«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
TT

«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)
تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)

«بوابة البوابات» معرض يُقام حالياً بجدة يقدم مشروعاً بصرياً من تصوير الفنان السعودي معاذ العوفي وتنسيق الكاتب فيليب كاردينال يستكشف مبنى «باب البنط»، قبل إعادة تأهيله وتجديده وتحويله إلى متحف للبحر الأحمر.

«باب البنط» هو اسم المبنى الواقع في جدة القديمة، تميز المبنى بمعمار اعتمد على الأقواس الخرسانية، وظل عبر السنين محافظاً على طرازه المعماري الفريد مقاوماً حركة البنيان الحديثة. يحمل المبنى من التاريخ الكثير، نستشف بعضه من خلال الصور القديمة الأرشيفية التي يقدمها المتحف عن تاريخه كمكان لاستقبال سفن الحجاج والزوار القادمين لجدة في طريقهم لمكة والمدينة.

تظهر الصور والأفلام الأرشيفية المبنى ببنائه المتميز، ولكنها لا تأخذنا لحاضر المبنى؛ فما تُظهِره الصور القديمة أنه كان مبنى متراميَ الأطراف بواجهة بحرية تستقبل أقواسه المميزة وفود الزوار لتوزعهم داخل أروقته، حيث كانت تتم إجراءات دخولهم والتأكد من حالتهم الصحية. هناك القليل من أهل جدة ممَّن يتذكر المبنى اليوم. البعض يحكي عن ذكرياته البسيطة عن المبنى بوصفه ميناءً، ولكن الزمن غيَّر كثيراً من معالم المدينة التاريخية، وتراجعت مكانة باب البنط في القرن العشرين والسنوات التالية حتى أصبح مبنى مهجوراً تتناثر في جنباته بقايا متعلقات شخصية ورسومات على الحوائط شهدت على مرور شخصيات من دون أسماء عاشت به أو مرَّت مرور الكرام.

تفاصيل جمالية في المبنى القديم (الشرق الأوسط)

توثيق باب البنط

ذلك ما وجده الفنان السعودي معاذ العوفي في مبنى باب البنط في عام 2020، حين أوكِلَت إليه مهمة توثيق المبنى بالصور ضمن عملية أرشفة للحفاظ على تاريخ المبنى قبل عملية تجديده ليصبح متحفاً حديثاً للبحر الأحمر.

معاذ العوفي عُرِف بتوثيقه المصوَّر للمباني المهجورة، وعرفت عدسته بيوتاً ومساجد قديمة خلت من الناس وبقيت آثارهم التي التقطتها عدسة الكاميرا لتسجل حضور وغياب سكان تلك المباني.

في «بوابة البوابات» تأخذنا عدسة العوفي في أرجاء المبنى القديم لتقدم، عبر أربعة أقسام، صوراً فوتوغرافية لم تكتفِ بكشف الجوانب المعمارية للمبنى، بل اصطحبتنا عبر لقطات مرهفة لآثار أناس مروا على المبنى خلال أعوام كان فيها تابعاً للبلدية وأوقات أخرى.

الجوانب المعمارية للمبنى وتفاصيل البناء وقتها (تصوير غازي مهدي)

جولة مع المصور

أثناء جولة في المعرض، يتحدث العوفي عن الجوانب المختلفة التي التقطها مع فريقه، ويركز بعين المصور على جوانب قد تغيب عن العين العادية، ولكن عند العوفي كانت لها معانٍ وإيحاءات مختلفة.

في بداية الجولة، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» ويقول إنه كان يرى في كل مشروع تصوير أكثر من مجرد المباني، بل كان يبحث عن «الأسئلة أكثر من الإجابات». يروي لنا رحلته مع باب البنط مشيراً إلى أن المختلف في هذا المشروع هو أنه لم يكن يصور فقط مبنى مهجوراً، ولكن تصويره كان جزءاً مهمّاً من عملية تجديد المبنى، يقول: «بدأت العمل في هذا المبنى منذ خمسة أعوام، وكانت هناك خطة موضوعة من قبل وزارة الثقافة لتطويره، ولكن قبل البدء في أعمال التجديد كانت هناك حاجة لأرشفة شكل المبنى وحالته».

يقول إنه لم يكن يبحث عن آثار للحياة في المبنى بشكل خاص: «الحقيقة تركت المكان يقودني، بالأشياء فيه وبالأسئلة الكامنة فيه؛ فكلما وقعت عيناي على شيء به مفاجأة أو غموض، كان تركيزي يتجه لتلك الجوانب».

معاذ العوفي (تصوير غازي مهدي)

دخل العوفي المكان في عام 2020 مع فريق مكوَّن من شخصين لتبدأ عملية التوثيق: «استغرق العمل نحو أربعة أيام؛ كنا نبدأ من الصباح ونستمر في التصوير حتى الفجر، أفضل الأوقات بالنسبة لي كان فترة سطوع الشمس؛ من 12 إلى الساعة الثانية، بدأنا بصور أساسية مجردة للمعمار والمكان كما هو».

عن شعوره بدخول المبنى للمرة الأولى يقول: «شعرت كالطفل في مدينة ملاهٍ مصغرة، بدأتُ بالبحث عن الأشياء الصغيرة والغامضة المنسية، الألغاز ومخلفات الناس الذين مروا على هذا المكان». يتابع: «شيق جداً أن نرى المرحلة التالية للمبنى. أشعر أنني كنت مثل شخص يراقب حياة أشخاص مضوا، ويرى أشياء كانت مهمة بالنسبة لهم، وقد لا تحمل نفس الأهمية اليوم. خلال التصوير كنت أشعر بأننا كنا نحاول الوصول إلى نظرتهم لهذه الأشياء».

تفاصيل ما تبقى

نمضي في جولتنا مع العوفي بين اللقطات المختلفة للمكان؛ نبدأ من الجوانب المعمارية للمبنى وتفاصيل البناء وقتها. بعض اللقطات تثير الأسئلة من الحاضرين حول وجودها اليوم وأين، كأمثلة يشير إلى لقطة تصوِّر القاعة الأولى للمتحف تميزت بمدخل مقوَّس مجمَّل على الجانبين بالجص المزخرف، ثم لقطة أخرى نرى فيها نوافذ يتزين زجاجها بالرسومات الملوَّنة. هناك لقطات أخرى يصفها بـ«التجريدية» مثل لقطة مقربة لآثار سائل غامق اللون على الجدار يقول عنها «أعتقد أن البقعة تمثل آثار قهوة»، عن لقطة أخرى تصور نماذج من ألوان الطلاء على الأرض، يقول: «أعتقد هذه كانت طريقة لاختيار ألوان مناسبة لطلاء الجدران». في كل تلك اللقطات لا يعرف العوفي أو الناظر من ترك هذه الأشياء أو تاريخها، هي هنا تسجل لنا لحظات وجود أشخاص.

معرض «بوابة البوابات» وثق لحالة مبنى «باب البنط» قبل التجديد (تصوير غازي مهدي)

بوابات حديدية

في قسم من المعرض يحمل عنوان «البوابات الحديدية»، نرى عدداً من الصور التي تسجل الفتحات المعمارية في المبنى، وقد أحاطت بها عوارض ودعامات معدنية توحي بأنها تمسك بالمبنى وتظهر ما بداخله.

بحسب بيان العرض، يظهر واضحاً في الصور غياب الجدران الحجرية المرجانية التي زيَّنَت المشهد العمراني بمدينة جدة في الماضي، يقول: «في هذه المرحلة كانت تلك الدعامات الحديدية تجعلني أفكر في الطريقة التي ستتخذها عملية تجديد المبنى، والتدخلات المعمارية التي ستحدث لإعادة التأهيل».

بعين الفنان يشير إلى أشكال رسمها عابرون على المبنى، على الجدران، لتسجيل وجودهم، مثل رسمة قلب يخترقه سهم أو رسم يشبه عظام رقبة الدجاجة، وغيرها من الرسومات الساذجة المتناثرة على الحوائط المهجورة.

من الرسومات على الجدران تمضي عدسة الفنان لتسجل الوجود الإنساني الذي مرَّ على المبنى عبر قطع وأشياء تركها أصحابها، مثل مسبحة من الأحجار السوداء معلقة على مسمار، أو بعض المصاحف الصغيرة المعلقة معاً بخيوط من الجلد، أو بقايا لأعواد بخور ملقاة على أرضية حجرية متشققة.

في صور أخرى، يسجل العوفي آثار وجود أناس لا نعرف من هم ولا ماذا تركوا، ولكننا أمام صور لأكوام من القماش الملون (بقشات)، تلتقط عينه الرسومات الكارتونية الملونة على القماش، ويشير إلى أن أكوام القماش التي كانت تُستخدم لتخزين المتاع وغيره، كانت موجودة في الأماكن المختلفة خارج المبنى، فيما رسم صورة للحياة في الأسواق القديمة بجدة. من الصور أيضاً نرى واقعاً مغايراً للمبنى، حين كان ملكاً للبلدية، فنرى صورة لورقة تخص أحد المواطنين. في جانب آخر نرى صورة تسجل بعض الصور والرسومات في إطارات خشبية متكسرة ملقاة على الأرض مكتوب عليها «روبرت 1985»، يقول: «لا أعرف من يكون هذا الشخص أو ماذا حدث لرسوماته بعد ذلك».

لقطات تصور بقايا متعلقات مهملة تركت في المبنى (تصوير غازي مهدي)

عرف المبنى في تاريخه وجود مستأجرين، نرى بعض آثارهم المتمثلة في مثل صورة لعلَّاقات ملابس معلقة على مسامير مثبتة في الجدار، إلى جانبها مضرب للذباب وصورة للعبة صفراء على أرضية مشققة: «يمكننا تبيُّن كيف تراكم التراب على الأرضيات».

في وقت ما يبدو أن المبنى كان مهجوراً، وتسجل لقطة آثار معركة بين قط وحمامة لم يتبقَّ منها سوى ريش متناثر في أحد الأركان: «أعتقد أننا نستطيع التنبؤ بأن القطة فازت».

المعرض بعد التجديد

يعود العوفي للمبنى بعد تجديده لإقامة معرضه، ويقول إنه شعر بالفخر بعد رؤية نتيجة أعمال التجديد التي حولت المبنى إلى متحف مخصص لشعوب البحر الأحمر، وليس فقط لمدينة جدة: «شعرت بأن المبنى يرحِّب بالجميع للقاء والحديث. نتشارك جميعاً في قصة واحدة والاهتمامات المشتركة، فهنا بوابة لمكة والمدينة».

الرسومات الملونة على نوافذ المبنى القديم (الشرق الأوسط)

أسأله بالنسبة له كمصور: «هل المبنى بالنسبة لك أهم بالأشخاص أم بوصفه المجرد كمبنى؟»، يقول «الناس والمبنى متحدان بشكل ما، ولكن بالتأكيد المبنى ليس مثيراً بقدر الناس الذين مروا عليه».


مقالات ذات صلة

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشاهد طبيعية خلابة رسمها الفنانون في جبل الطير (قوميسير الملتقى)

«جبل الطير»... ملتقى فني لإحياء مسار العائلة المقدسة في مصر

بالتزامن مع الاحتفالات المصرية بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة»، انطلقت الدورة الأولى لملتقى «جبل الطير الدولي للفنون» بمشاركة 40 فناناً.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.