بول سابين
TT

أميركا... إصلاح أخطاء الماضي

في خريف عام 1965، نشر رالف نادر، الذي كان يبلغ 31 عاما آنذاك، هجوما لاذعا على السجل الضعيف لسلامة السيارات الأميركية. وكان عشرات الآلاف من الأميركيين يموتون بلا طائل كل عام على الطرق السريعة في البلاد، وكان اللوم يقع على الحكومة الفيدرالية، كما زعم نادر في كتابه الأول «لا أمان بأي سرعة».
بدلا من إلزام شركات صناعة السيارات ببناء سيارات أكثر أمانا، غالبا ما كانت وكالات السلامة المرورية في الدولة تخدم مصالح الشركات الخاصة وتعامل المواطنين بازدراء أو لامبالاة، كما كتب. ودعا السيد نادر الشعب، الذي انتبه إلى الأزمة، لإجبار الحكومة على حماية المستهلكين الأميركيين.
ووسط الاحتجاجات وجلسات الاستماع في الكونغرس، أصبح السيد نادر شخصية وطنية مشهورة وحقق نصرا تنظيميا بارزا. وبعد عام واحد من نشر كتابه، انتزع الكونغرس بعض الصلاحيات من صناعة السيارات لإنشاء إدارة حكومية مستقلة، يطلق عليها اليوم «الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة». وتغلبت الوكالة الجديدة على معارضة الصناعة لأحزمة الأمان، والأكياس الهوائية، وإجراءات السلامة الأخرى، وبذلك أنقذت مئات الآلاف من الأرواح.
عندما يسمع معظم الأميركيين اسم السيد نادر اليوم، فإنهم يميلون إلى التفكير في دوره الخلافي في الانتخابات الرئاسية عام 2000، ولكنه قبل عقود من الزمان ساعد في قيادة هجوم أكبر كثيرا من تيار اليسار على الليبرالية المؤسساتية، ولكنه منسي الآن إلى حد كبير. بدءا من ستينات القرن العشرين وحتى السبعينات، عرّف السيد نادر وآخرون، بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى حركة بيئية متصاعدة، أنفسهم بالحملة الجديدة ضد ما اعتبروه الوكالات الحكومية المضللة والفاسدة في كثير من الأحيان.
وقد عزت راشيل كارسون، مؤلفة كتاب «الربيع الصامت» ذي الصبغة البيئية، الاستخدام المفرط لمبيدات الآفات جزئيا إلى «الدعاية» الحكومية و«السيطرة الاستبدادية التي أوكلت إلى الوكالات الزراعية». ومثل السيد نادر، حثت الأميركيين على الكف عن الثقة في أن تتصرف الحكومة الأميركية بمسؤولية.
أما اليوم، ومع الهجمات التي تتعرض لها السلطة التنظيمية النابعة من تيار اليمين، فقد يبدو من غير البديهي دراسة كيفية مساهمة السيد نادر والسيدة كارسون وحلفائهما - من اليسار - في انتقاد الحكومة. ولكن في السبعينات، كان الأمر كما لو أن الليبراليين ركبوا دراجة الحكومة الكبيرة بعيدا لإصلاحها، ثم لم يتمكنوا من معرفة كيفية تشغيلها بشكل صحيح مرة أخرى.
والآن، مع مضاعفة الديمقراطيين جهودهم لاستخدام الحكومة في معالجة المشاكل الملحة في عصرنا، مثل التغيرات المناخية، والتفاوت الاقتصادي، يتعين عليهم أن يستوعبوا دروس التاريخ. إذا كنت تهاجم الحكومة لكن لا تزال تريد استخدام سلطتها من أجل الصالح الاجتماعي، فعليك أن تثبت أنه يمكنك جعلها تعمل بشكل أفضل.
في منتصف ستينات القرن العشرين، كانت إدارة ليندون جونسون في أوج قوتها الليبرالية، الأمر الذي أرسى الأساس للرعاية الطبية، والمعونة الطبية، والحقوق المدنية، وحقوق التصويت. ورغم هذا فإن حركة الحقوق المدنية والحرب في فيتنام كانت محورية في إثارة الشكوك حول ما إذا كان من الممكن الوثوق بالوكالات الحكومية التي يقودها الخبراء. كما أظهر صندوق الدفاع القانوني والتعليم التابع للجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، والاتحاد الأميركي للحريات المدنية، كيف يمكن للقضايا المرفوعة ضد الحكومة أن تحدث تغييرا مجتمعيا مهما.
فقد تشكلت حركة دعوة واسعة النطاق إلى تحقيق المصلحة العامة وازدهرت من خلال تفكيك عيوب الحكومة. ولقد نجح ديفيد زويك، الناشط في مجال المياه النظيفة والذي يعمل مع السيد نادر، في التقاط الموقف المتردد الجديد الذي تبناه الليبراليون في التعامل مع الحكومة حين قال في شهادته أمام الكونغرس بشأن تلوث المياه: «نحن في حاجة إلى قوانين «محصنة ضد التدخلات الحكومية» بالأساس.
كان السيد نادر وحلفاؤه محقين بشأن مخاطر الحكومة التي سيطرت عليها الصناعة والنقابات العمالية من دون رادع من الخارج. وفي زمنهم كانت الحكومة تختبر الأسلحة النووية في الغلاف الجوي، فتشجع رش الملايين من الأطنان من المبيدات الحشرية عبر الأراضي وحرث الطرق السريعة عبر الأحياء الحضرية. كانت الحكومة تسمح للمناجم المعطلة بإفساد جبال الأبلاش وترك عمال مناجم الفحم يعانون من مرض الرئة الأسود من دون تعويض يُذكر.
ولكن مع انهيار التحالف الليبرالي الذي دعم - واعتمدت عليه - الحكومة الفيدرالية القوية والنشطة، صار من الصعب على الحكومة القيام بأمور كبيرة. كان الهجوم الليبرالي على «الحكومة الكبيرة، والشركات الكبرى، والنقابات العمالية الكبرى - التي اندمجت جميعها في ائتلاف ضخم واحد»، كما عبر عن ذلك أفضل الكتب مبيعا في عام 1972. «من يدير الكونغرس» - سببا في جعل الدولة الإدارية معرضة لتحديات من اليمين.
عندما أعلن رونالد ريغان عن أول حملة رئاسية له في عام 1975، أشار إلى هذه الانتقادات الليبرالية ضمن إطار ترشحه باعتباره هجوما على «الكونغرس، والبيروقراطية، وجماعات الضغط، والشركات الكبرى، والنقابات العمالية الكبرى». وأعلن السيد ريغان أن بقاء الشعب الأميركي وتقدمه يعتمدان على «قيادة تصغي إليهما وتعتمد عليهما وتسعى إلى إعادة الحكومة إليهما».
ولكن السيد ريغان والمحافظين انفصلوا عن النقاد الليبراليين في التساؤل عما إذا كان للحكومة الفيدرالية أي دور منتج تؤديه فيما يسمى الأسواق الحرة. عندما اختار الرئيس السابق دونالد ترمب المعينين الذين كانوا معادين بقوة لمهام وكالاتهم الخاصة، جسدت إدارته هذا الهجوم المحافظ الذي دام عقودا على الحكومة.
والآن، يريد الليبراليون القيام بأشياء كبيرة مرة أخرى، بما في ذلك إعادة صياغة أنظمة الطاقة والنقل الأميركية لتناول التغيرات المناخية. إن دروس السبعينات تبين لنا لماذا كان «الأفضل» يشكل أهمية بالغة في شعار الرئيس بايدن «إعادة البناء بشكل أفضل». إن بعض أجزاء مشروع قانون البنية التحتية الجديد من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ما زالت تفرض علينا بعض الأخطاء القديمة، مثل شبكة الطرق السريعة التي تضعنا في فخ المشهد الذي يتمحور حول النفط. وهناك بنود أخرى قد تقوم بالمزيد من خلال إصلاح أخطاء الماضي: إعادة ربط المجتمعات المنقسمة على نفس هذه الطرق السريعة، على سبيل المثال، واستبدال أنابيب الرصاص التي يمكن أن تسمم مياه الشرب.
* خدمة «نيويورك تايمز»