لماذا يبقى الناس في زواجٍ تعيس؟ معالِجة نفسية تشرح الأسباب

يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
TT

لماذا يبقى الناس في زواجٍ تعيس؟ معالِجة نفسية تشرح الأسباب

يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)

«ما عُدنا نتفق على الأفكار والمبادئ والسلوكيات ذاتها... ذهبَت اهتمامات كلٍّ منا في اتجاهٍ مختلف... ثم صار العراك مشهداً يومياً يدور أمام عيون ولدَينا»، هكذا تختصر ليديا في حديثها مع «الشرق الأوسط» التحوّلات التي طرأت على زواجها عبر السنوات. ولكن رغم المعاناة، كان الطريق بين قرار الانفصال وتنفيذه طويلاً وشائكاً، نظراً لأسبابٍ عدة، في طليعتها معاندة الزوج، والتحديات المادية.

«من أجل الأولاد»

تختصر المعالِجة النفسية الدكتورة ريف رومانوس الأسباب التي تدفع الناس للبقاء في زيجات تعيسة في كلمة واحدة، هي «الخوف». ولهذا الخوف أوجهٌ عدّة، أبرزها الأولاد؛ إذ يخشى الأهل من أن يخطئوا بحقّ أبنائهم ومن أن يعرّضوهم لصدمة نفسية في حال الانفصال.

توضح ريف رومانوس لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هذا الخوف طبيعي، ولكن يجب أن يتذكر الأهل دائماً أن الأولاد بحاجة إلى رؤية والدَين مرتاحَين وسعيدَين بعضهما مع بعض، لا أن يشهدوا على علاقة غير صحية».

من المؤكّد أن الطلاق يترك آثاراً على الأولاد، ولكن في المقابل لا مناعة تقيهم الترددات السلبية لزواجٍ سامّ وتعيس. وتضيف ريف رومانوس في هذا السياق: «أن تخسر نفسك من أجل أولادك ليس أمراً سيفرحهم. من الأفضل أن يروك سعيداً بمفردك على أن يروك تعيساً في الزواج».

الأولاد هم السبب الأساسي الذي يبقي الناس في زيجاتٍ تعيسة (رويترز)

المال ثم المال

تشير الإحصائيات إلى أن أولئك الذين لديهم كثير من الأموال والأملاك يخسرونها في حال الطلاق، هم أكثر عرضة للبقاء متزوّجين، بغضّ النظر عن مستوى رضاهم عن العلاقة الزوجية.

فحتى وإن حصل الانفصال بأقل الأضرار المعنوية الممكنة، لا يمرّ من دون خسائر مادية. أولاً، الطلاق إجراءٌ مكلف لا تقلّ مصاريفه القانونية عن 10 آلاف دولار في حدّها الأدنى، تُضاف إليها لاحقاً النفقة المخصصة للأولاد. وكلما كان الانفصال صِدامياً بين الشريكَين، كان الثمن باهظاً أكثر. ويشمل ذلك تنازل أحد الزوجَين عن كثير من مدّخراته وحقوقه المادية من أجل الحفاظ على حق الوصاية على الأولاد، أو لمجرّد موافقة الشريك على إتمام الطلاق.

توضح ريف رومانوس أن الخسائر المادية والخوف من فقدان الاستقرار قد يلعبان دوراً محورياً في ردع المرء عن الطلاق: «لكن عندما يشعر الشخص بأنه خسر هويته وما عاد يجد نفسه في هذا الزواج، لا يبقى العنصر المادي رادعاً».

تلعب الأموال والأملاك المشتركة دوراً محورياً في ردع الأزواج عن الانفصال (رويترز)

رعبُ مغادرة دائرة الأمان

«هل سأتأقلم على العيش وحدي؟»، «هل سأعثر على شريك جديد؟»، «أليس من الأفضل أن أبقى هنا؛ حيث اعتدتُ على كل شيء؟»... هذه بعض التساؤلات التي تؤرق الشريك التعيس في زواجه. فبطبيعته يخشى الإنسان من المجهول، ويفضّل البقاء ضمن دائرة المألوف، حتى وإن كان هذا المألوف مؤلماً ومتعباً.

الزواج -على تعاسته في بعض الأحيان- هو أشبَه بمنطقة الأمان التي يصعب الخروج منها خشية مما سيَليها.

وقد أشار بحثٌ أجرته «الجمعية الأميركية للطب النفسي» إلى أن الخوف من الوحدة ومن فقدان الأمان، هو في طليعة الأسباب التي تجعل الناس يبقون في زيجاتهم التعيسة. وأضاف البحث أن «تَجاهُل المشكلات التي تشوب العلاقة، أسهل من الجرأة على التغيير ومواجهة المجهول الذي قد يحمله المستقبل».

وتحذّر الجمعية من إخفاء المشاعر الحقيقية حيال الشريك والزواج، تحت قناعٍ من السعادة المزيّفة؛ لأن تَجاهل مواجهة تلك المشاعر يُبقي المرء عالقاً في دوّامة من التعاسة.

إخفاء المشاعر الحقيقية تحت قناع من السعادة المزيفة يبقي المرء عالقاً في دوّامة من التعاسة (رويترز)

«كلام الناس»

رغم أنه خرج من دائرة المحرّمات منذ سنوات، فإن البعض ما زال ينظر إلى الطلاق على أنه فشلٌ وهزيمة. وفق ريف رومانوس فإنّ معظم مَن هم غير سعداء في زيجاتهم يترددون في اتخاذ قرار الانفصال، خشيةً من أحكام الناس عليهم، ومن مواجهة الأهل والأصدقاء بالموضوع.

يبدو البقاء خلف جدران البيت الجميل الذي بنياه معاً، والحفاظ على مظاهر حياتهما التي يظنها الآخرون مثالية، أسهل من الإقرار بأنّ الزواج تحوّل إلى معاناة. بذلك، يتفادى الأزواج خجل الظهور كفاشلين في عيون أهلهم والمجتمع.

ندوب الطفولة

يحمل الشريك إلى زواجه كل ما نشأ عليه خلال الطفولة. غالباً ما يصمت عمّا يضايقه، كالتعنيف أو المعاملة السيئة أو الخيانة؛ لأنه تربّى على أنّ الشكوى والتعبير عن المشاعر نوعٌ من الضعف. يُخفي حزنه واستياءه مقابل إرضاء الآخر، والحصول على سلامٍ وسكينة ظاهريين ومؤقتَين.

في هذه الشرنقة من السلوكيات النفسية غير الصحية، يصبح من الصعب التحرر مما يكبّله. ينعكس الخجل والشعور بالذنب اللذَين تكيّف معهما طفلاً على علاقته بالشريك، فيحمّل نفسه المسؤولية قائلاً: «يجب أن أبذل مجهوداً أكبر في العلاقة»، أو: «ليس الأمر بهذا السوء»، حتى وإن كان صوته الداخلي يصرخ بعكس ذلك.

وقد بيّنت دراسة نُشرت عام 2018 في «Journal of Personality and Social Psychology» (مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي)، أنه غالباً ما يبقى الناس في زيجات تعيسة إرضاءً لشريكهم، غير آخذين في الاعتبار مصلحتهم الشخصية.

غالباً ما يبقى الناس في زيجات تعيسة إرضاءً لشريكهم غير آخذين في الاعتبار مصلحتهم الشخصية (رويترز)

على أملٍ مؤجّل

غالباً ما يؤجّل الأزواج الخروج من دائرة التعاسة على أمل أن تترمم العلاقة أو أن يتبدّل سلوك الشريك. وفق الدكتورة ريف رومانوس، فإنّ هذا الأمل المؤجّل يخبّئ في طيّاته استسلاماً: «غضّ الطرف عن بعض المساوئ أمر جيّد، ولكن إذا انسحب على كل جوانب العلاقة فهذا يعني الاستسلام لحياة غير سعيدة لمجرّد البقاء معاً»، كما تقول المعالجة النفسية.

أمام زواجٍ مسدود الأفق، يمكن اللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار زواج أو رجل دين، لأخذ المشورة ومحاولة إصلاح ما تصدّع، ولكن «عامل الوقت ومرور السنوات يلعب ضد ترميم زواجٍ متهالك؛ خصوصاً إذا كان التواصل صعباً والقيَم والاهتمامات مختلفة بين الزوجَين»، وفق ريف رومانوس.

أما كيف نعرف أنّ الأمل بالعلاقة الزوجية قد فُقد تماماً، وأنّ فترة الحِداد عليها قد انتهت، فعندما نحدّث أنفسنا قائلين: «لا رغبة لدي في العودة إلى المنزل»، أو: «لا أمانع في أن يجد شريكي الحالي شخصاً يحبه ويعيد بناء حياته معه».


مقالات ذات صلة

كيف أطاح «الطلاق الرمادي» بنظريّة «حتى يفرّقنا الموت»

يوميات الشرق يطال الطلاق الرمادي الأزواج الذين تخطّوا سن الـ50 (بكسلز) p-circle 01:20

كيف أطاح «الطلاق الرمادي» بنظريّة «حتى يفرّقنا الموت»

ما عاد الزواج والطلاق حكراً على الفئات العمرية الشابة، فهما منذ مدة اصطبغا بالرمادي، أي أنهما صارا يشملان المتقدّمين في السن.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام وزوجته كيت ميدلتون (رويترز)

الأمير ويليام يحاول تجنب ارتكاب نفس «أخطاء» الزواج مثل والديه

يُطبّق الأمير البريطاني ويليام ما تعلمه من زواج والديه الفاشل في علاقته بزوجته كيت ميدلتون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كلب وقطة يجلسان جنباً إلى جنب (رويترز)

زوجان هنديان يتطلقان بسبب «عدم توافق حيواناتهما الأليفة»

تنظر محكمة الأسرة في مدينة بوبال بوسط الهند في قضية خلاف زوجيّ غير مألوفة، حيث يسعى شخصان إلى الطلاق لأن كلبه وقطتها لا يتوافقان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (د.ب.أ)

بعد شائعات طلاقه... أوباما يتحدث عن تحديات زواجه

تحدث الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بصراحة عن التحديات التي واجهها هو وزوجته ميشيل أوباما طوال فترة زواجهما.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الفيلم الأميركي البريطاني The Roses تجربة سينمائية خارجة عن المألوف (الشركة المنتجة Searchlight Pictures)

لعائلة Roses من اسمِها نصيب... فيلم بوَردٍ كثير وشَوكٍ أكثر

مواقف غير متوقعة بين زوجَين كانا متحابّين، وانقلبت حياتهما إلى تحطيم متبادل بين ليلة وضحاها. عن الزواج بوروده وأشواكه يتحدث فيلم The Roses.

كريستين حبيب (بيروت)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».