د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

زلات لسان الزعيم!

استمع إلى المقالة

إذا كتبت عبارة «زلة لسان بايدن» على محرك البحث الشهير «غوغل»، لظهرت لك عشرات الآلاف من النتائج؛ إذ إن الرئيس الأميركي لا يفوّت شهراً واحداً من دون زلة أو هفوة منذ وصل إلى سدة الرئاسة.

يقول بعض مؤيدي الرئيس الأميركي إنه يبلغ من العمر 81 سنة، ويرجحون إصابته ببعض الأمراض التي تؤثر في الذاكرة، فتجعله ينسى الأسماء، أو يخلط بينها، لكن كل هذا لم يمنع بايدن من الاستمرار في تقلد منصبه على رأس أقوى دولة في العالم، بل لم يمنعه أيضاً من إعلان رغبته في الترشح لولاية جديدة تبدأ في عام 2024، وتنتهي عندما يكون في الـ86 من عمره.

وفي الأسبوع الماضي، كان جديد زلات لسان الرئيس بايدن أنه أفشى أسراراً عسكرية حساسة وخطيرة، أثناء مقابلة تلفزيونية، وقبلها مباشرة تحدث عن ضرورة عدم السماح بفوز الرئيس أوباما في الانتخابات مرة أخرى! بينما كان يقصد بطبيعة الحال سلفه دونالد ترمب.

تحول بايدن إلى آلة لإنتاج زلات اللسان والهفوات بشكل مستديم؛ ومن ذلك أنه كان يتحدث في حرم إحدى الجامعات الأميركية، عندما أنهى خطابه بعبارة «حفظ الله الملكة»؛ وهي عبارة اعتاد الخطباء البريطانيون، على مدى العقود السبعة الأخيرة، اختتام خطاباتهم بها، قاصدين الملكة الراحلة إليزابيث الثانية. وأمام «البرلمان» الكندي، حيّا بايدن الصين بدلاً من كندا، في مارس (آذار) الماضي، وأخيراً حذّر روسيا، في كلمة ألقاها، من استمرار «هجومها غير الإنساني ضد روسيا»!

والغريب أن هذا الأمر يحدث في الولايات المتحدة الأميركية، التي نفترض توافرها على أفضل الخبرات، واعتمادها أكثر المعايير تقدماً في مجال الاتصال السياسي. والغريب أيضاً أن حزب الرئيس، والعاملين في إدارته، والقائمين على تنظيم أنشطته الاتصالية، لم يدركوا بعد أنه فقد جزءاً كبيراً من اعتباره، وشعبيته، وثقة الناس في قدراته، بسبب هذه الهفوات والزلات.

والواقع أن امتلاك القادة والزعماء قدرات اتصال رفيعة أضحى من المقومات الضرورية للتصدي لاحتلال مثل تلك المناصب، لكن عديداً من الزعماء يحولون أنشطتهم الاتصالية إلى مشكلات وأزمات عندما لا يهتمون بالتدريب والإعداد الجيدين لخطاباتهم وتواصلهم مع الجمهور. فالخطابة ليست نشاطاً إنشائياً لا هدف محدداً له، إذ يُعرّفها أرسطو مثلاً بأنها «قدرة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور»، ويصفها ابن رشد بأنها «القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل»، وفي التعريفين تعيين مُحكم لجدوى الاتصال، وبيان ناصع لمهمته.

والهدف من الحديث العمومي الذي يقوم به القادة، على عكس ما يفهم البعض، ليس سوى «خلق المطاوعة». أي أن الرئيس أو الزعيم، في أي بلد، يريد أن «يخلق مطاوعة» لدى قطاعات من المستهدفين بالاتصال. و«خلق المطاوعة» لا يعني الحصول على التأييد المطلق من الجميع، ولكنه عملية معقدة تهدف إلى زيادة طاقة التأييد لدى المحبين، ونقل المحايدين إلى موقع المساندين، وتقليل ذرائع المعارضين، وسلب الكائدين والأعداء الوسائل التي تمكنهم من النيل من القائد ومنظومة عمله.

لذلك، فإن ارتكاب الزلات، والنسيان، والتصريح بالمعلومات المُصنفة سرية، والإفراط غير المُسوغ في الحديث العمومي، واستخدام اللغة البذيئة والحادة، وغيرها من جوانب الخلل الخطابي، تكون لها تكلفة عالية، وتؤثر سلباً في صورة الزعيم وشعبيته، بل وفي صورة الدولة وسمعتها.

ولهذه الأسباب مجتمعة، أضحى «الخطاب إلى العموم» فرعاً من العلم، تصدر بشأنه الأبحاث والكتب والتحليلات، وموضوعاً للتدريب، الذي يحرص عليه عديد القادة والزعماء، ولا يستهينون بأثره، ولا يرتجلون إلا فيما ندر، ولا يصمون آذانهم حين تأتيهم الانتقادات والتحذيرات بشأن تورطهم في أخطاء اتصالية أثناء مخاطبتهم للعموم.

وفي مقابل هذا الاهتمام الذي تبديه قطاعات الاتصال السياسي النابهة في دول عديدة متقدمة ونامية، فإن البعض يرى أنه من الأفضل أن يُعوّل القائد على تلقائيته وفطرته في مخاطبة الجمهور ووسائل الإعلام، باعتبار أن ذلك يُظهر صدقه، وبالتالي يُسهّل قدرته على الإقناع.

وربما يكون ذلك صحيحاً مع قلة من القادة الموهوبين، أو بالنسبة إلى قطاعات الجمهور الموالية والمُحبة، لكن ماذا عن هؤلاء المحايدين، أو الكارهين والناقدين والمشككين، أو المتربصين والمتصيدين؟

لا يجب أن تكون التلقائية والعفوية سلاحاً يستخدمه أحد ضد القائد، ولا يجب أن يخاطب زعيم جماعته أو معجبيه فقط؛ بل عليه أن يصوغ خطابه بالشكل الذي يلبي استحقاقات البيئة الاتصالية المعاصرة، ويحقق له أكبر قدر من التأثير والإقناع، ويُقلل قدرات نقاده على استهدافه والنيل منه.