غرايم سميث وديفيد مانسفيلد
TT

«طالبان» حازت الجائزة الاقتصادية الحقيقية لأفغانستان

إثر استيلائهم المذهل على كابل، حاولت حركة طالبان بث الشعور بالهدوء. بعد أيام فقط من اقتحام كبار المسؤولين الأفغان للرحلات الجوية العسكرية، وتعلُّق المواطنين الأفغان اليائسين بهياكل الطائرات المغادرة، قامت حركة طالبان بجولات تفتيشية في المرافق الحكومية. وفي غرفة التحكم بمرفق الكهرباء الحكومي، وقف وفد من حركة طالبان أمام شاشات العرض الوامضة ووعدوا بإبقاء الأنوار مضيئة.
والسؤال الملح هنا هو: كيف ستخطط «طالبان» تحديداً للإبقاء على جميع الأنظمة قيد التشغيل، في واحدة من أفقر بلدان العالم التي تعتمد على أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً من المساعدات الرسمية، وحيث تغطي الجهات المانحة الأجنبية 75 في المائة من الإنفاق الحكومي؟ وقد دفع إفلاس الدولة بعض الجهات المانحة الغربية إلى التفكير في أن الضغوط المالية - في شكل التهديدات بحجب التمويل الإنساني والإنمائي - يمكن أن تُمارَس على الحكام الجدد في أفغانستان. وكانت ألمانيا قد حذرت بالفعل من أنها قد تقطع الدعم المالي عن البلاد إذا ما «فرضت طالبان الشريعة».
ولكن هذه الآمال ليست في محلها تماماً. حتى قبل شن الهجوم على العاصمة نهاية الأسبوع، كانت «طالبان» قد حصلت على الجائزة الاقتصادية الحقيقية للبلاد: الطرق التجارية - التي تشمل الطرق السريعة والجسور وممرات المشاة - التي تشكل نقاط اختناق استراتيجية للتجارة عبر جنوب آسيا. وببسط أيدي «طالبان» على مصادر الدخل عالية الربحية، ومع استعداد البلدان المجاورة، مثل الصين وباكستان، للقيام بأعمال تجارية، فإنها صارت معزولة بشكل مفاجئ عن قرارات المانحين الدوليين. ما سوف يحدث في البلاد بعد ذلك غير مؤكد تماماً - ولكن من المرجح أن يتكشف دون جهد حقيقي من القوى الغربية.
وأحد الأسباب وراء تضخيم الجهات المانحة الأجنبية لأهميتها في أفغانستان هو أنها لا تفهم الاقتصاد غير الرسمي، والكميات الهائلة من الأموال المستترة في منطقة الحرب. إن الاتجار في الأفيون والحشيش والميثامفيتامين وغير ذلك من المخدرات ليس النوع الأكبر من التجارة التي تجري خارج الدفاتر، ويأتي المال الحقيقي من الحركة غير القانونية للسلع العادية، مثل الوقود والواردات الاستهلاكية. إن الاقتصاد غير الرسمي - حجماً وإجمالاً - يتضاءل كثيراً أمام المساعدات الدولية.
فعلى سبيل المثال، قدرت دراستنا عن مقاطعة نيمروز الحدودية، التي نشرها هذا الشهر معهد التنمية لما وراء البحار، أن الضرائب غير الرسمية - أي تحصيل الرسوم من جانب الأفراد المسلحين للسماح بالمرور الآمن للسلع - جمعت نحو 235 مليون دولار سنوياً للشخصيات من «طالبان» وشخصيات موالية للحكومة. وعلى النقيض من ذلك، كانت المقاطعة تتلقى أقل من عشرين مليون دولار سنوياً في هيئة مساعدات خارجية.
إن نيمروز، الإقليم الجنوبي الذي يقع في قلب معقل مؤيدي «طالبان»، هو نوع من الأماكن التي قد تكون منطلقاً لـ«طالبان» للتفكير في كيفية عمل الاقتصاد. وفي هذا الصيف، شرعوا في الاستيلاء عليه. وفي يونيو (حزيران)، استولوا على غورغوري، المركز الإداري لمقاطعة خاشرود، تليها بلدة ديلارام، على الطريق الرئيسي، في يوليو (تموز). وقد توفر هاتان البلدتان فقط مبلغ 18.6 مليون دولار سنوياً لحركة «طالبان» إذا ما أبقت على الأنظمة السابقة للضرائب غير الرسمية، بما في ذلك 5.4 مليون دولار من تجارة الوقود و13 مليون دولار من السلع العابرة.
أما الجائزة الكبرى فكانت إدارة الجمارك في زارانج، وهي مدينة متاخمة لإيران وأول عاصمة إقليمية تسقط خلال هجوم «طالبان» في أغسطس (آب). ورغم أن المدينة زودت الحكومة رسمياً بمبلغ 43.2 مليون دولار من الرسوم السنوية - مع 50 مليون دولار إضافية من الضرائب المباشرة في عام 2020 - وجدنا أن هناك قدراً كبيراً من التجارة غير المعلنة، لا سيما الوقود، ما يجعل إجمالي العائدات الحقيقية من المعبر الحدودي لا يقل عن 176 مليون دولار سنوياً.
فرض تقدم «طالبان» معضلة على الدول المجاورة: فإما أن تستمر في التجارة ومنح «طالبان» المزيد من السلطة والشرعية، وإما أن تحرم نفسها من العائدات التجارية وتقبل الآلام المالية. ورغم أنها اختارت في بعض الأحيان حكومة «طالبان»، فإنه من غير الواضح — مع تصاعد الضغوط للاعتراف رسمياً بحكومة «طالبان» — إلى متى سيستمر ذلك.
ولنأخذ إيران على سبيل المثال، لقد قدرنا أن حركة طالبان حصلت على 84 مليون دولار العام الماضي من خلال فرض الضرائب على الأفغان الذين يتاجرون مع إيران - وكان ذلك قبل أن تستولي طالبان على ثلاثة من المعابر الحدودية الرئيسية لأفغانستان مع إيران. وكانت طهران، قد أوقفت جميع أشكال التجارة مع أفغانستان في أوائل أغسطس. ولكن الحتمية الاقتصادية المتمثلة في إعادة فتح حركة المرور التجارية قوية. وقد مر أكثر من ملياري دولار من التجارة عبر تلك المعابر في العام الماضي، وفقاً للأرقام الرسمية، وتشير أبحاثنا إلى أن الأرقام الفعلية، بمجرد ضم التجارة غير الرسمية، قد تكون ضعف هذه الأرقام. وتشير تقارير سابقة إلى أن المعابر الحدودية تفتح من جديد، رغم أن التجارة لا تزال بطيئة ومعطلة.
إن إدارة بايدن، التي لم تتوصل بعد إلى موقف رسمي بشأن كيفية الرد اقتصادياً على استيلاء «طالبان» على السلطة، جمّدت، بحسب ما ورد، احتياطيات الحكومة الأفغانية في الحسابات المصرفية للولايات المتحدة يوم الأحد، في حين اقترح مستشار الرئيس للأمن القومي، جيك سوليفان، هذا الأسبوع، أن النفوذ الأميركي على «طالبان» قد يأتي من «مسائل تتعلق بالعقوبات».
إلا أن المكاسب غير المتوقعة الناتجة عن التجارة عبر الحدود التي تتمثل في معبر حدودي واحد إلى باكستان، تمت السيطرة عليه في شهر يوليو الماضي، وسوف يُدر عشرات الملايين من الدولارات سنوياً كعائدات غير مشروعة، تجعل من «طالبان»، التي تحكم الآن الدولة الأفغانية، طرفاً فاعلاً رئيسياً في التجارة الإقليمية لجنوب آسيا. وهذا يعني، وبشكل حاسم، أن الطرق المعتادة التي تخضع من خلالها الأنظمة للضغوط الدولية - العقوبات والعزل - هي أقل قابلية للتطبيق على أفغانستان اليوم.
وهذه ليست سوى واحدة من السبل العديدة التي فرضت على الغرب التعامل، وربما الإجبار على التواصل، مع أفغانستان الخاضعة لحكم «طالبان»، ولكن هذا قد يكون واحداً من أكثر الأمور أهمية.
* خدمة «نيويورك تايمز»