مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

تضم ممثلين عن الحكومة والبرلمان بهدف التوافق

رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بتأكيد انفتاحها الكامل على أي تعديلات بخصوصه، بل اقتراحها «تشكيل لجنة مشتركة من تنفيذيين وأعضاء بالبرلمان لإعادة صياغته، بعد أخذ رأي الأطراف المعنية المختلفة والمؤسسات، بما في ذلك الأزهر»، وفق رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي.

ورأى مراقبون أن مقترح الحكومة ليس سوى محاولة لتهدئة الرأي العام، ولا يحمل جديداً من حيث سير العمل بعد تقديم الحكومة لمشروع قانون إلى المجلس، إذ تقوم دورة إعداد المشاريع التقليدية على الاستماع إلى آراء الجهات المختلفة، واستدعاء الوزارات والجهات الرسمية المختصة، ثم إعادة صياغة المواد وفق ما انتهى إليه المشرعون.

وكانت الحكومة قد نفت قبل أيام سحب مشروع القانون من البرلمان. وقالت وزارة الشؤون النيابية، في بيان، إن «الحكومة قد استوفت دورها بتقديم مشروع القانون رسمياً إلى مجلس النواب؛ ليصبح حالياً في حوزته، وتحت ولايته التشريعية»، ووصفته بأنه «لبنة أولى للحصول على صياغات متوازنة تحقق الغايات النهائية لمثل هذه القوانين».

وقال مدبولي، خلال مؤتمر صحافي، الخميس: «نعي تماماً حساسية هذا القانون، إننا نتحدث مع معسكرين مصالحهما متعارضة، وأي مادة يفهم منها أنها تنحاز لجانب سيكون الجانب الآخر ممتعضاً منها، والعكس بالعكس»، مضيفاً: «الأهم أننا نقترح أن تكون هناك لجنة مشتركة من مجلس النواب والحكومة تصيغ المواد بالشكل المناسب...»، لافتاً إلى أنه اقترح ذلك في مراسلاته مع رئيس البرلمان: «الحكومة تعي أن ما قدمته ليست مسودة نهائية، والأمر سيأخذ وقتاً للنقاش».

وانتقد العديد من النشطاء نهج الحكومة في إعداد المشروع دون الاستعانة برأي الأزهر، معتبرين المشروع مرفوضاً ومخالفاً، خلال تعليقات على مقطع المؤتمر الصحافي المنشور عبر الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء.

وعلّق عضو مجلس النواب ضياء الدين داوود، على المقترح الحكومي قائلاً، إن «تشكيل لجان مشتركة ليس جديداً، فعادة ما يحدث ذلك في مشاريع القوانين الكبيرة مثل الأحوال الشخصية»، لافتاً إلى أن الأمر يظل تحت إدارة وإشراف اللجان المختصة التي «تستدعي ممثلي الحكومة المعنيين بالملف، كما تستمع إلى آراء كافة الأطراف ذات الصلة، وفي مقدمتها مؤسسة الأزهر».

وشدّد داوود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الأزهر وإمامه لهما كل التقدير من المجلس، ولا يمكن أن يخرج القانون إلا بعد أخذ رأيه في ظل المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع».

الحكومة تعي حساسية مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ومنفتحة على تعديله (رئاسة مجلس الوزراء)

وأثار مشروع القانون جدلاً واسعاً مع استحداث العديد من المواد التي رآها البعض مخالفة للشريعة، منها تقييد الطلاق في أول 3 سنوات إلا بحكم محكمة، أو فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور إذا اتضح أن أحد طرفي العقد أخفى عيباً أصيلاً عن الطرف الآخر ما لم تكن الزوجة حاملاً. كما تطرق مشروع القانون إلى الطلاق الشفهي المثير للجدل، وألزم الزوج في مادة منه بتوثيق الطلاق خلال 15 يوماً من النطق به.

وزاد الجدل بعدما أصدر الأزهر بياناً في 20 مايو (أيار) الماضي، بأنه لم يطلع حتى الآن على مشروع قانون الأحوال الشخصية، ولم يعرض عليه لأخذ رأيه فيه، ما فسره البعض آنذاك بأنه بيان يعبر عن «استياء مكتوم لدى المؤسسة الدينية».

وقال العالم الأزهري أستاذ الفقه المقارن، عبد الحليم منصور، لـ«الشرق الأوسط»، إن «النظر إلى مشروعات قوانين الأحوال الشخصية ينبغي أن ينطلق من مبدأ أن الأسرة ليست شأناً فردياً فحسب، بل هي مؤسسة اجتماعية تمس استقرار المجتمع بأسره، ومن ثم فإن أي تعديل تشريعي يجب أن يوازن بين الأحكام الشرعية المعتبرة، ومتطلبات الواقع المعاصر، ومصالح الأسرة والأطفال».

ورأى منصور أن المواد المثيرة للجدل لها تخريجات تجمع بين الرأي الشرعي والمصلحة المجتمعية، مثلما حدث في مقترح الطلاق الشفهي، بإلزام الزوج بتوثيقه دون الإخلال بالرأي الشرعي بوقوع الطلاق عند النطق به. مضيفاً أن «المطلوب هو حوار علمي هادئ تشارك فيه المؤسسات الشرعية، ولا سيما الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، والقانونية والاجتماعية، للوصول إلى حلول متوازنة تراعي ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، وتحقق المصلحة العامة للأسرة المصرية».

مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)

ولا يعد مشروع قانون الأحوال الشخصية المُقترح حالياً، هو الأول من نوعه، إذ يجري الحديث في مصر عن إصدار تشريع شامل لشؤون الأسرة منذ سنوات، وسبق أن عرضت الحكومة نسخة على الأزهر في عام 2019، وناقشتها هيئة كبار العلماء، وأرسلت رأيها بشأنها إلى الحكومة، لكن هذا المشروع لم يرَ النور.

وعاد التشريع الأسري كحاجة ملحة بعدما وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل (نيسان) الماضي، بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان.

ورغم ذلك لا يستبعد النائب البرلماني ضياء الدين داوود إمكانية تعثر مشروع قانون الأحوال الشخصية مجدداً، ما لم تتحرر كافة الأطراف المعنية والنواب من الضغوطات الممارسة عليهم، عند تناوله، وضرورة مناقشته بتجرد من أجل الصالح العام.

وأضاف أن «المجلس سيأخذ رأي كل المعنيين، وسيوجد عند النقاش ممثلون من الحكومة، والنيابة العامة، ونقابة المحامين والمؤسسات الحقوقية»، مشدداً على ضرورة أن «تتحرر السلطة التشريعية بعد ذلك من التجاذبات الخارجية من أطراف النزاع، وتضع تشريعاً ذا عمومية يضع قواعد عامة ومجردة».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

جددت مصر رفضها التدخل في شؤون سوريا، وأكدت ضرورة تمكين مؤسسات الدولة الوطنية السورية، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وتوم برّاك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني.

محمد الريس (القاهرة)
العالم العربي محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى.

هشام المياني (القاهرة )

عودة معارض بارز من الخارج تغذي الجدل حول «رئاسية» 2029 في الجزائر

مؤسس التيار العلماني في الجزائر سعيد سعدي (أرشيفية)
مؤسس التيار العلماني في الجزائر سعيد سعدي (أرشيفية)
TT

عودة معارض بارز من الخارج تغذي الجدل حول «رئاسية» 2029 في الجزائر

مؤسس التيار العلماني في الجزائر سعيد سعدي (أرشيفية)
مؤسس التيار العلماني في الجزائر سعيد سعدي (أرشيفية)

يستعد مؤسس التيار العلماني في الجزائر، طبيب الأعصاب، سعيد سعدي، لإنهاء إقامته في الخارج والعودة إلى البلاد نهاية الشهر الحالي، بعد أكثر من سبع سنوات قضاها في فرنسا متفرغاً لكتابة مذكراته.

وتأتي هذه العودة محملة بجرعة مكثفة من الإثارة السياسية: فمن جهة، يصاحبها خطاب ناري ينتقد السلطة ويتوقع سيناريو الاعتقال في المطار؛ ومن جهة أخرى، يغذي هذا التحول تكهنات صاخبة وراء الكواليس حول طموحات رئاسية محتملة لأفق 2029، تعيد إلى الأذهان شبكة التفاهمات المعقدة، التي نسجها الرجل مع أجهزة الدولة مطلع تسعينات القرن الماضي؛ لمنع وصول الإسلاميين الراديكاليين إلى السلطة، في انتخابات برلمانية شهيرة عرفت فوزاً ساحقاً لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي تم حلّها بحكم قضائي عام 1992 بتهمة «الإرهاب».

سعدي محاطاً بمجموعة من المناضلين السياسيين الجزائريين في فرنسا (حسابه الخاص)

وأعلن الرئيس الأسبق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» سعيد سعدي (79 عاماً)، المقيم في فرنسا منذ نهاية عام 2019، عبر منصة «ألترنا تي في» (البديل تي في) - وهي وسيلة إعلامية مستقلة تبث من الخارج- عن استكماله كتابة مذكراته وعزمه العودة إلى الجزائر.

العودة المثيرة

ففي 31 يوليو (تموز)، ستحط طائرته بمطار الجزائر العاصمة، حيث يجري إعداد برنامج استقبال من طرف نحو أربعين شاباً. ويتضمن برنامج اليوم الأول استقبالاً في المطار، يليه تنقل إلى مسقط رأسه بقرية أغريب في منطقة القبائل.

ووفق مراقبين، يعيد إعلان سعدي عودته إحياء التساؤلات حول نوايا وأجندة رجل فاعل وبارز في المشهد الوطني؛ فبعد أن شارك في تأسيس حزب «التجمع» نهاية ثمانينات القرن الماضي، إلى جانب مناضلين بارزين أمثال فرحات مهني، ومقران آيت العربي، ومصطفى باشا، وشخصيات أخرى، طبع سعدي عقوداً من الحياة السياسية بمواقفه الحاسمة تجاه قضايا الديمقراطية والعلمانية والهوية.

ويؤكد سعدي أن تنحيه عن قيادة الحزب عام 2012 لم يكن يعني انسحابه من الفضاء العام، مستحضراً ما جاء في خطاب استقالته آنذاك، حين أعلن أنه سيظل «مجرد مناضل بسيط». وقد أتاحت له هذه الصفة مواصلة الإسهام، من منفاه الاختياري، في إثراء النقاشات المتعلقة بتحولات المشهد السياسي الجزائري.

مظاهرة لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» عام 1991 (أرشيفية)

وتأتي عودته في سياق يصفه سعدي بـ«المنعطف السلطوي». وعن سؤال حول ما إذا كان يخشى التعرض للاعتقال، جاءت إجابته قاطعة: «كل شيء وارد، لكني سأعود مهما حدث. يجب الإقدام على هذه الخطوة أيضاً لخلخلة النظام ووضع حد للتعسف السائد منذ بضع سنوات».

ويقرأ مراقبون عودة سعدي من زوايا متعددة؛ فمنهم من يعدّه قراراً شخصياً بحتاً، ومنهم من يراه «محاولة لاستعادة موقع في دائرة التأثير»، في حين يربطه آخرون بحسابات سياسية أوسع. وفي ظل واقع سياسي أعاد الحراك الشعبي (2019) تشكيل ملامحه، وما رافقه من تضييق على العملين الحزبي والمجتمعي، تبدو هذه العودة، وفق المراقبين أنفسهم، أبعد من أن تكون خاتمة لمسيرة سياسية، وأقرب إلى بداية مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.

الأبعاد الخفية للعودة

كما يرى مراقبون أن الأمر يتعلق بعودة رمزية وتاريخية، فبعد نشر مذكراته، قد يفضّل سعيد سعدي اتخاذ موقع المثقف الذي يتدخل في الشأن العام عبر كتاباته وتحليلاته من دون الانخراط المباشر في المعترك الحزبي، وهو خيار قد يفرضه تقدمه في السن. وثمة فرضية أخرى تشير إلى عودة سياسية وإن كانت غير مباشرة؛ ورغم استبعاد استعادته زمام قيادة «التجمع» الذي غادره قبل سنوات، فمن غير المرجح «أن يبقى بعيداً عن الساحة لفترة طويلة، خاصة وأنه صرح مؤخراً بأن الوقت لا يزال مبكراً لإنهاء طموحاته السياسية»، بما يفتح باب التأويل إلى احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2029، خصوصاً أنه خاض هذه التجربة من قبل، حيث ترشح في استحقاق 1995 الذي فاز فيه الجنرال اليمين زروال مرشحاً عن السلطة.

عثمان معزوز الرئيس الحالي لـ«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (إعلام حزبي)

وزيادة على طموحه المفترض في السلطة، يرتبط سعدي ارتباطاً وثيقاً بما يعرف بـ«مجموعة أسيرم» في مدينة تيزي وزو، التي يتحدر منها، وتضم المجموعة الكثير من الأطر والمناضلين السابقين في الحزب.

كما تمكن قراءة هذه العودة كرسالة سياسية موجهة إلى السلطة والمعارضة على حد سواء؛ إذ لا تزال مواقف سعيد سعدي، التي ينشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي خاصة حول المسائل الديمقراطية والهوية، تحرك النقاش العام. غير أن هذه الرسالة تستهدف بالدرجة الأولى القيادة الحالية لـ«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» التي يقع في قطيعة معها، حيث يأخذ عليها الابتعاد عن المبادئ التأسيسية للحزب، والسير على الخط نفسه الذي رسمه خليفته محسن بلعباس، المتهم في نظر سعدي بـ«إبرام خريطة طريق» مع قيادات حركة «رشاد الإسلامية» خلال فترة الحراك الذي دفع الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة إلى التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.


عسكريو ليبيا يسبقون سياسييها على «طريق التوافق»

خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)
خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)
TT

عسكريو ليبيا يسبقون سياسييها على «طريق التوافق»

خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)
خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)

كسر عسكريو ليبيا حاجز الانقسام المؤسسي نسبياً، واتفقوا على خطوات تمهّد الطريق نحو «التوافق» المعطل منذ عام 2014، في وقت لا يزال فيه المسار السياسي أسير الخلافات بين الأطراف المتنافسة.

وعكس اجتماع، غير مسبوق، احتضنته مدينة سرت، (الأحد) بين رئيسي الأركان العامة في شرق ليبيا وغربها الفريقَين خالد حفتر، وصلاح الدين النمروش، قدراً من التفاهم على «ترتيبات» ينظر إليها على أنها تستهدف إنهاء الانقسام في مقبل الأيام، ولاقت ترحيباً أممياً، ومن أطراف سياسية مناوئة.

وفتح لقاء خالد والنمروش مسار الحوار بين شطري المؤسسة العسكرية، الذي كان قد تعثر بعد رحيل الفريق محمد الحداد، رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، الذي قُتل ومرافقوه بسقوط طائرته خلال رحلة العودة من أنقرة إلى طرابلس نهاية العام الماضي.

جانب من لقاء النمروش (إلى اليمين) وخالد حفتر في سرت 12 يوليو (رئاسة أركان غرب ليبيا)

وتقع سرت على بُعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة تقريباً بينها وبين بنغازي، وهي مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها «داعش» عام 2015، واتخذها أحد أبرز معاقله في شمال أفريقيا.

وقالت القيادة العامة بغرب ليبيا مساء الأحد، إن اجتماع النمروش وخالد حفتر تناول بحث عدد من «الملفات ذات الأولوية»، كما «تم الاتفاق على تنظيم تمرين تعبوي موحد - لم يتحدد موعده بعد - بمشاركة منتسبي القوات في شرق ليبيا وغربها في إحدى مناطق الجنوب، بما يعزز الجاهزية ويرسخ التعاون بين مختلف الوحدات».

كما تم مناقشة «آليات دعم منتسبي المؤسسة العسكرية، والارتقاء بقدراتهم، ومتابعة حقوقهم الإدارية والمالية، والعمل على معالجة أي إشكاليات قد تعيق أداءهم، إلى جانب الإذن لرؤساء الأركان النوعية بعقد اجتماعات شهرية؛ بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز العمل المشترك».

واللقاء الذي حضره وفد من البعثة الأممية لدى ليبيا وأعضاء اللجنتين العسكرية المشتركة «5 + 5»، و«3 + 3»، ورؤساء الأركان النوعية، وأمين عام رئاسة الأركان العامة، شدد على أن «وحدة المؤسسة العسكرية تمثل الخيار الوحيد لحماية الوطن وصون حدوده وتعزيز استقراره».

وفي بداية نحو «طريق التوافق»، تم منح الإذن لرؤساء الأركان النوعية بعقد اجتماعات شهرية مع إداراتهم؛ بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز التنسيق والعمل المشترك.

خالد حفتر والنمروش يتوسطان لجنة «3 + 3» العسكرية المشتركة (رئاسة أركان غرب ليبيا)

وأظهر لقاء النمروش وخالد حفتر مقارنة بين ما أبداه عسكريو ليبيا، والوضع الراهن الذي عليه سياسيوها راهناً، إذ يرى البعض أن الحالة التي تعيشها ليبيا هي «رهينة» لمواقف مجلسي النواب و«الأعلى للدولة».

ولم يتبين لكثيرين بعد ما إذا كان لقاء خالد حفتر والنمروش سيتمكن من إنهاء انقسام المؤسسة العسكرية أم أنه سيظل «لقاءً ودياً» على غرار اجتماعات سابقة عقدها الحداد وعبد الرازق الناظوري الرئيس السابق لأركان «الجيش الوطني».

وقال خالد حفتر خلال الاجتماع إن «المرحلة الراهنة تمثل فرصة وطنية مهمة لتعزيز وحدة المؤسسة العسكرية، بما يسهم في صون سيادة الدولة»، مؤكداً «ضرورة أن تبقى المؤسسة العسكرية بعيدة عن التجاذبات السياسية، وأن تضطلع بمهامها الوطنية في خدمة جميع الليبيين».

وقدّم النمروش إحاطة عسكرية، الاثنين، إلى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي بصفته القائد العام بشأن مخرجات الاجتماع العسكري الذي انعقد في سرت، مستعرضاً ما تم التوصل إليه من «نتائج وخطوات عملية تهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية».

المنفي مستقبلاً النمروش 13 يوليو (مكتب المنفي)

وقال المنفي - حسب مكتبه - إن «توحيد المؤسسة العسكرية يمثل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، بصفته الركيزة الأساسية لبناء جيش وطني موحد قادر على أداء واجباته الدستورية في حماية الوطن، وصون سيادته، وتأمين حدوده، والحفاظ على أمن المواطنين، واستقرار الدولة».

سياسياً، يرى متابعون ليبيون أن أي اتفاق سياسي متوقع ستنتهي إليه اللجنة المصغرة «4 + 4» سيصطدم باعتراضات من مجلسي النواب و«الدولة»، ما لم يتوافقا على ما ينتج عنها، مشيرين إلى أن ليبيا تعاني من اختلافات بين المجلسين اللذين يترأسهما عقيلة صالح ومحمد تكالة، تمنع إجراء الانتخابات العامة المؤجلة منذ نهاية عام 2021.

وتتوزع «دماء» الحالة السياسية في ليبيا بين لجان ومبادرات وتحركات أممية، فضلاً عن مناكفات سياسية.

ورحبت البعثة الأممية بالاجتماع العسكري الذي احتضنته سرت، بحضور رئيسي الأركان العامة، ونائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، وعدّته «خطوة مهمة لبناء الثقة، كما أنه يعكس التزام القيادات الليبية بتوحيد المؤسسات العسكرية في البلاد».

كما أشادت البعثة بـ«الجهود البناءة» للمشاركين في هذا الاجتماع، وتؤكد التزامها بمواصلة دعم هذه العملية، بقيادة وملكية ليبية، من خلال استمرار التيسير والتنسيق الدولي.

النمروش وخالد حفتر يتوسطان أعضاء من اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5» (رئاسة أركان غرب ليبيا)

والحالة الليبية بشكل عام، يراها سياسيون مرهونة بما يجري خلف كواليس «المبادرة الأميركية» التي يدفع بها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لـ«توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية» في ليبيا عبر خطة تستهدف «إنهاء الانقسام».

ومنذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وحل الجيش الليبي، شهدت البلاد كثيراً من الاجتماعات واللقاءات بين قادة عسكريين لكنها لم تثمر شيئاً إيجابياً على مسار إنهاء انقسام الجيش شرقاً وغرباً.


عقوبات أوروبية على ذهب السودان المُستغل في تمويل الحرب

عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)
عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)
TT

عقوبات أوروبية على ذهب السودان المُستغل في تمويل الحرب

عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)
عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)

أعلن الاتحاد الأوروبي أنه فرض عقوبات جديدة على السودان تستهدف تجارة الذهب لديه، التي قال الاتحاد ‌إنها ‌تُستغل ​في ‌تمويل ⁠الصراع ​العسكري الدائر ⁠في البلاد منذ أكثر من 3 سنوات. وذكر مجلس الاتحاد الأوروبي، في بيان يوم الاثنين، أن: «القرار يفرض حظراً ⁠على شراء واستيراد و‌نقل ​أي ذهب ‌سوداني المنشأ. ويحظر ‌القرار أيضاً بيع وتوريد ونقل وتصدير ‌مادتَي الزئبق والسيانيد إلى السودان». واستند القرار على مبادرة هولندية فرنسية، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

كما أن العقوبات سوف تقيِّد قدرة السودان على إدخال الذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر دول أخرى. وتأتي القيود الأوروبية في إطار محاولات الاتحاد الأوروبي كبح الصناعات التي تؤجج الحرب الأهلية في السودان. وهذه العقوبات الجديدة هي الأولى من جانب الاتحاد الأوروبي منذ شهور، بعد أن كان قد فرض عقوبات على كثير من أطراف القتال في أوقات سابقة.

البراميل المتفجرة

جندي يُطفئ حريقاً بعد غارة بطائرة من دون طيار في مدينة الدامر شمال السودان يوم 25 أبريل 2025 (رويترز)

وبدأ الصراع بين ⁠الجيش و«قوات الدعم السريع» قبل أكثر من 3 سنوات، وتسبب في أزمة إنسانية عدَّتها الأمم المتحدة الأسوأ والأكبر في العالم. وأخذ الصراع أشكالاً عنيفة كثيرة، من بينها ازدياد الهجمات بالبراميل المتفجرة، وسط مخاوف من اتساع نطاق استهداف مناطق مدنية بهذه البراميل ذات الطبيعة العشوائية، الأمر الذي يهدد حياة آلاف الأشخاص.

وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» قد قالت إن طائرة من طراز «أنتونوف» تابعة للجيش ألقت براميل متفجرة على منطقتَي أم دبيب والزراف شمال محلية أم بادر في ولاية شمال كردفان، ما أسفر عن إصابة عشرات من المدنيين، بينهم أطفال ورعاة في منطقة أم دبيب أثناء وجودهم بالقرب من مورد المياه، إضافة إلى نفوق أعداد من الماشية.

وأكدت المجموعة -في بيان صحافي- أن: «استخدام البراميل المتفجرة ضد مناطق مدنية يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني»، محذرة من «استمرار الهجمات العشوائية بين طرفي الصراع في السودان»، ومطالبة بالامتناع عن استخدام البراميل المتفجرة وغيرها من وسائل القتال ذات الآثار العشوائية.

وتزامن هذا التصعيد مع ضغوط أميركية متزايدة على الجيش، بعدما أعلنت واشنطن مؤخراً أن تحليلها خلص إلى استخدام الجيش أسلحة كيماوية خلال الحرب، وطالبت بالسماح لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بالوصول إلى المواقع المعنية.

الطائرات المُسيَّرة

بعض أجزاء من المُسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني في ولاية النيل الأبيض (متداولة)

وتعد هذه الهجمات استمراراً للعمليات الجوية العشوائية ضد المناطق المدنية التي اتخذت أشكالاً متعددة من طرفي الحرب، شملت القصف بالبراميل المتفجرة والطائرات المُسيَّرة، مخلفة خسائر متكررة في أرواح المدنيين وإصابات بينهم، فضلاً عن تدمير الممتلكات المدنية وتقويض سبل كسب العيش، بما يعكس نمطاً متواصلاً من الهجمات التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

وفي المقابل، اتهمت «شبكة أطباء السودان» -وهي جماعة مدنية- «قوات الدعم السريع» بالقصف الممنهج المتعمد لمحطة الكهرباء ومحطات الوقود بمدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض، مشيرة إلى أن «استمرار استهداف المنشآت والأعيان المدنية يمثل انتهاكاً خطيراً، ويزيد من معاناة المواطنين في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تمر بها البلاد».

كما قال «المرصد الوطني السوداني لحقوق الإنسان»، إن طائرات من دون طيار تابعة لـ«قوات الدعم السريع» استهدفت مدينة الأُبيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان.

ويشهد السودان حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل 2023، وأودى الصراع بحياة 59 ألف شخص على الأقل، وتسبَّب في نزوح نحو 13 مليون آخرين، ودفع أجزاء كثيرة من السودان إلى المجاعة، بحيث أصبح أكثر من 30 مليون شخص -من بين نحو 45 مليوناً عدد السكان الكلي- يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.