى في كل مشروع تصوير أكثر من مجرد المباني، بل كان يبحث عن «الأسئلة أكثر من الإجابات». يروي لنا رحلته مع باب البنط مشيراً إلى أن المختلف في هذا المشروع هو أنه لم يكن يصور فقط مبنى مهجوراً، ولكن تصويره كان جزءاً مهمّاً من عملية تجديد المبنى، يقول: «بدأت العمل في هذا المبنى منذ خمسة أعوام، وكانت هناك خطة موضوعة من قبل وزارة الثقافة لتطويره، ولكن قبل البدء في أعمال التجديد كانت هناك حاجة لأرشفة شكل المبنى وحالته».

يقول إنه لم يكن يبحث عن آثار للحياة في المبنى بشكل خاص: «الحقيقة تركت المكان يقودني، بالأشياء فيه وبالأسئلة الكامنة فيه؛ فكلما وقعت عيناي على شيء به مفاجأة أو غموض، كان تركيزي يتجه لتلك الجوانب».

معاذ العوفي (تصوير غازي مهدي)

دخل العوفي المكان في عام 2020 مع فريق مكوَّن من شخصين لتبدأ عملية التوثيق: «استغرق العمل نحو أربعة أيام؛ كنا نبدأ من الصباح ونستمر في التصوير حتى الفجر، أفضل الأوقات بالنسبة لي كان فترة سطوع الشمس؛ من 12 إلى الساعة الثانية، بدأنا بصور أساسية مجردة للمعمار والمكان كما هو».

عن شعوره بدخول المبنى للمرة الأولى يقول: «شعرت كالطفل في مدينة ملاهٍ مصغرة، بدأتُ بالبحث عن الأشياء الصغيرة والغامضة المنسية، الألغاز ومخلفات الناس الذين مروا على هذا المكان». يتابع: «شيق جداً أن نرى المرحلة التالية للمبنى. أشعر أنني كنت مثل شخص يراقب حياة أشخاص مضوا، ويرى أشياء كانت مهمة بالنسبة لهم، وقد لا تحمل نفس الأهمية اليوم. خلال التصوير كنت أشعر بأننا كنا نحاول الوصول إلى نظرتهم لهذه الأشياء».

تفاصيل ما تبقى

نمضي في جولتنا مع العوفي بين اللقطات المختلفة للمكان؛ نبدأ من الجوانب المعمارية للمبنى وتفاصيل البناء وقتها. بعض اللقطات تثير الأسئلة من الحاضرين حول وجودها اليوم وأين، كأمثلة يشير إلى لقطة تصوِّر القاعة الأولى للمتحف تميزت بمدخل مقوَّس مجمَّل على الجانبين بالجص المزخرف، ثم لقطة أخرى نرى فيها نوافذ يتزين زجاجها بالرسومات الملوَّنة. هناك لقطات أخرى يصفها بـ«التجريدية» مثل لقطة مقربة لآثار سائل غامق اللون على الجدار يقول عنها «أعتقد أن البقعة تمثل آثار قهوة»، عن لقطة أخرى تصور نماذج من ألوان الطلاء على الأرض، يقول: «أعتقد هذه كانت طريقة لاختيار ألوان مناسبة لطلاء الجدران». في كل تلك اللقطات لا يعرف العوفي أو الناظر من ترك هذه الأشياء أو تاريخها، هي هنا تسجل لنا لحظات وجود أشخاص.

معرض «بوابة البوابات» وثق لحالة مبنى «باب البنط» قبل التجديد (تصوير غازي مهدي)

بوابات حديدية

في قسم من المعرض يحمل عنوان «البوابات الحديدية»، نرى عدداً من الصور التي تسجل الفتحات المعمارية في المبنى، وقد أحاطت بها عوارض ودعامات معدنية توحي بأنها تمسك بالمبنى وتظهر ما بداخله.

بحسب بيان العرض، يظهر واضحاً في الصور غياب الجدران الحجرية المرجانية التي زيَّنَت المشهد العمراني بمدينة جدة في الماضي، يقول: «في هذه المرحلة كانت تلك الدعامات الحديدية تجعلني أفكر في الطريقة التي ستتخذها عملية تجديد المبنى، والتدخلات المعمارية التي ستحدث لإعادة التأهيل».

بعين الفنان يشير إلى أشكال رسمها عابرون على المبنى، على الجدران، لتسجيل وجودهم، مثل رسمة قلب يخترقه سهم أو رسم يشبه عظام رقبة الدجاجة، وغيرها من الرسومات الساذجة المتناثرة على الحوائط المهجورة.

من الرسومات على الجدران تمضي عدسة الفنان لتسجل الوجود الإنساني الذي مرَّ على المبنى عبر قطع وأشياء تركها أصحابها، مثل مسبحة من الأحجار السوداء معلقة على مسمار، أو بعض المصاحف الصغيرة المعلقة معاً بخيوط من الجلد، أو بقايا لأعواد بخور ملقاة على أرضية حجرية متشققة.

في صور أخرى، يسجل العوفي آثار وجود أناس لا نعرف من هم ولا ماذا تركوا، ولكننا أمام صور لأكوام من القماش الملون (بقشات)، تلتقط عينه الرسومات الكارتونية الملونة على القماش، ويشير إلى أن أكوام القماش التي كانت تُستخدم لتخزين المتاع وغيره، كانت موجودة في الأماكن المختلفة خارج المبنى، فيما رسم صورة للحياة في الأسواق القديمة بجدة. من الصور أيضاً نرى واقعاً مغايراً للمبنى، حين كان ملكاً للبلدية، فنرى صورة لورقة تخص أحد المواطنين. في جانب آخر نرى صورة تسجل بعض الصور والرسومات في إطارات خشبية متكسرة ملقاة على الأرض مكتوب عليها «روبرت 1985»، يقول: «لا أعرف من يكون هذا الشخص أو ماذا حدث لرسوماته بعد ذلك».

لقطات تصور بقايا متعلقات مهملة تركت في المبنى (تصوير غازي مهدي)

عرف المبنى في تاريخه وجود مستأجرين، نرى بعض آثارهم المتمثلة في مثل صورة لعلَّاقات ملابس معلقة على مسامير مثبتة في الجدار، إلى جانبها مضرب للذباب وصورة للعبة صفراء على أرضية مشققة: «يمكننا تبيُّن كيف تراكم التراب على الأرضيات».

في وقت ما يبدو أن المبنى كان مهجوراً، وتسجل لقطة آثار معركة بين قط وحمامة لم يتبقَّ منها سوى ريش متناثر في أحد الأركان: «أعتقد أننا نستطيع التنبؤ بأن القطة فازت».

المعرض بعد التجديد

يعود العوفي للمبنى بعد تجديده لإقامة معرضه، ويقول إنه شعر بالفخر بعد رؤية نتيجة أعمال التجديد التي حولت المبنى إلى متحف مخصص لشعوب البحر الأحمر، وليس فقط لمدينة جدة: «شعرت بأن المبنى يرحِّب بالجميع للقاء والحديث. نتشارك جميعاً في قصة واحدة والاهتمامات المشتركة، فهنا بوابة لمكة والمدينة».

الرسومات الملونة على نوافذ المبنى القديم (الشرق الأوسط)

أسأله بالنسبة له كمصور: «هل المبنى بالنسبة لك أهم بالأشخاص أم بوصفه المجرد كمبنى؟»، يقول «الناس والمبنى متحدان بشكل ما، ولكن بالتأكيد المبنى ليس مثيراً بقدر الناس الذين مروا عليه».


مقالات ذات صلة

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشاهد طبيعية خلابة رسمها الفنانون في جبل الطير (قوميسير الملتقى)

«جبل الطير»... ملتقى فني لإحياء مسار العائلة المقدسة في مصر

بالتزامن مع الاحتفالات المصرية بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة»، انطلقت الدورة الأولى لملتقى «جبل الطير الدولي للفنون» بمشاركة 40 فناناً.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ساحة الأوبرا تضم العديد من التماثيل والأعمال الفنية (الشرق الأوسط)

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

تحت عنوان «كنوز مقتنيات الأوبرا التشكيلية» نظمت دار الأوبرا المصرية معرضاً فنياً تضمن أعمالاً لرواد الفن التشكيلي المصري في التصوير والنحت والغرافيك والخزف.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض اعتمدت على الخط وهندسة الألوان (الشرق الأوسط)

هندسة الألوان وفلسفة الخطوط في معرض فني بالقاهرة

تتجلى فلسفة الخطوط والعلاقات الهندسية التي تربط الألوان وتصنع تناغماً بينها في معرض «حيث يستقر الخط» للفنانة المصرية مهري خليل.

محمد الكفراوي (القاهرة )

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
TT

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري طارق الدسوقي إنه شعر بالرهبة في أول يوم تصوير بمسلسل «علي كلاي»، الذي عُرض في موسم رمضان الماضي، بعد غيابه عن الساحة الفنية 14 عاماً.

وأكد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنه شعر بالخوف من المشاركة في عمل ينتمي إلى الدراما الشعبية، التي باتت تتعرض للهجوم في المواسم الماضية، لافتاً إلى افتقاده كبار الكُتّاب والنجوم الذين عمل معهم.

في البداية، قال الدسوقي إن شخصية «منصور الجوهري»، التي جسدها في مسلسل «علي كلاي» بموسم دراما رمضان الماضي، تُعد من أصعب أدوار المسلسل؛ لأن بقية الشخصيات واضحة، أما شخصيته فمركبة بصراعاتها النفسية؛ فبعد أن كان صاحب سطوة ونفوذ في سوق «التوفيقية»، من خلال عمله في تجارة قطع غيار السيارات، تعرض لمواقف كثيرة كسرته، وجعلته يقدم تنازلات إنسانية، أهمها عدم الاعتراف بابنته.

موضحاً أنه «عبَّر عن هذا الصراع من خلال ملامح وجهه، وحركة جسده، ونبرة صوته». وعن الشكل الخارجي للشخصية، أكد أن المخرج كان صاحب الرؤية فيها، من حيث الشعر الأبيض، واللحية، والنظارة.

ورغم تأكيد الدسوقي تراجع سمعة المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، بسبب حصرها في أعمال العنف و«البلطجة»، فإنه قرر عدم إصدار حكم مسبق على العمل إلا بعد قراءة نصف عدد الحلقات، ليتيقن أن العمل خالٍ تماماً من تلك المفردات السلبية، وأنه يحمل قيماً إنسانية واجتماعية مهمة.

الدسوقي وجد اختلافاً كبيراً في الأسلوب الفني بعد عودته من الغياب (حسابه على فيسبوك)

وبسبب غيابه عن أجواء تصوير الدراما التلفزيونية لنحو 14 عاماً، شعر الدسوقي بالرهبة في أول يوم تصوير «علي كلاي»، حتى إنه أحس كأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، بعدما وجد كل شيء مختلفاً تماماً، سواء في أسلوب التصوير أو نظام العمل.

وأشار طارق إلى أنه تم بناء ديكور «سوق التوفيقية» في «مدينة الإنتاج الإعلامي»، وهو ما منح العمل مصداقية، وأسهم في معايشة جميع الفنانين لأدوارهم.

وبسؤاله عن التحول في ذوق الجمهور، الذي استبدل بالبطل المثقف أو المثالي البطل الشعبي، أجاب قائلاً: «هذه النوعية من الأعمال لها قطاع عريض من الجمهور، وقد سألت نفسي: هل لو كانت عودتي من خلال مسلسل آخر يحقق رغباتي والشكل الذي أطمح إليه، كان سيجد الصدى نفسه؟ ووجدت أن الإجابة لا، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققه المسلسل، والمردود الإيجابي لشخصيتي في العمل».

وعن أبرز مشاهد «الماستر سين» له، قال: «هناك مشاهد كثيرة، منها مشهد الصفعة على وجه أحمد العوضي، وهو المشهد الذي فكرت فيه كثيراً قبل تنفيذه، خوفاً من ردة فعل جمهور العوضي».

وأشار الدسوقي إلى أن العوضي هو من اتصل به هاتفياً للعمل معه، حيث أبلغه أنه كان يتمنى التعاون مع اثنين: أولهما الفنان أحمد عبد العزيز، الذي عمل معه في مسلسل «فهد البطل» بموسم رمضان الماضي، والثاني هو الفنان طارق الدسوقي.

وكشف طارق أنه ليس ضد الأعمال الدرامية الطويلة، ما دام العمل يحتمل، في بنائه الدرامي، أحداثاً يمكن عرضها في 30 أو 40 حلقة، وفي الوقت نفسه يتميز بالإيقاع السريع والتشويق، من دون أن يشعر المشاهد بالملل.

الدسوقي خلال مشاركته في مسرحية «الملك لير» (حسابه على فيسبوك)

ويفتقد طارق أسلوب العمل مع كبار المخرجين، أمثال نور الدمرداش، ومحمد فاضل، وإنعام محمد علي، وإسماعيل عبد الحافظ، حيث كان الهدوء والإتقان السمة الرئيسية في العمل، وهو ما يختلف تماماً عما يحدث الآن. كان المؤلف يطرح فكرته أولاً، ثم يُختار لها المخرج الأنسب، لتبدأ بعدها كتابة الحلقات كاملة. يلي ذلك ترشيح الأدوار، ثم تنطلق بروفات «الترابيزة» لمناقشة أدق تفاصيل العمل، قبل الانتقال إلى بروفات التنفيذ.

ويؤكد أن هذا النظام لم يعد موجوداً للأسف في الوقت الحالي، في ظل انتشار ورش الكتابة التي تتعدد فيها وجهات النظر، وعدم اكتمال عدد الحلقات قبل بدء التصوير، فضلاً عن كتابة بعض المشاهد في أثناء التصوير.

«الملك لير»

وكشف الدسوقي عن سعادته بالوقوف على خشبة «المسرح القومي» المصري، أحد أقدم وأعرق مسارح مصر، لتجسيد شخصية «غلوستر» في مسرحية «الملك لير» مع النجم يحيى الفخراني. وتُعد هذه هي المرة الثالثة التي تُقدم فيها المسرحية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2001، والثانية عام 2019.

وأضاف أن «الدور صعب ومركب، وتزداد صعوبته على المسرح مع المواجهة المباشرة مع الجمهور»، موضحاً أنه «قدم حتى الآن أكثر من 130 ليلة عرض، إضافة إلى تقديم المسرحية في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، على خشبة أوبرا تونس التي تتَّسع لألفي مقعد».

وأعرب عن سعادته بالعمل مع الفخراني للمرة الأولى، لا سيما بعد تعاونه مع عدد كبير من النجوم، مثل نور الشريف، وحسين فهمي، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، وكمال الشناوي.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن الشخصية التي يتمنى تجسيدها هي «عمر بن عبد العزيز»، والتي سبق أن قدمها نور الشريف، ومحمود ياسين، مؤكداً أنها شخصية ثرية تحمل كل مقومات البطل التراجيدي.


مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
TT

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

تبدو الموسيقى في حديث الفنانة اللبنانية مايا واكد أقرب إلى فعل إنساني مُركّب يتجاوز فكرة الشفاء السريعة ويذهب نحو المنطقة التي يلتقي الألم مع الفهم، والفنّ مع حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأنه ليس وحيداً.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، تتأمَّل واكد علاقتها بالموسيقى في الأزمات، وتعيد تعريف دور الفنان بعيداً عن الصور النمطية، كاشفةً عن مسار داخلي يجعل من الغناء محاولة لفَهْم الجرح وتضميده.

ترى أنّ الموسيقى لا تُعنَى بالشفاء وحده، وتقول: «مثل جميع الفنون، هي للتعبير ومحاولة فَهْم الألم. أحياناً يمرُّ الفَهْم عبر القبول قبل أن يصل إلى الراحة». وفق هذا الفَهْم، يصبح التناقض جزءاً من التجربة. فالفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل. وتضيف: «غالباً نحتاج إلى فَتْحه قبل المعالجة، والموسيقى هي الأصبع أو اليد التي نضعها عليه بهدف تنظيفه ورفض تسليمه للنزيف».

في أداء مايا واكد يتحوّل الحزن إلى مادة قابلة للحياة (صور الفنانة)

هذا الاقتراب الحميم من الألم ينعكس على أدائها، فلا تسعى إلى محو الحزن إنما إلى ترويضه. «حين أغنّي وأنا حزينة، أو خلال ظروف صعبة يمرّ فيها وطني، لا أعالج الألم بقدر ما أجعله أليفاً وأقلّ حدّة»، تقول، قبل أن تختصر تجربتها بهذه المعادلة: «الغناء هو 20 في المائة أداء و80 في المائة إحساس». بذلك، يتحوّل الصوت إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور الذي ينتظر هذا الإحساس كي يجد طريقه الخاص إلى التعافي.

تتّسع المساحة حين يدخل المستمع في عمق التجربة، خصوصاً في ظلّ الحرب والنزوح. تدرك واكد أنّ الأغنية تتحوَّل إلى شيء أكثر قرباً من الحياة اليومية للناس، فتقول: «الأغنية لم تعد لحناً فقط. تصبح حضناً لشخص خائف أو ذاكرة لبيت لم يعد موجوداً، أو لحظة هدوء وسط القلق». وهنا تتولّد مسؤولية تنبع من إدراك داخلي لطبيعة العلاقة بين الفنّ والمتلقي.

الموسيقى تُرمّم الداخل كأنها تعمل بعيداً عن أعيننا (صور الفنانة)

مع ذلك، تحرص على وضع حدّ لا يلتبس بين التعبير واستغلال الألم، مؤكدةً أنّ دور الفنان لا يقوم على تحويل معاناة الناس إلى مادة جاذبة، وإنما على خلق مساحة آمنة تُعيد وصلهم بالحياة. تستعيد في هذا السياق تجربتها مع أغنية «بي بيروت»، التي وُلدت في الأصل على هيئة عمل مبهج، قبل أن تعود إليها لاحقاً بنسخة أكثر هدوءاً تحمل شجناً أقرب إلى وجدان الناس في أوقات يُثقلها القلق. هذا التحوّل كان تغييراً في الشكل، ولكن أيضاً محاولة لصياغة إحساس مختلف ينقل الحزن إلى دفء يمنح الذاكرة حيّزاً للاطمئنان.

وسط هذا كلّه، تقف الموسيقى الكلاسيكية بما تحمله من نظام وانضباط في مواجهة فوضى الحرب. بالنسبة إلى واكد، لا يتناقض العالمان، إنما يتكاملان على المستوى الداخلي. الانضباط يصبح درعاً داخليةً، والتدريب اليومي يتحوّل إلى طريقة لحماية الذات من الانهيار. تقول إنها تُكثّف عملها في مراحل الشِّدة وتلجأ إلى الإبداع لمواجهة الجمود، محاولةً إبقاء المسافة بينها وبين تدفُّق الأخبار كي لا تفقد قدرتها على الغناء والكتابة.

هذا الخيار لا يعني الانفصال عن الواقع، لكنه طريقتها في إعادة صياغته عبر الفنّ. من خلال حضورها في وسائل التواصل، تسعى إلى تقديم محتوى يُخفّف من وطأة اللحظة. تدرك محدودية هذا الدور، وتتمسّك به على شكل فعل تضامن إنساني يُراكم أثراً هادئاً في مواجهة القلق الجماعي.

النغمة طريق لتخفيف ثقل الواقع (صور الفنانة)

غير أنه دورٌ يحمل وجهاً آخر أكثر ثقلاً. مايا واكد لا تنظر إلى الفنان على أنه كائن خارج الألم. هو جزء منه، وتتابع: «التحدّي مزدوج، فالفنّ يجب أن ينقل رسالة أمل أو عزاء، بينما يُعاني»، ومع ذلك، يتحوَّل التعب إلى مادة للتعبير وملامسة الآخرين بإحساس أعمق.

تستعيد تجربة اغترابها في كندا، حيث التقت بجمهور يعيش الشوق إلى الوطن وتعلّمت كيف يمكن للموسيقى أن تصبح جسراً افتراضياً للعودة. هذا الشعور لم يُغادرها حتى بعد اقترابها الجغرافي من لبنان؛ إذ تقول: «اليوم، رغم أنني أقرب جغرافياً إلى لبنان، أشعر أيضاً بأنّ عليَّ أن أحمل قلق الشتات، بالإضافة إلى دمار كلّ شخص يعيش هناك».

في التداخل بين القُرب والبُعد، يتشكّل صوت مايا واكد على هيئة مساحة تلقّي أكثر منه مساحة بثّ. صوت يعترف بتعبه، ويحمله ويشاركه. وفي كلّ لحن محاولة لاحتواء ليل طويل، على أمل أن ينقشع قليلاً حين يُسمع.


كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
TT

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول «أتفهم استياءكم»، الذي عُرض ضمن قسم «البانوراما» في «مهرجان برلين السينمائي»، يذهب المخرج الألماني كيليان أرماندو فريدريش إلى منطقة شديدة الحساسية، عبر عالم شركات التنظيف بكل ما يحمله من تناقضات أخلاقية وضغوط نفسية وعلاقات قوة خفية. غير أن الفيلم، كما يؤكد مخرجه لـ«الشرق الأوسط»، ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة ظلّت ترافقه لأكثر من عقد.

يقول فريدريش إن البذرة الأولى تعود إلى سنوات ما بعد المدرسة، حين عمل لفترة في قطاع التنظيف قبل دخوله الجامعة. ولم يكن قد نشأ في هذا الوسط، لكنه اصطدم سريعاً بتعقيداته. ويتذكر كيف كانوا ينظفون مسابح ومكاتب، وحتى مصنع شوكولاته، وكيف لفتت انتباهه شخصية «مديرة الموقع» التي كان يعمل تحت إدارتها.

ويضيف أنها كانت شخصية تتحرك بين عوالم متعددة: العمال، والإدارة، والزبائن، والجداول الزمنية الصارمة. وخلال هذه التجربة القصيرة، تحوّلت بمرور السنوات إلى سؤال ملحّ: ما طبيعة هذا النظام الذي يقوم أساساً على خفض الأسعار إلى أقصى حد، حتى لو كان الثمن هو الإنسان نفسه؟ موضحاً أن نشأته في منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا، عُرفت تاريخياً بصناعات الفحم والصلب، أثّرت أيضاً في نظرته.

كما أوضح أنه عاش طفولته في ظل خطاب «الأيام الخوالي الجميلة»، بعد أن أغلقت تلك الصناعات أبوابها. ومن هنا بدأ اهتمامه بكيفية تحوّل الاقتصادات الصناعية إلى اقتصادات خدمية، وبالثمن الاجتماعي لهذا التحول.

وأكد المخرج الألماني أن الفيلم لا يسعى إلى تحويل هذا السياق إلى محاضرة سياسية، بل إلى جعله محسوساً عبر تجربة شخصية محددة، لافتاً إلى أن بطلة العمل امرأة في الـ59، تعمل مديرة موقع في شركة تنظيف، وتجد نفسها عالقة بين مطالب متناقضة: إرضاء الزبائن، وتنفيذ أوامر الإدارة، وحماية فريقها.

المخرج الألماني كيليان فريدريش (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حين يهدد متعهد قوي بسحب دعمه ما لم تمنحه مزيداً من ساعات العمل، تضطر إلى مواجهة خيار قاسٍ: التضحية بأحد موظفيها. وهذه اللحظة الدرامية، كما يقول فريدريش، ليست سوى ذروة سلسلة من «ردود الفعل» اليومية التي يولدها نظام عمل ضاغط لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف.

ويشير إلى أن السيناريو بدأ يتشكل قبل أكثر من 10 سنوات، بالتعاون مع مديرة موقع كان يعرفها عن قرب. وكانا يخططان لكتابة الفيلم معاً، قبل أن تُقدم على الانتحار بشكل مفاجئ. ويؤكد أن هذه الحادثة تركته في صدمة عميقة، ودفعته إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته الصراعات الأخلاقية اليومية في تدهور حالتها النفسية.

ويقول المخرج الألماني إن «هذه الخسارة جعلت المشروع أكثر إلحاحاً، ليس بوصفه تكريماً شخصياً فحسب، بل بوصفه محاولة لفهم بنية عمل تفرض على الإنسان أن (يفهم الجميع) من دون أن يُسمح له بأن يُفهَم». ويضيف أن كثيرين في هذا القطاع يجدون أنفسهم في مشكلات نفسية نتيجة العزلة وضغط الوقت.

وكان اختيار العمل مع ممثلين غير محترفين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية. إذ تؤدي الدور الرئيسي سابين تالاو، التي عملت في القطاع لمدة 15 عاماً. وقد تعرّف إليها عبر منتديات إلكترونية خاصة بالعاملين في التنظيف، بعد بحث ميداني طويل شمل مرافقة مديري مواقع في أيام عملهم وتوثيق أحاديثهم.

ويقول كيليان أرماندو فريدريش إن سابين أُعجبت فوراً بفكرة الفيلم، لأن الشخصية عكست كثيراً من تجربتها الخاصة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن نسخة منها، مشيراً إلى أنه عمل على دفعها لمواجهة جراح شخصية، مع التخلّي عن ابتسامتها، وهو ما استدعى تدريباً تمثيلياً مكثفاً، لأن المطلوب كان نقل إحساس بالاختناق والركض اللاهث، لا تقديم صورة امرأة متفائلة.

عمل المخرج في مجال التنظيف شجعه على خوض التجربة (الشركة المنتجة)

على المستوى البصري، اختار فريدريش الاقتراب الجسدي الشديد من البطلة؛ فالكاميرا المحمولة باليد تلازمها، وتكاد تلتقط أنفاسها. ويشرح أن هذا القرب ليس بحثاً عن إثارة بصرية، بل محاولة لرفض المسافة التلصصية. فهو يريد للمشاهد أن يُلقى داخل التجربة، لا أن يراقبها. لذلك تقرر منذ البداية تصوير كل مشهد في لقطة واحدة، مع تقليل التلاعب بالزمن داخل المشهد، حتى يُعاش الضغط كما هو.

ويشير المخرج الألماني إلى أن اسم الفيلم «أتفهم استياءكم» عبارة مهنية باردة، تُعد شكلاً من أشكال «التعاطف الدفاعي» الذي يسمح بالحفاظ على مسافة آمنة، لافتاً إلى أن «البطلة مطالبة بأن تفهم الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنخرط عاطفياً بالكامل، لأن التعاطف الحقيقي قد يعني ضرورة تغيير الشروط القائمة، وهو أمر يتجاوز قدرتها الفردية». ومن هنا ينشأ سلوكها المتناقض؛ فهي ليست بطلة مثالية ولا شريرة صريحة، بل امرأة تحاول النجاة داخل نظام قبلت به، وتبحث عن هامش صغير للفعل.

ويرفض فريدريش وضع شخصيته في موقع أخلاقي ثابت، مؤكداً أنه تعمد إدراج مواقف تكشف وجوهاً متعددة لها، بحيث تتحرك بين المسؤولية والضغط والتواطؤ. ويضيف: «ألسنا جميعاً نحاول، بطريقتنا، أن نتدبر أمورنا داخل ظروف مفروضة علينا؟»، عاداً أن قوة الشخصية تكمن في هشاشتها وقدرتها على الاحتمال، لا في بطولة صاخبة.