من المغري أن ننظر إلى استقالة بوريس جونسون المفاجئة من البرلمان البريطاني، مساء الجمعة، على أنها مجرد تطور آخر في مسيرته المهنية، وتراجع تكتيكي أكثر من كونها حفل تأبين لمسيرته السياسية.
وقد كانت اللغة التي استخدمها جونسون في بيانه، المؤلف من 1035 كلمة، متحدية ومعبرة عن تعرضه للمظالم، وتخللها تذكير بالفوز الانتخابي الساحق الذي قدمه لحزب المحافظين قبل أقل من 4 سنوات، كما أنها تضمنت احتمالاً بأنه يتمكن من القيام بذلك مرة أخرى في المستقبل.
وكما فعل في كثير من المناسبات الأخرى، فقد بدا أن جونسون كان يتخذ الطريق نفسها لبطله السياسي ونستون تشرشل، زعيم بريطانيا في زمن الحرب الذي أطيح به من السلطة في عام 1945، ليعود منتصراً إلى «داونينغ ستريت» بعد 6 سنوات.
ولكن هذه المرة، يعرب المحللون السياسيون عن شكوكهم بشأن احتمالية عودة جونسون على طريقة تشرشل. فبالنظر إلى أنه يحظى بقليل من الدعم الذي لا يتجاوز مجموعة من أنصار «بريكست» المتشددين في البرلمان، فضلاً عن الجمهور البريطاني الذي سئم من تصرفاته، فإن هؤلاء المحللين يقولون إنه لا توجد أمامه طريق منطقية للعودة إلى السلطة.
ويقول تيم بيل، وهو أستاذ السياسة في جامعة «كوين ماري» بلندن: «لا يوجد دعم في البلاد لجونسون مثل الدعم الذي يحظى به دونالد ترمب في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فمهما يكن عدد الناخبين الذين سيدعمونه، فسيكون أقل بكثير».
وأضاف بيل أنه علاوة على ذلك، فالنظام البرلماني البريطاني نفسه يجعل أي عودة على غرار عودة ترمب أكثر صعوبة، إذ إنه سيكون لرئيس الوزراء الحالي ريشي سوناك وقادة حزب المحافظين رأي فيما إذا كان بإمكان جونسون الترشح لمقعد آخر في مجلس العموم، من بين أمور أخرى.
وتابع: «في النهاية، لا يوجد سياسي أكبر من حزبه، والأغلبية الساحقة من نواب حزب المحافظين ترغب في مغادرة جونسون».
ولكن هذا لا يعني أن بيل والخبراء الآخرين قد شطبوا فرص جونسون بشكل كامل، فقد نجا رئيس الوزراء البريطاني السابق (58 عاماً)، من كثير من الهزائم والنكسات، بحيث سيكون من التهور افتراض أنه ليس لديه مستقبل، وقد كانت الخطوط العريضة لخطة عودته واضحة في بيان استقالته الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة.
وقام جونسون في بيانه هذا بانتقاد سوناك، الحليف الذي تحول إلى منافس، والذي أدت استقالته من منصب وزير الخزانة الصيف الماضي إلى سقوط جونسون من السلطة، قائلاً إن سوناك تخلى عن الأهداف الطموحة التي حددتها حكومته السابقة، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة الشاملة مع الولايات المتحدة. واختتم حديثه قائلاً: «حزبنا بحاجة ماسة إلى استعادة إحساسه بالزخم، وإيمانه بما يمكن أن يفعله هذا البلد».
ومع تقدم حزب العمال المعارض بشكل ثابت في استطلاعات الرأي على المحافظين، فإن سوناك سيواجه معركة شاقة في الانتخابات المقبلة، والتي يجب أن يدعو لإجرائها بحلول يناير (كانون الثاني) 2025.
وعلى الرغم من أنه قد نُسب له الفضل في الحفاظ على استقرار الدولة، بعد الضرر الذي لحق بالاقتصاد البريطاني من خلال سياسات التخفيض الضريبي التي تبنتها رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس، أثناء ولايتها التي استمرت لمدة 44 يوماً فقط، فإنه يواجه الآن تضخماً عنيداً وشبح ركود.
وبعد ما يقرب من 14 عاماً في السلطة، فإنه يبدو أن المحافظين قد باتوا حزباً بلا أفكار، وليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان الحزب سيظل مؤيداً لسوناك بوصفه زعيماً في حال هُزِم في الانتخابات العامة المقبلة. ويقول بيل إن استراتيجية جونسون ربما تكون محاولة الحصول على مقعد آخر في البرلمان، إما قبل أو بعد فترة وجيزة من تلك الانتخابات، ثم إقناع حزبه المهزوم باللجوء إليه باعتباره منقذاً.
ولكن هناك محللين يقولون إن مشكلة هذه الخطة هي أن الناخبين البريطانيين سئموا من طرق جونسون لخرق القواعد، ففي حين أنه ما زال يحتفظ بتأييد بعض المحافظين العاديين، فإن جمهور الناخبين الأوسع انقلب عليه منذ تعرضه لسلسلة من الفضائح التي أجبرته على مغادرة منصبه، بما في ذلك الحفلة التي أدت إلى كسر قواعد الإغلاق في ذروة وباء الفيروس التاجي.
ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤخراً شركة أبحاث السوق «سافانتا»، فإن 5 في المائة فقط من ناخبي حزب العمال أو الحزب الليبرالي الديمقراطي، يفضلون عودة جونسون إلى «داونينغ ستريت»، ولكن هذه الأرقام تضر به بشكل خاص؛ لأنه بنى فوز حزبه في عام 2019 من خلال جذب ناخبي حزب العمال المحبطين في ميدلاندز والشمال الصناعي.
وعلى المدى القصير، كان جونسون سيواجه احتمال فقدان مقعده، بعد إصدار تقرير دامغ من قبل لجنة مجلس العموم، حول ما إذا كان قد كذب على زملائه بشأن حضور التجمعات أثناء الوباء. وتخطط اللجنة التي سلمت نسخة سرية من نتائجها إلى جونسون الأسبوع الماضي، لنشر التقرير علانية الاثنين المقبل، ومن بين توصياتها المتوقعة تعليق جونسون من البرلمان لمدة 10 أيام على الأقل، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى إجراء انتخابات فرعية في دائرته الانتخابية، والتي ستجرى الآن من دون جونسون.
ولا يزال بإمكان رئيس الوزراء البريطاني السابق محاولة الترشح لمقعد في دائرة أكثر ودية، مثل دائرة نادين دوريس، الموالية له التي أعلنت، قبل ساعات فقط من استقالته يوم الجمعة، أنها لن تخوض الانتخابات المقبلة، كما يوجد أيضاً مقعد مفتوح في هينلي، والذي كان ممثلاً عنها من قبل.
ولكن يتعين على سوناك وقيادة حزب المحافظين الموافقة على ترشيح جونسون أولاً. ويقول محللون إنه من الصعب رؤيتهم يفعلون ذلك، بالنظر إلى الصداع الذي تسبب فيه للحكومة.
وبالنظر إلى كل ذلك، فإنه يمكن اعتبار خروج جونسون ليلة الجمعة وسيلة لتشكيل الرأي العام، قبل صدور تقرير لجنة مجلس العموم التي كان قد انتقدها قائلاً إن «هدفها منذ البداية هو إدانتي، بغض النظر عن الحقائق، وهذا هو بالضبط تعريف محاكم الكنغر (محكمة قضائية تتجاهل القوانين المعترف بها ومبادئ العدالة بشكل صارخ)».
وكان رد فعل جونسون شبيهاً برد ترمب الذي كثيراً ما يُقارن به، والذي يواجه الآن تداعيات فضائحه الخاصة أيضاً، وقد جاء خروج الأول من البرلمان بعد أقل من 24 ساعة من توجيه المدعين الفيدراليين في واشنطن اتهامات إلى الثاني بعرقلة العدالة، في تعامله مع الوثائق السرية.
ولكن المحللين يقولون إن التشابه بينهما له حدود، فعلى الرغم من أن مشكلات ترمب القانونية أكبر بكثير من مشكلات جونسون، فإنه لا يزال المرشح الأول للحزب الجمهوري للرئاسة لعام 2024، ولكن جونسون ليس لديه قاعدة مماثلة من الدعم السياسي.
ويقول جوناثان باول الذي شغل منصب كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير: «جونسون وترمب لديهما احتياج نفسي لامتصاص كل الأكسجين الموجود في الغرفة، ولكن مشكلة الأول هي أنه لا يحظى بالصدى نفسه الذي يتمتع به الأخير لدى الناخبين».
* خدمة «نيويورك تايمز»
