تمثل سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان لغزاً بالنسبة للبعض، ويركز العالم على محاولة مساعدة أولئك البائسين الذين يحاولون الهروب، خاصة النساء والفتيات.
يمثل ذلك أيضاً مفاجأة للغرب، حيث يبدو الوضع وكأن أوروبا والولايات المتحدة لم تكونا يوماً في أفغانستان. وهذه هي المرة الأولى التي تتم الإشارة فيها إلى المادة (5) لحلف شمال الأطلسي التي تلزم جميع أعضاء الحلف بالدفاع عن بعضهم. لقد ظل الأوروبيون لسنوات عديدة يسهمون بالتزام عسكري قوي وبرنامج اقتصادي كبير تصل قيمته إلى 20.3 مليار دولار. مع ذلك في النهاية تم تحديد توقيت الانسحاب وطبيعته في واشنطن، ووجدنا نحن الأوروبيين أنفسنا نعتمد على القرارات الأميركية في عمليات الإجلاء وغيرها.
ينبغي أن يمثل ذلك نداء استيقاظ وتنبيه لأي شخص معني ومهتم بالتحالف الأطلسي. ولعل من المفهوم ألا ترغب أميركا في أن تقوم بكل شيء بنفسها، ولتصبح أوروبا حليفاً أقوى وذات مقدرة أكبر، عليها الاستثمار بشكل أكبر في إمكاناتها الأمنية وتنمية قدرتها على التفكير والتصرف بشكل استراتيجي. الأحداث التي تشهدها أفغانستان مفاجئة، لكن علينا اعتبارها مؤشراً يرشدنا نحو تعميق علاقة التحالف مع أميركا لا الانقسام والشقاق.
لتحقيق ذلك علينا أولاً توحيد مستوى استشعار ما نواجهه من مخاطر وكيفية معالجتها بأفضل شكل ممكن، أي التوصل إلى ثقافة استراتيجية مشتركة. ويعمل الاتحاد الأوروبي في الإطار نفسه على وضع بوصلة استراتيجية أوروبية في شكل وثيقة سوف تحدد بدقة طموحاتنا المتعلقة بالأمن والدفاع خلال الفترة المقبلة التي تتراوح بين خمس وعشر سنوات.
الدول الأعضاء منخرطة بالكامل في هذا الأمر؛ فعلى سبيل المثال اقترح البعض إنشاء «قوة دخول أولي» أوروبية تتألف من 5 آلاف فرد تستطيع اتخاذ إجراء سريع قوي. وربما تكون المساعدة في تأمين مطار في الظروف الصعبة المليئة بالتحديات مثل الوضع في كابل من العمليات التي نستهدفها في المستقبل. ومن خلال التحلي بروح وقوة التعاون نأمل أن تكون الوثيقة، التي من المقرر إصدارها في ربيع 2022، بمثابة دليل إرشادي نحو مستقبلنا الجماعي.
إنه مستقبل غامض مليء بالمخاطر في مختلف المجالات، بما فيها الفضاء الإلكتروني والبحر والفضاء الخارجي. لهذا السبب من الضروري أن يعمل الأوروبيون معاً على مسألة الدفاع بشكل أكبر سواء كان ذلك في إطار حلف شمال الأطلسي أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. إلى جانب زيادة القدرات والإمكانات العسكرية الضرورية المحورية مثل النقل الجوي، والتزويد بالوقود، والقيادة والتحكم، والاستطلاع الاستراتيجي، والأصول الموجودة في الفضاء، نحتاج إلى قوات أكثر قدرة وقابلية للانتشار والتواصل وتبادل المعلومات. ويتم بذل جهود بالفعل لتحقيق ذلك في شكل مبادرات عديدة.
مع ذلك علينا تقديم المزيد وبسرعة أكبر. سوف يتلقى صندوق الدفاع الأوروبي، الذي تم تأسيسه من أجل تعزيز قدرات الحلف الدفاعية، نحو 9.4 مليار دولار خلال الأعوام الستة المقبلة. وينبغي استخدام ذلك لدعم البحث التعاوني وتطوير تكنولوجيا الدفاع الضرورية بشكل كبير، فاتحاد أوروبي مستقل استراتيجياً بشكل أكبر وذو قدرات عسكرية أكبر سوف يتمكن بشكل أفضل من مواجهة التحديات التي تظهر في الدول الأوروبية وخارجها. أنا مقتنع أيضاً بأنه سيكون ذلك الاتحاد عوناً وإضافة للولايات المتحدة لصالح التحالف الأطلسي؛ ففي النهاية أي شراكة تحتاج إلى حلفاء أقوياء وثقة سياسية.
هذه المهمة ملحة للغاية، فعودة «طالبان» إلى سدة الحكم قد تحمل معها خطر تجدد هجمات تنظيمات إرهابية مناوئة للحركة، وزيادة عمليات تهريب المخدرات. يجب علينا أن نكون حازمين في التصدي إلى تلك الأخطار، وكذا في الاستجابة لتغير المشهد الإقليمي. سوف يكون لكل من الصين وروسيا وإيران تأثير ونفوذ أكبر في المنطقة، في حين ستعيد كل من باكستان والهند وتركيا وغيرها تموضعها. لا يمكننا أن نسمح لها بأن تكون هي الأطراف الوحيدة المتواصلة مع أفغانستان بعد انسحاب القوى الغربية، فعلى كل من أوروبا والولايات المتحدة إعادة رسم إطار مشاركتهما.
بعد نجاح حركة طالبان في تولي دفة القيادة في البلاد، سوف يتعين علينا الآن التعامل معها، والعمل من أجل التوصل إلى نهج دولي متسق قائم على التنسيق بين الدول. وبطبيعة الحال يجب أن يتم ذلك وفقاً لشروط واضحة تتعلق بسلوك الحركة خاصة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.
على الجانب الآخر، علينا مواصلة دعم الشعب الأفغاني، خاصة الأقليات والنساء والفتيات. ولتحقيق هذه الغاية قررت المفوضية الأوروبية بالفعل زيادة المساعدات الإنسانية خلال العام الحالي بمقدار أربعة أمثال، بحيث تصبح قيمتها 236 مليون دولار، مع وقف المساعدات المخصصة للتنمية. وسوف يكون من الضروري التوصل إلى طرق لإدخال وإيصال المساعدات الإنسانية، وتوفير ممر آمن لمن يشعرون بأنهم معرضون لخطر.
لا تعد الأحداث في أفغانستان بمثابة دعوة إلى الانسحاب بعيداً عن تحديات دولية أخرى، بل على العكس من ذلك ينبغي أن تزيد من جرأة أوروبا وشجاعتها، وتعمق تحالفاتها، وتعزز التزامها بالدفاع عن مصالحها، وتنمي قدرتها على تحقيق ذلك. تحفز بعض الأحداث حركة التاريخ، وعلينا نحن الأوروبيين تعلم الدروس المستفادة منها.
- الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية
- خدمة «نيويورك تايمز»
