«غزيو مصر» لم يحملوا الغربة في حقائبهم

سكنوا «القناطر» و«الكيت كات»... ودرسوا وأطلقوا مشاريع

مائدة تجمع مصريين وغزيين داخل شقة في القناطر الخيرية (الشرق الأوسط)
مائدة تجمع مصريين وغزيين داخل شقة في القناطر الخيرية (الشرق الأوسط)
TT

«غزيو مصر» لم يحملوا الغربة في حقائبهم

مائدة تجمع مصريين وغزيين داخل شقة في القناطر الخيرية (الشرق الأوسط)
مائدة تجمع مصريين وغزيين داخل شقة في القناطر الخيرية (الشرق الأوسط)

منزل بسيط في مدينة «القناطر الخيرية»، يخبرك موقعه على الخريطة أنك تحتاج إلى عبور جسر وترعة حتى تصل إليه، بعد 25 كيلومتراً من ميدان «التحرير»، وسط القاهرة. تقف حبيبة على بابه تنتظر الضيوف، ومريم في الشرفة تترقب، بينما الجدة تجلس مرتدية الثوب الفلسطيني المميز، والأم تعد المنسف في المطبخ. يوم جمعة يذكرهم بأيامهم التقليدية في غزة قبل الحرب، حين كانت العائلة تجتمع على الطعام.

تتحدث الأم نهى عبد الرازق، الشهيرة بأم حبيبة، لـ«الشرق الأوسط»، بينما تعدّ الغداء، عن مشاعر كثيرة حملتها أسرتها معها من القطاع؛ القلق على زوجها الذي تركوه خلفهم مضطرين، وهو من الصم والبكم، الحزن على القطاع، الصدمات النفسية العالقة بحقائبهم القليلة التي خرجوا بها من هناك: «لسه بنتي الصغيرة بتسألني ماما هو ممكن السقف هذا يقع علينا».

ثم تُلمح إلى شعور جيد وحيد نبت في مصر بالألفة، قائلة وهي تشير إلى ضيوفها من المصريين والغزيين: «مثل هذه الزيارات بتهون علينا كتير». وتتذكر: «هناك مصريون عملوا لبناتي عيد ميلاد في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي حتى يفرحوهن».

أم فلسطينية تعد المنسف الشهير للضيوف (الشرق الأوسط)

جاءت الأسرة للعلاج في مارس (آذار) الماضي، «دخلت مريم ذات السنوات السبع المصابة بحمى البحر المتوسط، العناية المركزة لمدة أسبوعين في مستشفى القناطر، وبعدها رآنا مصريان يتطوعان لمساعدة الغزاوية، ووفرا لنا شقة في قرية أبو الغيط، جوارنا»، حسب نهى.

وتضيف: «في القرية الأهالي لم يتركونا، كل يوم يطرقون علينا الباب، مرة بسؤال عن الصحة، وأخرى ببعض الجبن أو الألبان أو الدجاج». وحين اضطرت الأسرة للانتقال إلى قرب المستشفى لمواجهة أي طارئ للصغيرة، وفر لها المصريان نفسهما الشقة الثانية.

نهى عبد الرازق تجري مكالمة فيديو مع زوجها الموجود في غزة وتعرفه على ضيوفهم في شقتهم بالقناطر الخيرية (الشرق الأوسط)

عائلة الجدة ليست حالة استثنائية؛ إذ لاحظت «الشرق الأوسط» انتشار العائلات الفلسطينية في مناطق مختلفة، ليس داخل القاهرة والجيزة فقط، بل في قرى ومناطق شعبية دون التكتل في تجمعات سكنية، على عكس الجاليات العربية الأخرى، حيث تمركز السوريون، سواء في التجارة أو السكن، في منطقة «6 أكتوبر»، والسودانيون في منطقة فيصل، واليمنيون في الدقي، لكن الغزيين ذابوا وسط المصريين.

وقدّر السفير الفلسطيني في مصر دياب اللوح عدد الوافدين بعد الحرب، بـ103 آلاف فلسطيني، خلال الفترة من 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى مايو (أيار) الماضي، وفق تصريح له الشهر الماضي.

وانقطع التدفق الفلسطيني إلى مصر مع إغلاق معبر رفح بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي عليه من الجانب الفلسطيني، منذ مايو الماضي، ورفض القاهرة التنسيق معه.

ويوجد في مصر حتى نهاية سبتمبر الماضي، 792 ألفاً و783 لاجئاً وطالبَ لجوء من 62 دولة، وفق تقرير لمفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. لا يتضمن هذا الإحصاء الفلسطينيين؛ إذ أوضحت وثيقة للمفوضية في فبراير (شباط) الماضي، أن مساعداتها للوافدين الفلسطينيين في مصر لا تتم بشكل مباشر، بل عبر الهلال الأحمر المصري.

أجواء الأُلفة

تفتح نهى مكالمة فيديو مع زوجها بلغة الإشارة، لتعريفه على الضيوف، فيما يغدق عليهم الابتسامات والترحاب. تتذكر وهم في غزة: «لم يكن يستدل على القصف سوى من وميضه الكبير المفاجئ، يقوم يتحسسنا في الظلام ليتأكد أننا بخير، ثم يجري على الشباك ليرى ما يحدث».

فرح الأب حين رأى الضيوف، وكذلك من قبل حين حكت له حبيبة ذات الـ12 عاماً، عن صديقاتها الكثيرات في المعهد الأزهري الذي التحقت به جوار منزلها الجديد. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل اللي تعرف إني من غزة تيجي تقولي بالله صاحبيني»، هذا بخلاف أصدقاء عائلتها الذين يزدادون كل يوم.

حسام المصري والناشط الفلسطيني أمان يحتفيان بالمنسف ويشاركان حبيبة ومريم اللعب (الشرق الأوسط)

مثل حبيبة، أصبح لدى العم محمد مصلح الشهير بـ«أبو مصباح»، والذي دخل العقد السادس من عمره، أصدقاء مصريون كثيرون، يشاركهم جلسات المقهى يومياً في منطقة «الكيت كات» الشعبية بحي إمبابة شمال محافظة الجيزة: «قالوا لي حين تعود إلى غزة ستقطع بنا (نشتاق إليك)، فأرد ضاحكاً: وماذا أفعل أضلني هون»، مشيراً إلى أنه بعد الحرب سيترك أسرته ويعود: «أعمَّر البيت ثم يلحقون بي».

اختار «أبو مصباح» هو وأولاده الستة وزوجته، المنطقة الشعبية باقتراح من الزوجة التي سمعت عنها من حكاوي والدتها المصرية، لكن لم تسنح لها الفرصة من قبل لزيارتها. ورغم أن الزوج قلق في البداية من مواجهة صعوبات في الاندماج، لكن سرعان ما تبددت المخاوف، وحلّت الألفة بالمكان وناسه. ولفت أيضاً إلى أن الأسعار في المنطقة جيدة سواء في الإيجارات أو الطعام، وهذا هوّن على أسرته الكبيرة العيش.

أنساب ممتدة

لا يتعجب الكاتب الفلسطيني محسن الخزندار من اندماج وافدي غزة في المجتمع المصري، بل يعدّه من طبائع الأمور. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «بين المصريين والغزيين اختلاط في الأنساب كبير وممتد عبر أجيال، بدأ مع استعانة محمد علي بك الكبير بشبان مصريين أغلبهم من محافظة الشرقية، لحفر ترعة في غزة، وظل بعضهم هناك وتزوجوا وأنجبوا... الأجيال التالية جاءت إلى مصر للزواج من أقاربهم والعكس، ما حوّل العلاقات من جيرة إلى أنساب»، مشيراً إلى أن عائلته نفسها «الخزندار» أصلها مصري.

يتفق معه أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة المصرية - اليابانية الدكتور سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الوجود الغزاوي في مصر «قديم منذ 1948، وثقافة الغزيين تشبه ثقافة الصعيد المصري، فلا توجد حواجز ثقافية تحول دون اندماجهم وسط المصريين، بل هم جزء من النسيج المجتمعي المصري بحكم الجغرافيا والتاريخ، ولهم أقارب، وتعلموا في مصر، وبينهم تجارة مع المصريين، لذلك لا يتجمعون في حي واحد مثل المهاجرين الجدد لمصر؛ كالعراقيين والسوريين».

سيارة أجرة لمصري في منطقة المعادي (جنوب القاهرة) عليها ملصق بالعلم الفلسطيني (الشرق الأوسط)

وأوضح صادق أن «وجود الفلسطينيين قديم، وحربهم قديمة... السودانيون في مصر يعيشون في مناطق خاصة، وأولادهم في مدارس خاصة بهم، أما السوري فوجوده قديم في مصر لكنه صغير، التوافد الحديث جاء مع ثورة سوريا وسط اتهامات بتعاطفهم مع (الإخوان)، ومنافستهم الاقتصادية مع المصريين، ما خلق حملات في شبكات التواصل الاجتماعي ضد وجودهم وتأثيرهم على الهوية المصرية».

وتشكل الجالية السودانية في مصر من المقيمين والمهاجرين الجدد، أكثر من نصف عدد الأجانب في مصر، والذين يصفهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنهم «ضيوف مصر»، وتقدر حكومته عددهم بنحو 9 ملايين شخص، بينهم أكثر من 5 ملايين سوداني.

ويؤكد الناشط الفلسطيني رامي أمان، الذي يقيم في مصر منذ عامين، ويتطوع لمساعدة أبناء القطاع ممن وفدوا بعد الحرب، تلك العلاقة الخاصة بين المصريين والغزيين، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، حتى العائلات التي ليس لها نسب في مصر، فغالباً إما مرّوا منها، أو درس أبناؤهم فيها، أو زاروها ولو للسياحة... هي بالنسبة لنا إجازتنا الصيفية، كنا نأتي دائماً ونحن صغار، زرت القناطر الخيرية، ودرست في جامعة بمصر، وأي غزي يرغب في السفر للخارج يمر أولاً بمصر».

ويعدّ معبر رفح البري المنفذ شبه الوحيد لأهالي القطاع، في ظل الحصار الذي تفرضه إسرائيل، حيث تسيطر أيضاً على المنفذ الآخر «معبر كرم أبو سالم».

ويلفت أستاذ علم الاجتماع المصري إلى بُعد آخر في تعامل المصريين مع الغزيين، يتمثل في «المجازر التي تحدث في القطاع، ومتابعتهم لها عن كثب، ما جعلهم لا يرغبون في التربح منهم، عكس الجاليات الأخرى».

سيدات من غزة شاركن في معرض مصري لمنتجات من صنعهن في أكتوبر الماضي (الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية - فيسبوك)

وقبل 9 شهور، عبرت «أم الخليل» الحدود من غزة إلى مصر، لأول مرة، ينتابها قلق شديد وألم. القلق على مصيرها هي وأطفالها الأربعة وهذه أول مرة تغادر القطاع، ولا أحد لها هنا، والألم جرّاء شظايا كثيرة علقت بجسدها إثر قصف منزل مجاور.

تتذكر «أم الخليل»، التي تسكن الآن مدينة «العاشر من رمضان» في محافظة الشرقية، أن الرحلة «استغرقت 6 ساعات قضيناها في الطريق من سيناء إلى مدينة 6 أكتوبر للعلاج في مستشفى الشيخ زايد، وبمجرد دخولنا المعبر، كان فريق الإغاثة المصري يعاملنا بود شديد، وكذلك الممرضون والأطباء والمرضى في المستشفى».

انتقلت إلى «العاشر» بعدما وفرت لها جمعية فلسطينية الشقة، ورغم أن العمارة كان بها وافدون آخرون من غزة، لكن علاقة الصداقة تعمقت أكثر بينها وبين جيرانها المصريين، حتى تعلمت اللهجة المصرية بطلاقة، وأصبحت تستخدمها بإتقان.

اصطحبت الأم أبناءها يوماً إلى أهرامات الجيزة «الولاد قالولي يا ماما بدنا نشوفها». لم يجد الأطفال صعوبة في الاندماج بمصر، خصوصاً أنها كانت حاضرة في غزة بشكل أو بآخر، مثلاً «طفلها الأصغر حمود (اسم تدليل لمحمد) يشجع الأهلي ويشاهد مبارياته بانتظام»، تقول «أم الخليل».

الطفلة الفلسطينية حبيبة داخل منزلها في القناطر الخيرية (الشرق الأوسط)

أما هدى عبد العزيز، التي جاءت إلى مصر وسكنت في «كومباوند الفردوس» في مدينة «6 أكتوبر»، فيشجع زوجها فريق الإسماعيلي، يقول هو «مصنع اللاعبين... منه يأخذ الأهلي والزمالك المواهب»، تتذكر ذلك ضاحكة، فيما تحكي لـ«الشرق الأوسط» تجربة خروجها من القطاع هي وابنتها وزوجات أبنائها وأحفادها إلى مصر، وتعلق: «ليست غريبة عنا ولا نحن غرباء عنها».

لسنا بحاجة إلى سور

اعتادت هدى عبد العزيز زيارة القاهرة كل فترة، تلتقي أقاربها المصريين، بعضهم يسكن منطقة «رابعة العدوية» في مدينة نصر، وآخرون في حي «العجوزة» بمحافظة الجيزة جنوب القاهرة، أما هي فقد اختارت أن تسكن «الفردوس».

تقول: «سمعت أنه جيد وآمن... لذا فضلت أن نسكن فيه أنا وزوجات أبنائي وأحفادي»، وتضيف: «كان مهم لنا ونحن سيدات وحدنا أن نشعر بسور يحوطنا، في أمان».

مع الوقت، عبَرت السيدة الفلسطينية السور، ذهبت إلى «المقطم» و«الحصري» وغيرهما من الأماكن، «كانوا أماناً أيضاً لا فارق». تتحدث السيدة عن رعاية الجيران من المصريين لها، بل مَن تصادفهم ويعرفون أنها من غزة، متذكرة سيدة مصرية التقت بها عند طبيب، وقالت لها: «مصر فيها كتير من الجنسيات، بس أنتم غير».

الجدة الفلسطينية خلال استقبالها الضيوف في منزلها بالقناطر (الشرق الأوسط)

ويقول الناشط الفلسطيني رامي أمان: «إن الفلسطينيين لم يكونوا بحاجة إلى أن يتمركزوا حول بعضهم، أو يحاولوا استحضار غزة في مصر، وهي موجودة بالفعل في كل مكان، انظري إلى السيارات التي تضع ملصقات بكلمة فلسطين، أو الأعلام الموجودة، القضية حاضرة هنا دائماً».

وتستدرك السيدة الفلسطينية أن مصر أيضاً حاضرة دائماً لدى الغزاوية في القطاع: «ابني درس في الأزهر، والأكل المصري أتعلمه من شيفات مصريات مثل نادية السيد. وتشجيع الكرة المصرية أساسي في القطاع، وقت المباريات الكبرى كانت المقاهي تتكدس بالمتفرجين».

«كأننا بغزة»

لدى «أم الوليد» حيلة أخرى لاستحضار غزة في مصر، بعدما تركت القطاع في مارس (آذار) الماضي، مرافقة - هي وابنتها - لابنة أختها التي جاءت لتلقي العلاج، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مصرية تعرفت علينا في مستشفى الشيخ زايد، ووفرت لنا الشقة التي نمكث فيها حالياً في منطقة حدائق أكتوبر، والمنطقة جديدة، حين أسير لركوب المواصلات أضطر للمشي مسافة، أضحك وأقول لبناتي كأننا في غزة، رايحين لمنطقة الجامع».

بدأت «أم الوليد» في مشروع أشغال يدوية، ورسم أعلام فلسطينية على «ماجّات» للشرب، وبيعها عبر «الإنترنت» أو من خلال معارض تشارك فيها، أو بين شبكة معارفها التي تتوسع مع المصريين. ما زال مشروعها في بدايته، وكذلك مشروع مشابه افتتحته هدى عبد العزيز لعمل مشغولات يدوية، وكلتاهما تأمل أن تتوسع أكثر، وتغطي مصاريف إقامتها في مصر.

ويشير الكاتب الفلسطيني، وهو أيضاً أحد رجال الأعمال في القطاع، محسن الخزندار في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التجارة مفتاح آخر لفهم عمق العلاقات المصرية - الغزاوية، فيستمد التجار المصريون من غزة الزيوت والعطور، ومن مصر يستمد الكثير من الغزيين بضائعهم...مصر شريان حياة لغزة».

ويشير إلى علاقات ممتدة «عبر التاريخ وما قبله، فغزة امتداد لمصر، وخط الدفاع الأول عنها في عصور الفراعنة الذين أقاموا أول نقطة حدودية لهم هناك»، ثم يتقدم بالتاريخ: «في عهد عبد الناصر وما قبله، كل الغزاوية من المفكرين والقادة درسوا في مصر، وإلى الآن تعد ساحة عِلم كبيرة لأهالي القطاع».

وكان السفير الفلسطيني أشار إلى أن في مصر 13 ألف طالب جامعي فلسطيني يدرسون في المعاهد والجامعات المصرية.

فرصة ثانية للتعلم

منحت الحرب في قطاع غزة إبراهيم نعيم (اسم مستعار بناء على طلبه) فرصة ثانية للتعلم، صحيح أنها لم تأتِ به إلى مصر، إذ وفد إليها قبل اندلاعها بشهرين للعلاج دون عائلته، لكنه علِق بعدها هنا، وهم في خيمة نزوح في خان يونس.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حين كان بالقطاع تزوج صغيراً، هو الآن في الـ30 من عمره ولديه 3 أطفال. حين رسب في امتحان الثانوية العامة، ترك التعليم وركز في العمل: «اشتغلت في كل شيء، شيفاً في مطاعم وكهربائياً وعامل رخام».

وخلال إقامته بمصر فكر في أن يمتحن الثانوية العامة مجدداً، وبالفعل خضع للامتحان دون أي عوائق في مدرسة بمدينة الغردقة في محافظة البحر الأحمر، حيث يقيم حالياً ويعمل في مطعم.

مرّ نعيم هذه المرة من الامتحان، ويفكر حالياً في استكمال دراسته بكلية أو معهد، لحين انتهاء الحرب وجمع شمل أسرته مجدداً. يخرج نعيم من الغردقة في إجازته، ويزور العاصمة القاهرة وضواحيها، وتحديداً منطقة «بولاق الدكرور» الشعبية في الجيزة، التي تقطن فيها ابنة عمته المتزوجة من مصري، أو يزور صديق والده في وسط القاهرة المتزوج من مصرية.

وبينما يجمع الغزيون الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» في هذا التقرير، على رغبتهم في العودة إلى القطاع، وتعمير بيوته مجدداً، فإن أحداً منهم لم يشر إلى «الغربة» أو يشكو «الوحشة والقلق».


مقالات ذات صلة

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

المشرق العربي فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

تدفع القيود الإسرائيلية كثيراً من التجار إلى إيجاد أي طرق لتهريب ما يمكن تهريبه، لتعويض السكان في قطاع غزة عما يفقدونه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يستجيبان لبلاغ عن حادث أمني في عسقلان بجنوب إسرائيل - 10 أكتوبر 2023 (رويترز)

مقتل جنديَيْن إسرائيليَيْن في غزة بانفجار عرضي لمسيّرة

قُتل جنديان إسرائيليان في قطاع غزة، الخميس، جراء انفجار عرضي لطائرة مسيّرة إسرائيلية، وفق ما أعلن مسؤول عسكري الجمعة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب بشمال قطاع غزة (رويترز)

بريطانيا تقدم مساعدات بقيمة 88 مليون جنيه إسترليني لقطاع غزة

أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الخميس، عن تقديم حزمة دعم بقيمة 88 مليون ‌جنيه إسترليني لقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت الحرب في السودان تطورات متسارعة على المسارين العسكري والإنساني، مع إعلان الجيش استعادة مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين إلى تشاد، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية محيي الدين سالم في نيويورك، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المدمرة للحرب وخطر امتدادها إلى دول المنطقة.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان مساء الجمعة، إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معها «حررت» مدينة سودري بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أوقعت في صفوفها خسائر في الأرواح والعتاد. ولم تعلق «قوات الدعم السريع» فوراً على إعلان الجيش، فيما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عناصر من الجيش و«القوة المشتركة» يحتفلون داخل المدينة. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مجمل التطورات الميدانية أو حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

لاجئة سودانية من دارفور بجوار خيمة تابعة لمفوضية اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها على طرق تربط مناطق شمال كردفان بغرب الولاية ودارفور، كما أن السيطرة عليها تتيح للجيش توسيع نطاق انتشاره شمالاً وشمال غربي الأبيض، بعد سلسلة من العمليات التي حقق خلالها تقدماً في عدد من البلدات خلال الأسابيع الأخيرة.

وجاء التقدم في سودري بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات. فقد تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الجمعة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وقالت حكومة الولاية ولجنتها الأمنية إن مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية وخدمية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو 20 آخرين.

ووفقاً لشهود، طالت الهجمات شمال ووسط الأبيض، بما في ذلك مركز لإيواء النازحين قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات. ولم يصدر تعليق فوري من «الدعم السريع» على الاتهامات، فيما تداولت منصات مؤيدة لها أنباء قصف المدينة.

وفي الجهة المقابلة من خطوط القتال، اتهم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع «الدعم السريع»، الجيش بتنفيذ ضربة بمسيّرة على المزروب، وقال إنها أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين. ولم يؤكد الجيش تنفيذ الضربة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مصدر المسيّرة أو حصيلة الضحايا.

موجة نزوح جديدة

وتزامنت التطورات العسكرية مع ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين عبر الحدود إلى تشاد. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تصل إلى نحو 20 ضعفاً مقارنة بالمعدل المسجل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ونقلت «رويترز» عن المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الوافدين الجدد تحدثوا عن فرارهم من القتال والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، وأن الموجة الجديدة تأتي خصوصاً من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، فيما يقترب عدد السودانيين الذين لجأوا إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 من مليون شخص.

وتواجه الاستجابة الإنسانية بدورها أزمة تمويل حادة؛ إذ قالت المفوضية إنها حصلت على 18 في المائة فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار تحتاج إليه للاستجابة الإقليمية، ما يهدد قدرتها على توفير الغذاء والمأوى ونقل اللاجئين إلى مناطق أكثر أمناً.

تحركات في نيويورك

وفي نيويورك، كثف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحث مع مسؤولين دوليين وأمميين الحرب والوضع الإنساني ومسارات التسوية السياسية.

والتقى سالم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث الجانبان جهود وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فيما أكد رئيس المفوضية دعم الاتحاد الأفريقي لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

كما أجرى وزير الخارجية مباحثات مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ومسؤولين أمميين معنيين بالملف الإنساني.

وفي أبرز لقاءاته، اجتمع سالم بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب، وفق البيان الرسمي للأمم المتحدة، عن «قلق عميق» إزاء استمرار النزاع وتأثيره المدمر على المدنيين، وحذر من خطر امتداد الحرب بصورة أكبر إلى المنطقة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

وشدد غوتيريش على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والحاجة الملحة إلى وقف الأعمال العدائية والدفع نحو عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

وقالت وكالة السودان للأنباء إن سالم أطلع الأمين العام على تطورات الأوضاع، وأكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وتقديم التسهيلات اللازمة لانسياب المساعدات.

ونقلت «سونا» كذلك عن غوتيريش إعرابه عن الأسف لعدم حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. لكن البيان الرسمي للأمم المتحدة عن اللقاء لم يتطرق إلى قضية التأشيرة، وركز على الحرب والوضع الإنساني ووقف الأعمال العدائية والمسار السياسي.


«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
TT

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متمسكاً بحق بلاده في «الدفاع عن أمنها المائي في ظل الإجراءات الأحادية».

وتأتي كلمة مدبولي بالمنبر الأممي، بعد تصريحات حادة من وزيري الري هاني سويلم والخارجية بدر عبد العاطي، ويراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضمن تصعيد مصري يحمل مطالب واضحة بشأن أزمة السد، متوقعين «عدم إحياء المفاوضات بين البلدين في ظل الأزمات الداخلية الإثيوبية والعناد الإثيوبي».

وأكد الخبراء أن «القاهرة ستواصل شرح رؤيتها التي تكسبها مساحات أفريقية ودولية تدعم مواقفها ولو وصلت لحد الدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، وتقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

وقال مدبولي، في كلمة، مساء الجمعة، أمام المنبر الأممي، إن الأمن المائي لبلاده «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مؤكداً «أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون لا للصراع، وأن الإرادة السياسية وحسن النوايا ضروريان للتكامل بين الأمن المائي والتنمية».

وشدد على عدم معارضة مصر لمساعي التنمية لدى الدول الأخرى، لكنها تدافع عن مبدأ «عادل» يقوم على عدم بناء بعض الأطراف تنميتها على إلحاق الضرر بالآخرين، داعياً إلى التعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقيات ملزمة وفق القانون الدولي تحقق مصالح الجميع، بدلاً من السياسات الأحادية الطرف، وفرض الأمر الواقع.

وأكد مدبولي على «احتفاظ مصر بحقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها».

وخلال مؤتمر صحافي أمام 80 مراسلاً أجنبياً، قبل نحو أسبوع لوزير الري المصري، أكد أن السد الإثيوبي «غير شرعي»، لافتاً إلى أن «كل الخيارات المشروعة تظل متاحه أمام الدولة المصرية»، مشدداً على أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل، ولن تقبل بأوهام التحكم والسيطرة في تدفقات المياه لدولتي المصب».

مصطفى مدبولي أكد أن الأمن المائي لمصر «قضية وجودية لا تحتمل المساومة» (مجلس الوزراء المصري)

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوّح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني يرى أن الموقف المصري بشأن ملف الأمن المائي و«سد النهضة» «شهد تحولاً حازماً خلال الفترة الأخيرة عبر تبنّي لهجة دبلوماسية وإعلامية صريحة كاشفة للسياسات الإثيوبية الأحادية».

وأكد أن كلمة مصر أمام الجمعية العام للأمم المتحدة «كانت حاسمة وصارمة في تأكيد ذلك والتمسك بحقها المشروع والمكفول دولياً للدفاع عن أمنها المائي بكل الطرق والوسائل المتاحة، سواء عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية، أو أدوات القوة الشاملة الأخرى بمفهومها الواسع في العلاقات الدولية».

وتشير الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني، إلى أن كلمة رئيس مجلس الوزراء «حملت رسائل حاسمة تؤكد على الموقف المصري الثابت والرافض لسياسة فرض الأمر الواقع الإثيوبية بشأن (سد النهضة)»، مشددة على أن حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي «هو حق وجودي لا يقبل المساومة».

ولفتت إلى أن تصاعد اللهجة المصرية في المحافل الدولية «يعكس موقفاً حازماً ومبدئياً يفند الخطاب العدواني الإثيوبي المحاول للسيطرة على مياه النيل الأزرق»، ويؤكد أن «المخاوف المصرية والسودانية هي مواقف حقيقية وليست ادعاءات».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعلى مدار نحو شهرين، وجهت مصر رسائلها لإثيوبيا، مقابل تصعيد من جانب أديس أبابا في منابرها الإعلامية ضد القاهرة، ووسط هذا التراشق أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين.

ويعتقد قرني أن «استمرار الوضع الراهن، هو السيناريو الأرجح مرحلياً مع استمرار تجديد مصر موقفها الثابت بعدم معارضة التنمية في إثيوبيا، شريطة الالتزام التام بقواعد القانون الدولي، والمواثيق التاريخية، والأطر التفاوضية المعتمدة».

ويرجع «عدم إمكانية إحياء المفاوضات بين مصر وإثيوبيا في ظل ما وصفه بتمسك أديس أبابا بالنهج الأحادي والخطاب العدائي، وكذلك مع تجدد الصراعات المسلحة في أقاليم أمهرة، وتيغراي، والعفر؛ ما يجعل ترتيب البيت الداخلي أولوية لدى صانع القرار الإثيوبي، وانشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وغزة والحرب الروسية الأوكراني».

وتشير الحسيني إلى أن «مصر ستتبع في ظل عدم التجاوب الإثيوبي منهجاً سلمياً وقانونياً عبر التوجه للمؤسسات الدولية كمجلس الأمن، وتعزيز التعاون المباشر مع دول حوض النيل؛ ما يسهم على المدى الطويل في كسب تفهم المجتمع الدولي لمطالبها المشروعة أو اتخاذ ما يناسب للدفاع عن حقها في حماية الأمن المائي».


مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد، بعد عودة المعارك قبل نحو أسبوع بين الجبهة المعارضة والحكومة الفيدرالية، غداة 4 سنوات من اتفاق سلام أنهى عامين من الحرب.

وتحدث رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، عن أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».

كما أكد في تصريحات نقلها إعلام إثيوبي، مساء الجمعة، أن إريتريا، تعمل كوسيط بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، مشيراً إلى أن جبهة تيغراي وإريتريا لا تستطيعان مواجهة الحكومة الفيدرالية بشكل مستقل.

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك قبل أيام، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

من جهته، قال المصدر المصري المطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

وأشار المصدر إلى أن أزمة تيغراي «موضوع قديم ومكرر منذ سنوات، ولا يوجد أي داعٍ لإقحام اسم مصر فيه أو ربطها به»، مؤكدا أن مصر «تتتبع سياسة ثابتة وصارمة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول» الأخرى.

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم من الحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ما يؤكده المصدر المطلع، في إطار المعلومات، يؤكده الخبير الاستراتيجي والعسكري سمير راغب، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤول العسكري والتي زجّت باسم مصر في ملف الصراع المسلح الداخلي مع جبهة تحرير تيغراي، لا تعدو كونها جملة شرطية حمَّالة أوجه وافتراضات مجردة تهدف إلى ترحيل أزمات أديس أبابا الداخلية إلى أطراف خارجية.

وأوضح راغب أن حديث الجانب الإثيوبي عن اشتراط تلقي المعارضة المسلحة دعماً خارجياً لتحقيق مكاسب ميدانية، بُني على افتراضات جغرافية مجردة نظراً إلى كون الحدود الشمالية المفتوحة لإقليم تيغراي تقع باتجاه السودان وإريتريا.

وبالنسبة إلى مصر، شدد راغب على أنه «لو كانت مصر تسعى للتدخل في إثيوبيا للضغط في ملفات أخرى لكانت تدخلت في أثناء مواجهات عام 2020 حينما كان الصراع في أوجّه وقبل اكتمال مراحل بناء سد النهضة».

ولفت إلى أن الصراع المسلح القائم «هو احتراب أهلي وصراع سلطة وثروة قديم ناتج عن سوء إدارة الحكم ومحاولات تقويض النظام الفيدرالي وتحويل الدولة إلى نظام مركزي يُلغي حق تقرير المصير للأقاليم، وهو ما رفضته الأقاليم الإثيوبية وخاضت من أجله مواجهات ضد حكومة أديس أبابا دون أي تحريض أو طرف خارجي».

جانب من الأسلحة التي سلمتها في وقت سابق تيغراي لقوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ودعا الخبير العسكري إلى فصل أزمة إقليم تيغراي عن ملف «سد النهضة»، موضحاً أن «الإقليم والجبهة المعارضة فيه يبعدان كل البعد جغرافياً وسياسياً عن موقع سد النهضة الإثيوبي، ولا يوجد أي رابط ميداني أو استراتيجي بين العمليات العسكرية في الإقليم وبين ملف السد».

وخلص إلى التأكيد أن «محاولات أديس أبابا إقحام القاهرة في أزماتها الهيكلية تأتي للتغطية على عدم الالتزام» باستحقاقات اتفاق بريتوريا للسلام الموقَّع عام 2022، مشدداً على أن القاهرة «تقف على مسافة واحدة من استقرار دول الجوار كافة ولا تدعم أي فصائل أو تحركات مسلحة ضد أي دولة أفريقية».

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.