حلت مؤخرا الذكرى العاشرة لهجمات السابع من يوليو (تموز) في لندن، حيث سقط 52 شخصا قتلى عندما فجر أربعة انتحاريين أجهزة ناسفة في قطارات الأنفاق والحافلات. وعمت مظاهر الاحتفاء بالذكرى أنحاء بريطانيا تكريما للضحايا، بما في ذلك فعالية عند النصب التذكاري لضحايا الهجمات في متنزه الـ«هايد بارك». ولربما هدأت السنوات العشرة التي انقضت من وقع الصدمة الأولى، والتي لم يكن مردها إلى حصيلة الوفيات فحسب، بل إلى معرفة أن الانتحاريين لم يكونوا أجانب بل مواطنين بريطانيين منغمسين في حياة هذا البلد وثقافته. وخلال العقد الذي مر منذ وقوع الهجمات، أصبح الفكر المتشدد النابع من داخل بريطانيا تقريبا من ثوابت الحياة البريطانية.
لم تتكرر التفجيرات، ولكن ظهور تنظيم داعش في العراق وسوريا قد أحدث تحولا في طابع الفكر المتشدد المحلي؛ فهناك اعتقاد بأن 700 بريطاني انضموا إلى «داعش»، ليس فقط شبابًا من أمثال أولئك الذين نفذوا تلك الهجمات، وإنما أمهات، وأجداد، وطالبات مدارس، وأطباء.
وقبل حلول الذكرى بثلاثة أيام، نشر 12 من أفراد عائلة منان من لوتون، وهي بلدة تبعد نحو 30 ميلا عن شمال لندن، بيانا يوضحون فيه سبب سفرهم للانضمام إلى «داعش» في سوريا. وزعمت الأسرة، التي تتحدر من أصول بنغالية، أنها ستشعر بالسعادة في «أرض خالية من الفساد وظلم القوانين الوضعية، تحت حكم الشريعة».
ودفع هذا التوجه إلى سوريا البعض من غير المسلمين إلى توجيه أصبع الاتهام إلى المجتمعات الإسلامية؛ حيث أدان ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، خلال الشهر الماضي أولئك الذين، وإن كانوا لا ينتهجون نهجا عنيفا، «يرتمون» في أحضان النهج المتعصب، و«يقرون بهدوء» أفعال «داعش». وأشار استطلاع للرأي نشر الأسبوع الماضي إلى أن 56 في المائة من البريطانيين يعتقدون أن الإسلام يمثل تهديدا للديمقراطية الليبرالية الغربية، وهو رقم أعلى بواقع 10 نقاط عما كان عليه قبل عقد من الزمن.
وفي الوقت ذاته، يقول نشطاء مسلمون إن هناك زيادة كبيرة في الاعتداءات على المسلمين في السنوات الأخيرة. وتشير أرقام صادرة عن شرطة العاصمة في 2014 إلى أن جرائم الكراهية ضد المسلمين زادت بنسبة 65 في المائة خلال الاثني عشر شهرا الماضية. وقد يشير كل هذا إلى كيان مستقطب ما بين المسلمين المعزولين، وغير المسلمين المعادين للإسلام.
وقد أظهرت كثير من استطلاعات الرأي أن المسلمين يعبرون عن الانتماء لبريطانيا بدرجة أكبر من باقي المواطنين. وفي استطلاع أجري عام 2009، قال 77 في المائة إنهم يربطون هويتهم بقوة ببريطانيا، مقارنة بـ51 في المائة من سكان البلاد. كذلك، وجد استطلاع أجري عام 2011 أن 83 في المائة من المسلمين يشعرون بالفخر لكونهم بريطانيين، مقارنة بـ79 في المائة من البريطانيين بوجه عام.
مشاعر الكراهية المعادية للإسلام حاضرة من دون شك، ولكن قطعا ليس هناك مناخ من «عداء لا هوادة فيه» تجاه المسلمين.
وقبل عقد من الآن كانت جرائم الكراهية مثل الاعتداءات، والقتل، والتفجيرات أكثر شيوعا، لكن نحمد الله أن العنف العنصري المقيت بات نادرًا اليوم.
إذن، لو أنه من الناحية العملية، يتعايش المسلمون وغير المسلمين بسلام نسبي، كيف لنا أن نفهم الاستقطاب في التوجهات؟ لماذا يرى عدد كبير من غير المسلمين البريطانيين الإسلام مصدر خطر، بينما يتوق كثير جدا من المسلمين إلى الشريعة الإسلامية؟
لا يكف الساسة عن الدعوة إلى الدفاع عن القيم البريطانية في مواجهة التطرف؛ ولكن بخلاف التصريحات المبتذلة عن الديمقراطية الليبرالية، يجدون صعوبة في أن يحددوا ماهية هذه القيم. وفي الوقت نفسه، يستمر هؤلاء الزعماء في تقويض القيم الليبرالية الأساسية باسم محاربة الإرهاب؛ فقد عززوا الرقابة التي تمارسها الدولة، وقيدوا حرية التعبير، وفرضوا حظرًا على منظمات معينة.
وفي الوقت ذاته، فإن مشاعر الاستياء في أوساط المسلمين وغير المسلمين على السواء حيال التيار السياسي السائد، وجدت أداة للتعبير عن نفسها في سياسات الهوية، والتي تشجع الناس على فهم مشكلاتهم من خلال المنظور المحدود المتمثل في الثقافة والدين. وتكون المحصلة النهائية هي أن الناس ينظرون إلى القيم باعتبارها تتعلق بالهوية أكثر من كونها مُثلا عليا. وبالنسبة لكثير من غير المسلمين على سبيل المثال، فإن فكرة الشريعة تذكرهم بصور قطع «داعش» للرؤوس، أو الظلم الواقع على النساء. أما لكثير من المسلمين، فتأييد الشريعة ليس أكثر من مجرد تأكيد للهوية.
لا تكمن المشكلة الحقيقية في عدم ولاء المسلمين وانتمائهم، أو في تفشي الإسلاموفوبيا؛ بل هي تتمثل في ظهور مجتمع قبلي تنحسر فيه مشاعر الانتماء داخل نفوس الناس الذين يعيشون به. وعلى الأطراف، يمكن لهذا أن ينقل حالة النفور إلى تشدد من جهة، وكراهية للمسلمين من جهة أخرى.
إن بريطانيا ليست منقسمة إلى معسكرات متناحرة، كما يقول البعض؛ ولكن عواقب القبلية قد تكون مدمرة.
* خدمة «نيويورك تايمز»
