يتطلع الأميركيون والعالم إلى نتائج أعمال الرئيس المنتخب جو بايدن، في نهاية المائة يوم من تنصيبه رئيساً للبلاد. مفهوم المائة يوم قيل إنه جاءنا من فرنسا، لكننا نجده في معظم قوانين العمل. ففي منطقتنا يحق لرب العمل الذي يُخَيب ظنه موظفون جدد أن يطلب منهم المغادرة بهدوء من دون أي «شوشرة» ولا مطالب. وهذه المدة تعتبر في العرف الإداري كافية لكشف أي خلل جسيم في الأداء. وأذكر أن أحد الموظفين قد قذف عميلاً أغضبه بـ«دباسة» أوراق كادت «تشق رأسه»، فاعتبرته جهة عمله شخصاً متهوراً لا يصلح للاستمرار معهم. وقد سمعت عن حالات عربية وأميركية طلبت الإدارة العليا من الأمن مصاحبة الموظف «كمتهم» إلى البوابة الخارجية، بعد أن اكتشف أنه شخص خطير أو سليط اللسان أو مد يده على أحد.
مشكلة السير الذاتية أنها لا تعكس شخصية الإنسان، ولذا لا تكاد تجد موظفاً في العمل يعين من دون مقابلة تعقبها في أحيان كثيرة فترة اختبار، أي تجربة مدتها نحو 3 أشهر.
أما لدى القياديين الكبار، فالأمر مختلف. فعقودهم تختلف قليلاً، فمنها مثلاً ما يجبر مجلس الإدارة على دفع رواتبه حتى نهاية المدة، إن هم قرروا تسريحه من دون خطأ ارتكبه، أو أن يستمر في عمله حتى انتهاء فترة التكليف أو مرسومه.
في الرئاسة الأميركية اللعبة مختلفة. ذلك أنها تعتبر فترة تعكس جدية التوجهات، ويتم تقييمها كمؤشر؛ إذ تشير أرقام «غالوب» إلى أن الرئيس كيندي حظي بأعلى نسبة قبول «approval» على الإطلاق، وهي 83 في المائة، في حين كان الأقل في نهاية المائة يوم الرئيس ترمب بنسبة تراوحت ما بين 40 و50 في المائة. غير أن ترمب الذي حبس فوزه الأنفاس قد حل ثالثاً في تاريخ الرؤساء، من حيث عدد القوانين التي أقرها في أول مائة يوم. وكان الأعلى روزفلت بعدد 76 قانوناً، أما أقلهم فكان بوش الابن بسبعة قوانين، حسب مجلة التاريخ الأميركية.
المائة يوم في حياة الرؤساء الأميركيين أشبه بشباك تذاكر السينما، الذي يقاس من خلاله جودة الفيلم من مبيعاته في عطلة نهاية الأسبوع الأولى. ولذا ما زال الأميركيون يتذكرون كيف فوجئ الرئيس كيندي بمباغتة السوفيات له، وللعالم، بإرسال أول إنسان للفضاء، وهجوم «خليج الخنازير»، واللحظة التاريخية التي أعلن فيها الرئيس ريغان (في أول يوم له) عن خبر تحرير الرهائن الأميركيين المحتجزين في سفارة بلاده بطهران. ونجا ريغان من محاولة اغتياله بعد 69 يوماً من تنصيبه. أما أوباما فقد استقل الطائرة إلى 9 دول في أول مائة يوم منها العراق وتركيا، وهو ما لم يفعله أي رئيس في تاريخ أميركا، فيما بدا أنه يحمل مشروعاً خارجياً مبكراً. هذا كله يجعل تاريخ المائة يوم حقبة غائرة في ذاكرة الأميركيين، وهو أمر مفهوم.
شخصياً لا أرى أن المائة يوم كافية لكشف التوجه أو الشخصية الحقيقية للإنسان، وجلده، وهمته، ورؤيته، وقيمته المضافة، فكثيراً ما تفتر عزيمة الناس بعد فترة وجيزة. إذن فالمقياس الموضوعي هو ماذا قدم القيادي أو الموظف الصغير من أعمال يشار إليها بالبنان بعد رحيله.
9:33 دقيقه
TT
اختبار «المائة يوم»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
