باميلا بول
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

نيكي هالي والسباق الرئاسي الأميركي

من المدهش أن بعض الناس لا يزالون ينظرون إلى نيكي هالي بوصفها أحد أعضاء طاقم ترمب «الجيدين»، وبأنها تمثل مستقبل حزب جمهور أكثر تسامحاً وقبولاً. شأن أولئك المناهضين لترمب الذين فسروا كل نقرة من معصم ميلانيا على أنها بداية تمرد، يريد الطامحون في نيكي هالي أن يصدقوا أن ضمير أحد أعضاء فريق ترمب من الكذابين قد يستيقظ، وأن أحدث عرض لقصص نجاح المهاجرين الذي قدمه الحزب الجمهوري يمكن أن يؤدي، بطريقة ما، إلى التراجع عن سنوات من كراهية الأجانب.
قد تصدق ذلك إن استمعت إلى نصف ما قالته هالي، لكن إذا استمعت إلى خطابها كاملاً، فستدرك أنها تريد الاستيلاء على القاعدة الشعبية التي تتوق إلى ترمب، واحتلال أرضية ما بعد ترمب؛ فهي تريد الترويج لشهادة خدمتها في الديوان الرئاسي (كانت سفيرة ترمب لدى الأمم المتحدة) وتروج أنها تركت منصبها من تلقاء نفسها، وتريد انتقاد هَوَس الأميركيين بسياسة الهوية لتسلط الضوء على هويتها هي بوصفها شخصاً مؤهلاً مهماً.
هناك كثير من الأسباب التي تدعو للتعامل مع هالي بحذر: أسلوبها الصبياني في الانتقام، وفيديو إعلان حملتها الرئاسية الذي حمل عنوان «لقد رأيت الشر»، الذي بدت فيه وكأنها تتحدث في اجتماع لمجلس آباء طلاب مدرسة. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق إصرارها القوي على تناول الكعكة دون دفع ثمنها، أو تكبد عناء صنعها.
ألقِ نظرة على سجلها غير المريح، لتجد نيكي بعد أن غيرت علامتها التجارية لتصبح نيكي هالي الجمهورية، التي ذكرت في تصريح لصحيفة «بوليتيكو» الألمانية أنها انزعجت من مذبحة 2015 التي راح ضحيتها 9 أشخاص داخل «كنيسة إيمانويل الأفريقية الميثودية الأسقفية في تشارلستون»، وأنها شعرت بالاشمئزاز من ترشيح دونالد ترمب للرئاسة عام 2016، وأنها «تقززت» من معاملة ترمب لمايك بنس. هناك أيضاً هالي الجمهورية ذات الدم الأحمر، التي ذكرت في مقابلات سابقة مع الصحيفة ذاتها (2021)، وهي «تبحلق» بعينيها مستنكرة إمكانية عزل ترمب، وتذكر بحرارة ترمب «الصديق»، وتشير إليه بوصفه «صاحب أفعال الخير».
اعتادت هالي على ذلك التناقض الداخلي، بعد أن تم استدعاؤها من ولاية كارولينا الجنوبية لتكون سفيرة ترمب لدى الأمم المتحدة، وهو المنصب الذي قيل إن ترمب اختاره لها بعد أن أزاحها عن منصب حاكم الولاية. وبعد وقت قصير من وصول السفيرة الجديدة إلى نيويورك، في عام 2017، حضرت اجتماع مجلس العلاقات الخارجية، وهو حدث حضرته شخصياً، وما زلت أذكره جيداً. حتى أعضاء المجلس، وهي مجموعة غير حزبية اعتادت استضافة كبار الشخصيات، سواء كانت تربطهم بهم علاقات ودية أو غير ودية، تعاملوا معها بحذر، تحسباً لأول عضو في مجلس الوزراء يأتي من إدارة ترمب.
ورغم أنها معروف عنها الفطنة السياسية وسرعة البديهة، فقد بدت هالي عاجزة تماماً عن قراءة ما يدور في الغرفة، وهو ما اتضح من قولها: «هذا حشد مخيف. عليَّ أن أعترف». وعلى النقيض من هدوئها؛ فقد بدت غير مستعدة للعب دور في التعامل مع التعقيدات الملحَّة في روسيا، وإيران، والصين، وكوريا الشمالية. لكنها تداركت الأمر بسرد مواقف طريفة عن كيفية تكيف أفراد الأسرة مع الحياة في مدينة كبيرة. وبعد ذلك، أجابت عن أسئلة رئيس المجلس، ريتشارد هاس، لكنها كانت دائماً ما تقحم الضحكات لتتهرب من الإجابة قائلة: «يبدو كما لو كنت تريدني أن أجيب بطريقة معينة. لقد كانت الطريقة التي صغت بها السؤال مضحكة».
وكما هي عادتها، تحدثت هالي عن نفسها ومن أين أتت قائلة: «جئتُ من ساوث كارولينا، كنتُ أول حاكم للأقلية، وكانت صدمة حقيقية للولاية أنني كنت أول سيدة تحكم الولاية أيضاً». الغريب أن حمرة الخجل هذه كانت على وجه سيدة من المفترض أنها مسؤول كبير في الإدارة الأميركية. لكن تلك الهيئة تناسبت مع هالي بوصفها نموذجاً لا يرمز لشيء سوى تمكين المرأة.
وعلى المنوال ذاته، اختارت هالي عنوان خطاب حملتها الانتخابية: «عندما تركل للخلف... ستؤلمهم الركلة إن كنتَ ترتدي حذاءً بكعب عالٍ»، وهي العبارة التي اقتبستها من كتيب «ميلينيا - إيفانكا - كيليان». وفي كتاب هالي الذي صدر عام 2022 بعنوان: «إذا كنتَ تريد القيام بشيء ما... فإليك دروس القيادة من النساء الجريئات»، تابعت على غلافه تقول: «عندما يحاول الناس توجيهها بما يمكنها وما لا يمكنها فعله، فإن استراتيجيتها هي الدفع بقوة أكبر: (حياتك... الحياة التي تريدها... تستحق القتال من أجلها)».
طوال حياتها المهنية، كثيراً ما استمتعت هالي بتصوير نفسها باعتبارها المستضعف والغريب المستعد للوقوف في وجه حزبها. لكن فضح العنصرية في الحزب الجمهوري لا يعني مواجهة المشكلة وجهاً لوجه، كما أنها لم تخاطر بذلك إلا في حالات نادرة؛ ففي عام 2015، دعت هالي إلى إزالة العلم الكونفدرالي من على مبنى «الكابيتول» بالولاية، إثر احتجاجات شعبية أثارها القوميون البيض، عقب مقتل شخص أبيض على يد آخر من أصول أفريقية. ووصف مقطع فيديو عُرض مؤخراً على شاشة «سي إن إن» في عام 2010 أن هذه اللحظة لم تكن لحظة شجاعة بقدر ما كانت لحظة منفعة سياسية. في ذلك المقطع المصور، دافعت هالي عن العلم الكونفدرالي وعن الاحتفال بتاريخ الكونفدرالية. ولدى سؤالها عن ردها على المعترضين، أجابت: «سأتحدث معهم عن تراثنا، وأن هذا ليس شيئاً عنصرياً، وكررت هذا الدفاع مرة أخرى في عام 2019، في مقابلة مع جلين بيك وصفت فيها العلم (الذي أزالته) بأنه رمز «الخدمة والتضحية والتراث».
وبالمنطق الحاذق نفسه، أكدت هالي شبابها في سن الحادية والخمسين بوصفه «جيل القيادة الجديد»، وأشارت فيه إلى هويتها كامرأة، وإلى تراثها الهندي باعتبارها ابنة لمهاجرين هنديين، وفي الوقت ذاته، دأبت على إدانة سياسة الهوية. وفي حملتها الأخيرة بجنوب كارولينا، قالت: «لا أومن بذلك»، قبل أن تختتم بعبارة «بعدما شرعت في هذه الرحلة الجديدة، فسأقولها ببساطة: (أتمنى أن تفوز أفضل امرأة)».
وفقاً لاستطلاع حديث للرأي، فإن هالي متقدمة بنقطة واحدة على بنس، وقد اجتذب نحو 5 في المائة من الناخبين الجمهوريين. في ظل جميع الاحتمالات، سينتهي الأمر بأن تدفع بسارة بالين إلى قائمة مرشحي نائب الرئيس. لكن مع فوزها في ولاية ساوث كارولينا، أثبتت هالي في وقت سابق أن غير المؤمنين بها كانوا على خطأ. ربما تأمل هالي هذه المرة أن ننظر إلى سجلها المراوغ على أنه نهج وسطي، وأن سجلها من النفاق يمكن أن يُفهم باعتباره اعتدالاً. على الناخبين أن يقرروا، عند الاختيار بينها وبين هؤلاء المرشحين الجمهوريين الآيديولوجيين في جوهرهم، ما إذا كانوا يفضلون مرشحاً ليس له جوهر على الإطلاق.
* خدمة «نيويورك تايمز»