محمد زاهر سحلول
كاتب و طبيب سوري حامل للجنسية الأميركية و أحد الأطباء العاملين في مجال مكافحة انتشار فيروس شلل الأطفال بسوريا
TT

مسلمو أميركا ومحو الصورة السلبية

يجري نقاش هادئ بين المسلمين الأميركيين حول كيفية استعادة دينهم والتأكيد على حبنا للنبي (صلى الله عليه وسلم). ربما تكون عبارة «كلنا شارلي» قد انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي في أعقاب المجزرة التي وقعت بمكاتب مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة، لكن بالنسبة للكثير من المسلمين كانت عبارة «كلنا محمد» هي الاستجابة الأصدق.
ويمكن التوصل لإجابات في تعاليم النبي (صلى الله عليه وسلم). إن المسلمين يجتهدون لصياغة حياتهم على غرار حياة الرجل الذي يعتبرونه «رحمة للبشرية». إن المسلمين يعشقون محمدًا (صلى الله عليه وسلم)، كما يحبون باقي الأنبياء، ولا يملكون سوى الشعور بالألم عندما يتعرض لإهانة أو ذم.
منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حدثت زيادة مستمرة في الصورة السلبية المرتبطة بالمسلمين. وخلص استطلاع للرأي أجراه معهد «بيو» العام الماضي إلى أن الرأي العام ينظر للمسلمين بـ«فتور» أكبر عن أي مجموعة دينية أخرى. المثير أن الاستطلاع ذاته أشار إلى الأفراد الذين يعرفون مسلمين يميلون لإبداء وجهة نظر «أفضل» حيالهم. وهنا تكمن المشكلة، عندما يجري تصوير المسلمين الأميركيين في وسائل الإعلام والثقافة الشعبية باعتبارهم «آخرين»، وهو الحال ذاته الذي تعرض له الكاثوليك أو اليهود أو الأميركيون من أصول يابانية خلال فترات من تاريخنا. اليوم، ينطوي هذا التوجه على خطورة خاصة لتزامنه مع تنامي التهديدات والهجمات ضد المسلمين وأماكن عبادة المسلمين داخل الولايات المتحدة وأوروبا. حتى الآن، ليس لدينا تفهم كامل لماذا قتل ثلاثة شباب مسلمين في تشابل هيل بنورث كارولينا، مؤخرا، ولكن من المتفهم سبب خوف الكثيرين من أن تكون وراء هذه الجريمة البشعة، بصورة جزئية على الأقل، مشاعر كراهية للمسلمين. لحسن الحظ، لتناول مثل وجهات النظر تلك ينبغي علينا الحديث بصراحة أكبر حول تعاليم ديننا.
في كتابها «محمد.. نبي من عصرنا»، شرحت الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونغ طبيعة الفهم الغربي السطحي لنبي المسلمين (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه، وطرحت سردا مقابلا بناء على سيرته الذاتية. وعن ذلك تقول: «محمد لم يكن رجل عنف. لقد تميز بمعاملته الخالية من الأنانية لمن حوله».
محمد أكثر اسم محبوب بين المسلمين، وأنا شخصيًا أحمل اسمه، وكذلك ولدي. وفي الثقافة العربية، من المتوقع أن يعكس الأفراد سمات الأسماء التي يحملونها. من جانبه، اختار الملاكم كاسيوس كلاي لنفسه اسم محمد عندما اعتنق الإسلام، وكذلك إليجاه محمد، مؤسس «أمة الإسلام». كما خاض زعيم الحقوق المدنية مالكوم إكس رحلة روحانية على خطى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بمدينة مكة المكرمة، قال إنها بدلت حياته وأزالت الكراهية والعنصرية من قلبه.
إن صورة محمد (صلى الله عليه وسلم) في أذهان المسلمين هي لرجل بسيط تقي يتفهم أوجه قصور البشر. لقد كان رجلا رقيقا متواضعا محبا ذكيا واسع الأفق. وقد طلب من أتباعه أن يحترموا كل حياة - حتى حياة الحيوانات والنباتات. وقال إن حياة فرد واحد أكثر قدسية عن أكثر الأماكن قدسية على الأرض. وقد سامح خصومه، حتى من قتلوا ومثلوا بجثة عمه. وندد بالعنصرية وتزعم مبدأ العدالة الاجتماعية. لقد طلب من الرجال أن يحترموا النساء، وألا يؤذوهن.
وحري بالقول إن الأعمال الهمجية الإجرامية التي يقترفها «داعش» ومرتكبو مذبحة باريس لا تمثل تعاليم محمد (صلى الله عليه وسلم).
وقد قال الرئيس أوباما مؤخرا: «إن ميزتنا الكبرى.. أن سكاننا المسلمين يشعرون بأنهم أميركيون. وهناك عملية رائعة من الهجرة والاندماج تمثل جزءًا من تقليدنا الذي ربما يشكل نقطة قوتنا الكبرى». ومن جميع الجوانب، يعد الطلاب الثلاثة الذين قتلوا في تشابل هيل - ضياء شادي بركات ويسر محمد أبو صالحة ورزان محمد أبو صالحة - مواطنين مثاليين سعوا لمساعدة الأقل حظا وآمنوا بخدمة مجتمعهم. كما أنهم تبعوا نموذج النبي (صلى الله عليه وسلم).
وينبغي أن تتعرف أعداد أكبر من الأميركيين على جيرانهم المسلمين وأن يطلعوا على إسهاماتهم في الحياة المدنية. في شيكاغو حيث أعيش، هناك مسلمون مشاركون في شتى جوانب الحياة، ويسهمون بصورة كبيرة على وجه الخصوص في مهنتي، الطب. كما أن برجي «ويليس» و«جون هانكوك» صممهما مهندس معماري مسلم. وتحتل منظمات مثل «ذي إنر سيتي مسلم أكشن نيتورك» مقدمة العمل الاجتماعي، حيث تعمل على محاربة العنف وتوفير فرص للشباب داخل المدن. وهناك آلاف الشركات والمطاعم المسلمة التي ترحب بالجميع وتعد إضافة إيجابية للمدينة. هذا هو واقع المدن عبر أرجاء أميركا. خلال فترة حياته، ومثلما حدث مع عيسى وموسى (عليهما الصلاة والسلام)، تعرض النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لحملات حادة لتشويهه وتشويه رسالته. وكان الرد الأمثل على ذلك حسبما ذكر القرآن أن يرد المرء الإهانة بالتي هي أحسن. هذا هو ديني، وهذا هو الرجل الذي يعشقه المسلمون.

* خدمة «واشنطن بوست»