أين وصلت محادثات التوصل إلى اتفاقيات تجارة وعلاقات ما بعد «بريكست» بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي؟
المحادثات مستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، رغم خطر التوقيت الصحافي، لكنه حتى في حالة التوصل إلى اتفاق بعد ذهابنا للطبع، لن يعترف به إلا بعد تصديق برلمان وستمنستر عليه؛ ومجلس العموم في عطلة أعياد الميلاد، واستدعاؤه، في حالة التوصل لاتفاق، لن يكون قبل مساء غد (الاثنين).
وأريد طرح حقائق العقبتين بدقة، لأن غالبية المؤسسات الصحافية وشبكات التلفزيون (بما فيها البريطانية) منحازة للاتحاد الأوروبي. وهو ما يقود لأول أسباب عرقلة التوصل إلى اتفاقية حتى الآن. بروكسل والتيارات (التي أسميها بالبقائيين) المعاكسة لـ«بريكست»، لديها سوء فهم لعلاقة الشعب البريطاني بالديمقراطية، لأنها لا تنفصل في المفهوم البريطاني عن السيادة الوطنية لمئات السنين. كبير المفاوضين ميشيل بارنيه ظل يفاوض طوال الوقت بغاية عرقلة خروج بريطانيا، بأمل أن يغير الناخب البريطاني رأيه، ويقرر البقاء في الاتحاد.
والغاية أيضاً مرتبطة باستراتيجية مفهومة (ومتوقعة) من الاتحاد الأوروبي، وهي إظهار المملكة المتحدة على أنها الخاسر الأكبر حتى لا تفكر الشعوب الأخرى في مسألة الخروج، أو تصوت لتيارات وأحزاب تريد الانفصال عن الوحدة الأوروبية؛ وهي تيارات قوية في بولندا والمجر والنمسا وإيطاليا واليونان، بل وفي فرنسا نفسها. ونمو شعبية الجبهة الوطنية المناهضة لبروكسل في فرنسا هو السبب الرئيسي في تعنت الرئيس إيمانويل ماكرون في مفاوضات سيادة بريطانيا الكاملة على مياهها الإقليمية، ليظهر أنه أقوى من زعيمة الجبهة مريين لابين في الدفاع عن المصالح الفرنسية.
الخطأ الآخر الذي ارتكبته بروكسل أنها لا تزال تتعامل مع المفاوض البريطاني من منطلق سياسي خالص، وهو تماسك الوحدة الأوروبية بهدف تحقيق فيدرالية ولايات متحدة أوروبية، بينما الاتحاد الأوروبي بالنسبة للندن هو سوق تجارية، السياسة فيها تخدم الاقتصاد، وليس العكس؛ فبريطانيا أقامت إمبراطورة بالتجارة قبل السياسة.
المصايد التي يتعنت فيها الرئيس الفرنسي، لا تزال واحدة من أهم عقبتين، في طريقها للحل، أو للجمود، أو عدم التوصل إلى أي اتفاق.
بريطانيا قدمت تنازلات في مسألة المصايد والثروة السمكية، وهي فترة انتقالية لثلاث سنوات، بينما بارنيه (وكان وزيراً سابقاً للزراعة والمصايد في فرنسا) يريد 10 سنوات، وبريطانيا قدمت تنازلاً آخر بقبول استعادة 50 في المائة فقط من ثروتها السمكية في مياهها الإقليمية خلال الفترة، بينما بروكسل تقدم 20 في المائة فقط لبريطانيا، وتريد الاستئثار بـ80 في المائة من الأسماك البريطانية.
نقطة الخلاف الأخرى ما يعرف بتكافؤ شروط المنافسة التجارية، أي تحديد دعم الدولة أو الحوافز المقدمة للشركات والاستثمارات. هذا الشرط لم يطرحه المفاوضون الأوروبيون بزعامة بارنيه طوال أربع سنوات، وإنما أشهرته بروكسل فقط في الشهر الماضي لتخريب المفاوضات. بروكسل، نظرياً، تسمح بتقديم دعم للشركات والاستثمارات، لكن على مستوى الاتحاد من صندوق مركزي في بروكسل، لكنها ترفض أن تسمح لبريطانيا، كبلد مستقل، أن تدعم الاستثمارات من خزانتها، أو من خلال حوافز ضرائبية. بروكسل في الماضي استخدمت هذه الحيلة اللوائحية لدعم صناعات اقتصاديات قوية في فرنسا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا، وتخريب اقتصاديات بلدان زراعية كحال بلدان بحر البلطيق مثلاً التي يدفع الاتحاد الأوروبي من الدعم المركزي لمزارعيها لعدم إنتاج محاصيل بتكلفة أقل من المحاصيل الفرنسية. السياسة نفسها أدت إلى إغلاق صناعات الحديد والصلب والسيارات في إمارة ويلز (ولوائح الاتحاد الأوروبي منعت الخزانة البريطانية من دعم الصناعتين) وتسريح آلاف العمال، بينما تقدم بروكسل من الدعم المركزي بضعة ملايين لإقامة مراكز ترفيهية ومعارض في الإمارة، أي تحويل الاقتصاد من نشاط إنتاجي بصناعات للتصدير إلى استهلاكي للخدمات؛ وهو اقتصاد لا يستطيع الصمود أمام طوارئ مثل الإغلاق بسبب إصابات «كوفيد - 19».
قبول بريطانيا هذا الشرط مقابل صفقة تجارية لا ينقص فقط من سيادتها الوطنية، بل يلوّح بخطر القضاء على ما بقي من صناعة السيارات فيها، ويهدد استراتيجية حكومة بوريس جونسون لإعادة بناء صناعات مناطق الشمال الفقيرة تنفيذاً لوعده الانتخابي العام الماضي. مثلاً يمكن لبروكسل أن تستخدم حيلة دعم الصندوق المركزي من بروكسل (مثلاً صندوق البنك المركزي الأوروبي بقيمة 750 مليار يورو لإنعاش الاقتصاد من آثار فيروس «كورونا») لدعم التوسع في إنتاج السيارات بالمحرك الكهربي ومشاريع الطاقة الخضراء، في بلدان أوروبا بسبب هستيريا البيئة الحالية. هذا الدعم أيضاً سيكون ورقة سياسية بالنسبة للتضامن والوحدة الفيدرالية الأوروبية، وفي المقابل، لن تستطيع الخزانة البريطانية (في حال قبول الشرط الأوروبي) تقديم دعم مماثل لصناعاتها المماثلة (التي عانت كثيراً أثناء إغلاق وباء «كورونا» للأسواق)، مما يجعل إنتاجها أكثر تكلفة من إنتاج الصناعات الأوروبية المنافسة.
بعض خبراء الصفقات التجارية يرون إمكانية إزالة هذه العقبة كصمويل مارك لو، خبير التجارة في المركز الأوروبي لتطوير الاقتصاد، في «الفينانشيال تايمز» (المناهضة للبريكست) قبل ثلاثة أيام هذا الأسبوع. مارك لو يقترح أن تشترك بريطانيا في الصندوق المركزي، حيث تقوم بروكسل في المستقبل، بطلب من لندن، بدعم أي صناعات في حاجة للدعم، ويتفق الطرفان على لائحة مشتركة.
هذا الحل يتطلب موافقة رئيس الوزراء جونسون، في قول صاحب الاقتراح «الموازنة بين السيادة الوطنية والعائد الاقتصادي من صفقة اقتصادية».
ولا يتوقع كثيرون من رئيس وزراء انتخب بأكبر أغلبية في ثلاثة عقود على برنامج التمسك بالسيادة الوطنية أن يقبل بهذا الشرط، أو يستطيع إقناع نواب الحكومة في وستمنستر به. كما أن الأمر يتعلق بالاقتصاد أيضاً قبل السيادة الوطنية. فليس في مصلحة الاتحاد الأوروبي، كمشروع سياسي آيديولوجي، أن يدعم صناعات واقتصاديات بلد انفصل عن الاتحاد، وبالتالي قد تتبعه بلدان أخرى، بل على العكس يريد أن يجعل من بريطانيا عبرة للآخرين. وقد تستخدم بروكسل الحيلة نفسها التي خربت اقتصاديات بلدان بحر البلطيق وإمارة ويلز، لانتقاء نوع الدعم، خصوصاً أن بريطانيا لن تكون ممثلة في المفوضية عند تقرير منح الدعم في المستقبل. كما لا يوجد ضمان ألا يستخدم زعيم كماكرون، أو زعماء آخرون، مسألة الدعم المركزي المقترح كورقة ضغط على بريطانيا في التفاوض في مسائل أخرى كالمصايد مثلاً، خصوصاً أثناء الفترة الانتقالية، أو عندما تقرر بريطانيا توقيع اتفاقيات تجارة مستقلة مع طرف ثالث، كالصين مثلاً التي تتفاوض الآن لبناء مفاعلات نووية يحتاجها مشروع جونسون للتخلص من عوادم الكربون والتوازن البيئي قبل منتصف القرن.
9:59 دقيقه
TT
عقبتان تعرقلان اتفاقاً بريطانياً أوروبياً
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
