د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

عن الصين وأميركا والنظام العالمي الجديد

استمع إلى المقالة

بعد سنة من لقائهما في مدينة بالي الإندونيسية، التقى مرة أخرى الرئيس الأميركي جو بايدن، نظيره الصيني شي جينبينغ، في مدينة سان فرنسيسكو الأميركية؛ ويأتي هذا اللقاء على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) التي عُقدت في ولاية كاليفورنيا الأميركية المطلة على المحيط الهادئ.

هذا اللقاء هو من الأهمية بمكان لقياس درجة حرارة العلاقات بين البلدين، ومن خلالها درجة حرارة النظام العالمي المقبل؛ فالرئيسان لم يلتقيا ولم يتحدثا منذ أن أسقطت الولايات المتحدة منطاداً صينياً لغرض التجسس في فبراير (شباط) هذا العام فوق الأجواء الأميركية؛ كما يأتي هذا اللقاء على هامش حرب تجارية واقتصادية ضروس بين البلدين للتموقع الاستراتيجي على قمة النظام العالمي؛ كما يأتي هذا اللقاء في ظل قضية تايوان الحساسة، إذ تطالب بكين بالسيادة على الجزيرة التي تعيش في إطار حكم ذاتي؛ كما أن هذا اللقاء فرصة لرفع درجة الثقة تجعل الصين تقبل إعادة الخط العسكري الساخن بين القوتين بعد أن قطعت أوصاله الصين في سنة 2022 عندما زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي حينذاك نانسي بيلوسي، تايوان...

ويفهم الرئيسان الأميركي والصيني جيداً أن طبيعة العلاقات الدولية قد تغيَّرت بالكامل، والخاسر في البيئة الدولية المعقدة هو الذي يكتفي بقراءة الخرائط التقليدية للجيوبوليتيك، ويظن أن ما يجري يدخل في إطار الصراعات الكلاسيكية للإقرار بأنها حبيسة المنطق الترابي أو السياسي أو الاستراتيجي؛ في حين أن ما يجري هنا وهناك يجعل العالم متحركاً، وقواعده متخطية حدود الدولة – السيادة، وفي تنظيم مستمر يؤطِّره فاعلون كثرٌ لا يمكن تعدادهم ولا إيقافهم.

وإذا كانت الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأولى في العالم إنْ لم نَقُلْ الوحيدة التي يمكن أن تنشر جنوداً لها في مناطق مختلفة من العالم، فإن القوة العسكرية لم تعد العامل المحدد في إطار النظام العالمي الجديد، كما كان ذلك في فترة الحرب الباردة، لأنه في ظل العولمة ومحددات الفترة الراهنة، فإن هاته القوة لا يمكنها تحقيق الأهداف التقليدية التي كانت تحكم الصراعات القديمة، فبدأنا نشاهد مظاهر شتى لوهن الدول القوية ومظاهر أخرى لقوة الدول الضعيفة على الساحة الدولية؛ هذا الوهن الجديد الذي بدأ يسم قوى الدول العالمية مردُّه إلى الأزمات المتتالية التي تعرفها محددات هذا النظام الجديد المطبوع باللايقين والغموض والتوجس في عالم غير منظم.

كما أننا انتقلنا من مبدأ السيادة إلى صور متعددة من الارتباط والاعتماد المتبادل بين الدول، ومن قاعدة سمو القوة العسكرية إلى قدرة الدول الضعيفة أو الصاعدة (اقتصادياً) على زعزعة النظام العالمي القديم، ومن الترابية إلى مسألة «الحراك» و«التحرك» الدائمين، ومن القراءة الكلوزفيتزية للحرب المبنيّة على صراع الدول، إلى نوع من الصراع قائم على تفكك المجتمعات الداخلية، وبمعنى دقيق فإننا أمام انهيار النظام الفيستفالي الذي بُني ابتداءً من سنة 1648.

إن أميركا تعي أن الصين تفهم هاته القواعد الجديدة، والصين تعي أن أميركا تتخوف من هاته القواعد الجديدة؛ كما أن الصين واثقة بأن ما تقوم به هو الصحيح وأنها بنت لنفسها طريقاً تمكّنها من التموقع الجيد في النظام العالمي الجديد ومن عمليات المراوغة اللبقة وقواعد الحذر والرصانة دون تهييج ولا ضجيج ودون أي رغبة في الهيمنة على الآخر كيفما كان نوعه... ودولة الصين استطاعت فهم العولمة والارتماء في مبانيها بذكاء ونجاح؛ فالدولة ليست بدولة ذات طابع «دعوي» ترتكز على تصدير النموذج الفكري والمجتمعي والثقافي والاقتصادي والسياسي التي تمتلكه كما فعلت وتفعل الدول الغربية كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا؛ فهاته الأخيرة، ويساعدها في ذلك منظِّرون وأكاديميون كثر، تظن أن دول العالم لا يمكنها أن تصل إلى بر الأمان إلا من خلال تطبيق نموذجها بالكامل وإلا ستبقى خارج التاريخ...

إن الصين كانت ولا تزال دولة تعمل بهدوء ودون إثارة المشكلات، وتمؤسس لقاعدة مفادها أنها دولة لا تتدخل في النموذج الحضاري والاقتصادي والسياسي للدول الأخرى، وأن أي نجاح اقتصادي تحققه دولة، لا يعني ضرورة فشل الآخر أو حمله على الفشل في إطار ثنائية «صديق - عدو» وإنما في إطار «رابح - رابح» win - win... لهذا عندما يشدد الرئيس بايدن خلال هاته الزيارة على أنه ما زال يعد شي «ديكتاتوراً»، مكرِّراً بذلك مصطلحاً يقوله سراً وعلناً رؤساء دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، فإنه يُعيد تصوراً وفكراً تبنيه أميركا ويبنيه الغرب عن دول لا تنتمي إلى جغرافيتهم الآيديولوجية؛ وهذا الكلام اعتاد سماعه النظام الصيني ولم يعد يبالي به، كما أن ذلك يعبر عن استمرار اللافهم الدائم عند الغرب لما يجري في بيئات غير غربية مثل الصين؛ ولا أدل على ذلك من استدراك الرئيس الأميركي كلامه بالقول إنه ديكتاتور بمعنى أنه رجل «يدير دولة، دولة شيوعية، تقوم على نظام حكم يختلف تماماً عن نظامنا».

هذا الكلام لن يسمعه الرئيس الصيني في أكثر من ثلثي دول العالم التي يتعامل معها اليوم مثل الدول الأفريقية، التي بدأت تتخلى تدريجياً عن المستعمرات القديمة وعن الدول الغربية مجتمعةً لترتمي في علاقات تجارية جديدة مع دول مثل الصين وروسيا وغيرها؛ وهاته الدول لم تعد تستسيغ فرض تسيير العالم حسب قواعد، وفي بعض الأحيان، حسب أهواء القوى العالمية الغربية؛ فذلك لم يعد ممكناً؛ فالنظام الغربي في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لم يعد له نفس الجاذبية ونفس القدرة على التصدير الجاهز؛ كما أن الصين والهند مثلاً تحتاجان وحدهما إلى الفهم العميق لنظامهما الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي من طرف الدول الغربية؛ وهما تنجحان اليوم وباستمرار في التأثير على نظام عالمي بشكل مريح ومغرٍ.