ملأت الموجة الرابعة من «كوفيد - 19» المستشفيات في جميع أنحاء الولايات المتحدة جراء تعميم تدابير التخفيف، وانتشار «متغير دلتا» الأكثر قابلية للانتقال، ومعدلات التطعيم البطيئة.
في الولايات والمقاطعات التي يرتفع فيها «متغير دلتا»، ارتبكت أدوات تتبع الاتصال بدرجة كبيرة، لكن مراقبة انتشار الفيروس للسيطرة عليه ظلت فعالة. وهنا نستطيع القول إن درجة استجابة الصحة العامة لتفشي «كوفيد - 19» في مدينة «بروفينستاون» بولاية ماساتشوستس خلال شهر يوليو (تموز) كانت بمثابة درس موضوعي عن كيفية عمل «متغير دلتا» على أرض الواقع، وما هو مطلوب لإدارة المرحلة التالية من الوباء.
إذا أتيحت الفرصة، فإن فيروس كورونا، ومتغير دلتا على وجه الخصوص، يحب الانتشار في مجموعات، ما يعني إصابة كثير من الأشخاص خلال فترة قصيرة، وأحياناً في الوقت نفسه وبواسطة الشخص نفسه. في أوائل شهر يوليو، لم تكن «بروفينستاون» تفتقر إلى فرص الانتشار، حيث دخل آلاف الأشخاص إلى منازلهم بسبب الأمطار ولم يرتدوا أقنعة، وكانوا يختلطون ويتواعدون للقاء في النوادي والمطاعم. وعلى الرغم من أن معظم المحتفلين قد تم تطعيمهم، فليس من المستغرب حدوث إصابات واسعة الانتشار.
ما حدث بعد ذلك كان مفيداً، حيث لاحظ المحققون في ماساتشوستس ارتفاعاً طفيفاً في الحالات، فحاولوا تحديد مجموعات انتقال العدوى ومكان حدوثها. فحيثما تجد حالة واحدة، من المحتمل أن تجد مزيداً منها. يُطلق على هذا الأسلوب اسم «التحقق من المصدر» أو «تتبع الاتصال العكسي»، فعندما يتم الإبلاغ عن حالة، ينظر المحققون إلى أنشطة الشخص لتحديد المكان الذي قد يكون مصاباً فيه، ثم يجري تحديد ما إذا كان قد أصيب آخرون في الوقت نفسه، أم لا. أثبتت هذه التقنية فاعليتها في تحليل مجموعات الأمراض في بلدان مثل أستراليا ونيوزيلندا، حيث تُعد كل حالة مجهولة المنشأ حالة طارئة، لأنها قد تعني أنه لم يتم العثور على حدث محتمل واسع الانتشار.
في الولايات المتحدة، من السهل التعرف على حالات تفشي المرض في التجمعات مثل السجون ودور رعاية المسنين. ومع عودة المدارس وظهور حالات «كوفيد - 19» في الحرم الجامعي، يمكن للمناطق التعليمية تضييق قائمة الأشخاص المحتمل تعرضهم لفيروس كورونا من خلال مراجعة قوائم الفصول الدراسية والحضور.
لكن بروتوكولات تتبع جهات الاتصال في كثير من الولايات بدت غير مناسبة تماماً للتفشي خارج تلك الإعدادات الخاضعة للرقابة، ذلك لأنها غالباً ما تركز على تحديد الأشخاص الذين قد يكون نقل إليهم شخص معين العدوى، وليس على الموقع الذي حدثت فيه العدوى. ورواد المطاعم والأماكن الأخرى مجهولون إلى حد كبير، إذ إن كل شخص يعرف عادة حفنة من الموجودين وليس جميعهم.
يعد التحقيق في المصدر مكملاً للاتصال القياسي، وليس بديلاً عنه. فعند اكتشاف حالات تفشي المرض، يجب إبلاغ الأشخاص على الفور حتى يتمكنوا من إجراء الاختبارات والتأكد من أنهم لا ينشرون الفيروس عن غير قصد. وبمجرد اكتشاف مجموعة، يجب على الأماكن إعادة تقييم تدابير التخفيف من «كوفيد» والتأكد من تلقيح الموظفين، وأن أنظمة التهوية تنعش الهواء الداخلي على الأقل من أربع إلى ست مرات في الساعة. يجب أن تحتفظ الأماكن عالية الخطورة بقوائم المستفيدين، ويمكن أن يكون التواصل مع العملاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي فعالاً للغاية.
قد لا يكون إلزام العملاء بتلقيحهم، كما فعلت نيويورك وسان فرانسيسكو ونيو أورلينز، كافياً لمنع تفشي المرض. وتطلب بعض الدول الأوروبية دليلاً على اختبار فيروس كورونا السلبي للأشخاص غير المطعمين الذين يدخلون أماكن الترفيه المغلقة.
حدث تفشي الفيروس في «بروفينستاون» عندما وصل الآلاف من الناس للاحتفال بالرابع من يوليو (تموز)، معتقدين أن لقاحاتهم ستحميهم من العدوى. وعندما بدأ المصابون بالشعور بالمرض، لم ينسب البعض أعراضهم على الفور إلى «كوفيد - 19» بسبب الاعتقاد السائد بأن العدوى الاختراقية شبه مستحيلة. وبعد ظهور الحالات، ساعد تحقيق وزارة الصحة المحلية بلا شك من خلال التواصل الشفهي القوي، حيث أثر كثير من الإصابات على أعضاء مجتمع المثليين، وهي مجموعة شهدت على مدى عقود آثار جائحة الإيدز. منذ ذلك الحين، أعاد كثير من الشركات المحلية تقييم تدابير التخفيف الخاصة بـ«كوفيد»، وأعادت الولاية فرض ارتداء القناع في الأماكن المغلقة، ومن ثم تراجع ظهور الحالات الجديدة.
حققت مدينة «بروفينستاون» أيضاً نجاحاً سريعاً ومثيراً للإعجاب فيما يخص التسلسل الجيني. فقد سمح الإجراء للمسؤولين بتحديد «متغير دلتا» باعتباره الجاني وراء تفشي المرض، وبحسب صحيفة «ذا تايمز» في يوليو، فقد ساعد ذلك مراكز «الحد من الأمراض والوقاية منها» في إدراك أن الأشخاص الذين تم تطعيمهم يمكن أن يصابوا وينقلوا فيروس كورونا إلى الآخرين. وأدى ذلك إلى إصدار توجيهات منقحة بأن يرتدي الأشخاص الذين تم تلقيحهم أقنعة في الأماكن الداخلية، حيث يُحتمل انتشار الفيروس بين الموجودين.
الأدوات والتقنيات التي تستخدمها إدارة الصحة العامة في ماساتشوستس في «بروفينستاون» ليست خاصة بمكان بعينه ويجب استخدامها على نطاق أوسع. ففي جميع أنحاء البلاد، تتجمع مجموعات كبيرة، غالباً في أماكن سيئة التهوية. والنوادي مكتظة في كثير من المدن، وغالبيتها لديها معدلات تطعيم أقل بكثير من «بروفينستاون». ففكرة أننا لا نبحث عن حالات تفشٍ في هذه المواقع لا يعني أنها لا تحدث. فهل معدلات دخول المستشفى الصاروخية في فلوريدا مدفوعة بعدد لا يحصى من مناطق «بروفينستاون» الصغيرة؟ هل متتبعات الاتصال يجري اتباعها؟
أعرب بعض المسؤولين عن قلقهم من أن الإبلاغ عن حالات الاختراق يقلل من ثقة الجمهور في اللقاحات. ولسوء الحظ، فإن مركز السيطرة على الأمراض لا يتتبع حالات الاختراق الطفيفة. نحن نختلف مع هذا القرار لأنه ما لم تُبلغ الدول عن بيانات موحدة حول حالات الاختراق، فسيكون من الصعب على مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تحديد مقدار مساهمتهم في الحد من تفشى الفيروس في المجتمع. في الوقت الحالي، يجب تشجيع الأشخاص الذين تم تطعيمهم على اتخاذ الاحتياطات المنطقية؛ مثل إجراء الاختبار والبقاء في المنزل إذا ظهرت عليهم أعراض «كوفيد - 19».
تُظهر مدينة «بروفينستاون» كيف يمكن لخطوة التحقق من المصدر أن تلقي بضوء قوي على كيفية انتشار الفيروس بشكل مجهول في الظلام، بين الحشود.
رغم أن التطعيم هو الأداة الوحيدة الأكثر فاعلية لدينا لمحاربة «متغير دلتا»، فإنه لا يقلل انتقال العدوى إلى الصفر لذلك يجب علينا أيضاً استخدام أسلحة أخرى للمكافحة؛ مثل التحقق من المصدر، وارتداء الأقنعة في الأماكن المغلقة عندما تزداد الحالات، وإجراء الاختبار المتاح. قد يظل المستقبل الوبائي مجهولاً، لكن الاعتماد على القدرية في مواجهة «متغير دلتا» لن يؤدي إلا إلى مزيد من المرض والوفيات التي يمكن تجنبها.
- خدمة «نيويورك تايمز»
9:8 دقيقه
TT
استجابة فعالة للغاية لمنع تفشي الفيروس؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
